وتنقضي أيام الحج المعلومات، وبدأ شدّ الرحال مرة اخرى قافلين عائدين كلّ إلى فجّه العميق الذي جاء منه أول مرة، لكن السؤال هل كلّ من قصد الحجّ كان غايته ومقصده الحج فعلًا أم هناك مآرب أخرى؟ وها نحن أمام أحدهم يعترف قائلًا: بعد أن قفل رحلة حجّه:

ولما قضينا من منى كل حاجةٍ … ومسَّح بالأركان من هو ماسحُ
وشُدَّتْ على حُدْب المهارى رحالنا … ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا … وسالت بأعناق المطيّ الأباطح

ولم يُعرف على وجه الدّقة قائلها، فقد وردت في أكثر من مرجع دون نسبة لأحد ومنها ما أورده ابن الأثير في (المثل السائر) (ج2 ص66) وأبو هلال العسكري في كتاب (الصناعتين) (ص73) وابن طباطبا في (عيار الشعر) (ص84) والباقلاني في (إعجاز القرآن) (ص221- 222) وعبد القاهر الجرجاني في (أسرار البلاغة) (ص16) وابن قتيبة في (الشعر والشعراء) (ج1 ص66)، وغيرهم الكثير . ومنهم من نسبها الى زيد بن الطثرية كما قال القاضي الجرجاني في (الوساطة) (ص34- 35) يروي منها البيت الأخير. والشريف المرتضى علي بن الحسين في (الأمالي) (غرر الفوائد ودرر القلائد) (ص457- 458) ينسبها إلى المضرَّب: عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، ويرويها ضمن أبيات أخرى على هذه النحو:

ما زلت أرجو نفع سلمى وودها وتبعدُ حتى ابيضَّ مني المسائح
وحتى رأيت الشخص يزداد مثله إليه وحتى نصف رأسي واضح
علا حاجبَيَّ الشيب حتى كأنه ظباء جرت منها سنيح وبارح
وهَزَّة أظعان عليهن بهجة طلبتُ، وريعان الصبا بي جامح
فلما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح
وشُدتْ على حدب المهاري رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح
قفلنا على الخوص المراسيل وارتمت بهن الصحاري والصفاح الصحاصح

واختلف النقاد قديمهم وحديثهم في موضوعها كما اختلفوا في نسبتها، هل قيلت في الغزل أم قيلت في الحنين والشوق لتركهم الديار المقدسة؟ لكن الذي نرجّحه ونميل إليه هو من قال إنّ موضوعها كان في الغزل. وهي ليست حالة غريبة أو شاذّة أنّ شخصًا يزور البيت الحرام وهدفه لقاء المحبوبة فقد أثرانا الأدب العربي من هذه النماذج منهم كثير عزة ومجنون ليلى الذي أورده أبوه الكعبة الشريفة قصد إخراج ما مسّه من حب ليلى، وقال يا بنيّ مُجاب الدعوة هنا، فقل: اللهم أرحني من ليلة وحبّها، فلم يتفوّه قيس بكلمة مما قاله أبوه، بل قال:

دعا المحرمون الله يستغفرونه بمكة شعثًا كي تُمحى ذنوبها
وناديت يا رحمن أول سؤلتي لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها

وفي خيام منى لما سمع مناديًا يصيح باسم ليلى، تغير لونه وأنشأ قائلًا:

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيّج أحزان الفؤادِ وما يدرى

دعا باسم ليلى غيرها فكأن أطار بليلى طائرًا كان في صدري

وكذلك الشاعر عباس بن الأحنف شاعر الغزل العذري أنشد في محبوبته فوز وهو في الحج حتى وصف له بعض الرفاق أن يقف بزمزم ويدعو أن يُشفيه الله من حبها فزمزم لما شُرب له، فوقف يقول:

فقولوا لهم جئناه من ماء زمزم لنشفيه من داء به بذنوب
وإن أنتم جئتم وقد حيل بينكم وبيني بيوم للمنون عصيب

ولم يقصر الأمر على الشعراء المعروفين، بل نجد جارية لم يرد اسمها تبكي وتنوح في أرض مزدلفة قائلة:

دعوتك يا مولاي سرًّا وجهرةً دعاء ضعيف القلب عن محمل الحبّ
بُليت بقاسي القلب لا يعرف الهوى وأقتل خلق الله للهائم الصب
فإن كنت لم تقض المودة بيننا فلا تخل من حب له أبدًا قلبي

وبين دفتي ديوان العرب الشعري الشواهد الكثيرة التي لا يسعها مقام تحدّثت عن رحلة حجّ مبطنةٍ برحلة لقاء محبوب أو اجتماع بمعشوق. أما الأبيات الأولى التي ذكرنها في بداية هذا المقال جمالها، وكما وجدناه عن مصطفى ناصف ليس في المعنى أو اللفظ، أو في موضوعها أو نسبتها أنما جمالها في قوله: وسالت بأعناق المطيّ الأباطح.

فالصورة حسية بامتياز تغيّر من يمسك بزمام قيادة الجمال من الإنسان إلى لأرض فلبّ الإنسان ترك في أرض الحرم ومن يقود الآن هي الأرض فها هي أعناق الإبل والنوق تصعد بما ارتفع من الأرض وتهبط مع من هبط منها فهي لا تحمل فوقها بعد هذه الرحلة سوى جسد متصلّب عليها وعقله مسلوب بأرض الحرم وما فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد