صورتهما معا والابتسامة العذبة تتدفق من وجهيهما المتهللين كشمس وقمر ، هي صورته وصورتها الشخصية، التي لا يخطئ الناظر إليها علامات البهجة والإشراق على محياهما بقربهما من بعضهما. وبرغم أن حياته وحياتها ممتلئة بالعمل والإنجاز، إلا أن من يعرفها يعرف أنها لا يمكن أن تجلس في مجلس لا تذكره فيه مرارا وتكرارا بكل محبة ولهفة، ومن يعرفه يعرف أنه لا يمكن أن يكون في مكان دون أن يتكلم عنها بحب وتقدير، بحيث يجعل من لا يعرفها في شوق لأن يتعرف عليها شخصيا!

 

أما حين يمر اسمها من أمامه فإن وجهه يتهلل، وتبرق عيناه، وهي ما زال قلبها يدق بسرعة كلما نظرت إليه، وتدمع عيناها إذا ذكرته. من لا يعرفهما ويراهما معا يتمشيان واليد في اليد يظن بأنهما مخطوبان أو عاشقان، لكن المدهش في الموضوع أن كل ذلك مازال يحدث بعد عشرات السنوات من الزواج وإنجاب الأبناء!

ذلك الألق في بعض العلاقات الذي صدّرته لنا الروايات ووسائل الإعلام والمسلسلات والأفلام على أنه غالبا يكون ثمرة علاقة حب حرام، أعني خارج إطار الزواج، أما الزواج فقد تم تقديمه غالبا على أنه مقبرة الحب !

 

للأسف واقعيا ليست كثيرة جدا ، تلك الزيجات السعيدة المزدهرة التي يزدهر فيها الزوجان والأطفال معا، بحيث يكون الحب والعطاء والازدهار بمنحى تصاعدي في الأسرة. تلك الأسر ليست مثالية، بمعنى: أنها خالية من المشاكل والأخطاء، بل على العكس، ولكن برغم كل ما قد تمر به العلاقة من محن ومصاعب وتحديات، قد تكون مهلكة أو مدمرة، إلا أن المحصلة في النهاية تكون ازدياد العلاقة قوة ورسوخا وتطورا. فما ذلك السر؟

وهل هناك فعلا سحر وراء ذلك، كما كان يمازحها في كل مرة يختلفان فيها بشدة ثم يتصافيان ليزدادا حبا وتعلقا، هل هناك سحر ما في الموضوع ؟
ما هو السحر الحلال ، وكيف يمكن أن نعيد إنتاجه في حياتنا ؟

1- الإيمان والعمل الصالح والتقوى أساس للسعادة الزوجية :

الإيمان والعمل الصالح : (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) .

شرط الحياة الطيبة الأول هو الإيمان، فمن لم يحب الله، فلن يحب نفسه لإيمانه بعظمة خلقه وروعته ورضاه بِمَا وهبه الله، بالتالي لن يكون قادرًا على أن يحب غيره كما يحب نفسه، ولن يكون قادرًا على العطاء والتضحية والاحتمال والصبر عند اللزوم، وربطروجوده بالحياة بهدف أعمق يتجاوز الأحداث السطحية والرغبات العابرة والنزوات السريعة إلى إدراك أعمق لوجوده ووجود الآخر، وهدف أسمى من العلاقة:

هو إنشاء الخليفة الصالح في الأرض عن طريق إنشاء الأسرة، التي تحقق معنى السكن والمودة والرحمة التي جعل الله الزواج وسيلة لتحقيقها.

حين يدرك الزوجان كل هذه المعاني ويطبقانها فعلا قبل الزواج، فإن ذلك يعني أنهما يبنيان زواجها على أساس متين، وعلى مرجعية قوية تعيدهما لجادة الصواب وقت الخلافات والمصاعب، وتحمي مركب الزواج من التصدع والانهيار.

العمل الصالح هو تحويل الإيمان إلى فعل ووضعه في موضع التطبيق، وحين يجتمع الزوجان على ذلك، صلاة وصياما وتعبدا وحسن خلق وبرا وإحسانا وعفوا وصفحا وغفرانا وتغافلا عن الأخطاء العابرة، تغدو كل حياتهما معا عملا صالحا بوجود النية المخلصة لله في كل علاقتهما، حتى العلاقة الزوجية الخاصة، وحتى اللقمة التي يضعها الزوج في فم زوجته!

فهل يمكن أن يوجد أكثر سعادة وأجرا وإثمارا من هذه العلاقة، التي كان ـ لا سمح الله ـ يمكن أن توجد في حرام ، ولكنها وجدت في حلال وبنية طيبة؛ لتصبح سببا في زيادة الأجر، وزيادة السعادة والقرب من الله في حياة الزوجين.
التقوى : بمعنى أن يجدك الله حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك. بمعنى أن تبتعد عن الإثم الذي هو ما حاك في نفسك وكرهت أن يطّلع عليه الناس. وَمِمَّا شاع من الإثم بسبب ضعف النفوس : العلاقات المفتوحة بين الرجال والنساء، في أماكن العمل والدراسة وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا مما عمت به البلوى من اختلاط بلا ضوابط بين البنين والبنات.

 

 

وهو من نقص التقوى وخدش الحياء والتلاعب حول حمى الله الذي حرم الفاحشة ودعانا إلى قطع الطريق عليها بغض البصر والحجاب والبعد عن اللين في الكلام ومنع الخلوة والأمر بالتقوى والتوبة. هذا التقارب وتلك المشاعر هي حصرا للزوج والزوجة بالحلال، وليس قبل ذلك أبدا. ولذلك فإن قلبها وقلبه كتب عليهما، ممنوع الاقتراب هذا القلب محجوز لحلالي !

فإن من ترك العبث بالعلاقات والمشاعر في الحرام، وابتعد عن الشبهات لله وحده وطمعا في رضاه وثوابه، عوضه الله بالسعادة في الدنيا والآخرة : من ترك شيئا لله عوضه الله، وسيجد كل ما رغب به ومنع نفسه منه طمعا في رضا الله، في علاقته الزوجية إن شاء الله وبالحلال.

وعلى العكس من ذلك من خاض في الحرام وسلك طريق العلاقات المشبوهة وتلاعب بمشاعر الناس، فلن يجد السعادة في حياته الزوجية؛ لأنه سيجد فيها عقوبة على ما مضى من ذنوبه وانعكاسا لعبثه وعيوبه.
لذلك لم يفت الأوان، فلنتخذ قرارا بالبعد عن كل علاقة مشبوهة غير موجهة لهدف محدد وسريع جدا وواضح للجميع بين أي رجل وامرأة وليكن موقفنا :

تركتك لله وعلى الله العوض. وإن الصبر عن المعصية في زمن شيوعها من أعظم العبادات، فالقابض على دينه كالقابض على الجمر، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .

2- الاختيار السليم على أساس الخلق والدين والتكافؤ

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ). وقال أيضا: (فاظفر بذات الدين تربت يداك ). بمعنى لصقت يداك بالتراب إن لم تفعل. حسن الاختيار منذ البداية حماية للذات وللآخر وللأسرة من التخبط الذي قد ينجم عن سوء الاختيار.

 

حسن الخلق أولا قبل الدين ، لأنه وللأسف قد ينشغل الناس بممارسة الشعائر ظاهريا، دون أن تحدث التغيير المطلوب في سلوكهم، وهذا بالطبع وبالرغم من أنه يعني أنهم أساسا لم يمارسوها بالشكل الصحيح الذي يغيرهم للأفضل ، إلا أنه يعني أيضا أنه سيكون هناك أناس يصلون ويكذبون ويسرقون ويغشون، وستكون هناك نساء يتحجبن ويغتبن ويغششن ويكذبن . لذلك فالسؤال والاستقصاء وإعمال العقل قبل العاطفة في الاختيار هام جدا ، قبل أن يسلم المرء نفسه للوقوع في حب الشريك .
الدين وفهم معناه العميق والالتزام بشعائره ومعاملاته وأخلاقه بشكل مستمر ، أهم العوامل التي لا يجب التهاون فيها بتاتا ، وعاقبة التهاون في الارتباط بأصحاب المعاصي وخيمة ، والوعي والحذر منذ البداية أسلم .

 

من يرد أن يهتدي لن ينتظر زوجة لتهديه ، وهي لن تتزوج لتفتح مصحة نفسية ! هناك من العيوب والنقائص ما يمكن التغاضي عنها ، مما لا يهم كثيرا ، ومنها ما إذا تم التغاضي عنه فسيكون سببا لمعاناة طويلة ، قد تنتهي بطلاق عاجل أو آجل أو تعاسة حتى يأذن الله .

تقارب المستويات الفكرية والروحية والعاطفية والنفسية والمادية والأرضية المشتركة ، كلها أمور تساعد الزواج على النجاح.

 

وبرغم ذلك ومهما حاولت أن تختار شخصا كفؤا وقريبا منك ، وبرغم كل التقارب الذي قد تبدوان عليه في بداية العلاقة الزوجية ، أبشركما : أنتما شخصان مختلفان تماما ، مهما بدوتما متطابقين في البداية ، الحياة المشتركة ستجعلكما تكتشفان ذلك ، هذا هو الطبيعي ، فلا تذعرا !

ستختلفان وتغضبان ، ولكن هذا عادي جدا ، جميعنا كالقمر له جانب مظلم . فليكن الخلاف لسبب مهم وليس لأمر تافه، فأن تكون سعيدا متقبلا ، أهم بكثير من أن تكون على حق. المهم أن تحاول أن تتعلم باستمرار وتفكر وتقرأ وتزيد وعيك لتتطور العلاقة ويزداد الوفاق .

3- الحب : هو حالة دائمة من الاهتمام بالشخص المحبوب ، هو أن نعطي أنفسنا بالكلية للشخص الآخر.

الحب فعل من أفعال الإيمان ، ومن يكن قليل الإيمان يكن قليل الحب، وممارسة الإيمان والحب تبدأ بالتفاصيل اليومية للحياة . الحب هو البلسم السحري القادر على أن يقرب الاختلافات ويشفي الجروح ويمرر الخلافات ويغفر الزلات، ولكن دورها في الاختيار يجب أن يأتي بعد دور العقل .
العاطفة بلا عقل تيار أهوج قد يودي بالمرء إلى الهلاك والندامةً ، كما نرى ونسمع حولنا الكثير من القصص التي تسببت فيها العواطف المتفلتة من قيد العقل والدين في تدمير صاحبها وهلاكه دنيا وآخرة .

من شبه المستحيل أن ينجح زواج ويستمر بلا حب ، وكذلك مع اختيار سيّء على أساس العاطفة بلا عقل. الاختيار السليم يكون بكل من العقل والقلب ، إياك أن ترتبط بشخص لا تحبه وتجده توأم روحك ، وإياك أن تعميك العاطفة لتخرس صوت العقل .

العاطفة في الزواج لها مفعول السحر ، ومع العشرة يأخذ الحب شكلا أعمق وأكثر هدوء وأقل استعارا ، ليتحول إلى محبة راسخة، لكن هادئة وعميقة جدا ، هي المودة والرحمة والسكن.

تنطوي على معنى أنني بت أعرفك جيدا وأعرف ميزاتك وعيوبك ، وأعرف أن هناك اختلافات بيننا ربما لا سبيل لحلها ، ولكنني أحبك وسأبقى أحبك وراض بك، وسنبقى معا حتى النهاية . هذا هو المعنى الأعمق للسحر الحلال:

ففي الحاضر: يشير للرضا بعطاء الله في الشريك والفرح به و السعادة ، ما دامت تجمعنا معه كل الروابط الكبرى والأهداف العظمى التي تكلمنا عنها.

وفي المستقبل: يحمل الحب الزوجي معنى الأمان والاستقرار والأمل في المستقبل الزاهر مع الشريك.

وبالنسبة للماضي : فيعني إدراك كل ما مضى في الماضي من صعوبات وتقبلها بسماحة كدروس في الحب والحياة ، وكطريق للارتقاء نحو تحقيق أهداف أعمق للذات وللشريك وللأسرة بأجمعها ، بل للمجتمع بأسره.

فعلاقات وأسر كهذه إن تكاثرت وامتد تأثيرها كفيلة بأن تضفي على المجتمع سحرا حلالا وألقا ونورا يشرق؛ لينير العالم كله. العالم الذي يعاني كثيرا في مجال الحفاظ على سعادة الأسرة وبقائها معا مزدهرة ومتوازنة، وسيكون هذا انجازا حقيقيا في مكمن تحد كبير في هذا العصر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأسرة, الحب, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد