تذكَر أنُه لم يتحَدث إلى نفسِه مُنذ فترَة طويلة، فمُنذ أن أصبح مُطاعًا دون سُؤال أو مُحاولَة لفتح باب حوار حول النُقطَة المُثارَة، لم يختلِ بعقلِه ليرى إلى أين هو ذاهب؟ فنظَر في شرود مُفعَم بالحسرَة إلى نفسِه في المِرآة، فوَجد أن ما رسمَه مِن أحلام الزعامة بدأ يتبدد رويدًا رويدًا.

“الحُكام العرب كانوا فاكرين عبد الناصر معاه ريموت كنترول للثورات الشعبية، فكانوا بيخافوا منه”.

طَل عبد الناصِر على العالم كأيقونَة عربية تدعَم الثورات الشعبية في ربوع البُلدان العربية وغير العربيَة، ويتدخل لدعم حركات المُقاومة ضِد الاحتلال، ويتبنى أشخاصًا بيعنهم استشعارًا مِنُه أنهم رواد التغيير في بلادهِم “القذافي”، لم يكُن يدري أن للدعم الثوري فاتورة واجِبَة الدَفع، أنَه يَجب أن تمتلِك القوَة الكافية داخليًّا حتى تستطيع أن تدعَم أرباب الثورة في الخارِج.

“السادات: عبد الناصِر دخل التاريخ مِن أوسَع أبوابه، بس أنا خايف من العواقب، الغرب ميقدرش يفقد القنال وإحنا معندناش استعداد ندخُل الحَرب”.

فعِندما تكالبت القوى العالمية على حِرمانه من بِناء السد العالي خَرج لإعلان تأميم القناة مِن دون حساب دقيق لموازين القِوَى في حينها، لم يكُن يَعي أنه يلقي بأهل القناة في الجحيم دون ماء، لم تكُن إسرائيل في حُسبان عبد الناصِر ظنًّا مِنه أن الولايات المُتحِدَة لن تَكون طرفًا في الصِراع بسبب الدعم السياسي السوفيتي لعبد الناصر، ولكِنَه تغافل عن الوَضع الإقليمي والذي نتَج عنُه رفض إسرائيل الانسحاب من سيناء أو غزة، إلا بعد ضمان الإبقاء على “مضيق تيران” مفتوح لحركة المِلاحة الإسرائيلية، برغم من النجاح العسكري للقوات الغربية إلا أن الضغط السوفيتي حافظ على سلامة جُزء من الوضع المُتهتِك سياسيًّا.

السادات: لقد أسقط جمال مع هذا الشعب كُل مراكِز القوى ليبقى الشعب هو سيد مَصيره.

في ثنايا هذه العبارة الرنانة نظر أحد السياسين إلى هذه الجُملة وحاول أن يفهَم، أي شعب هو المقصود من هذه العِبارة! فالشعب دائمًا ما يتفاخَر بالتعاوُن المِصري الروسي “السوفيتي”، وأن عبد الناصِر كان يعرِف قواعِد الخروج عن النَص مع الولايات المُتحِدَة، بالرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان يدعم الحزب الشيوعي المصري الذي عارض الثورة منذ البداية, وكانت إذاعة موسكو تهاجم الثورة وتقول:

“إنها حركة فاشستية من تدبير الأمريكيين، لكن تحَولت العلاقة من التدافُع إلى الاحتِضان بعد أن استخدم الاتحاد السوفيتي حق الفيتو للمرة الأولى لصالح العرب حين دعا مجلس الأمن مصر إلى رفع القيود المفروضة على مرور بعض السفن التجارية عبر قناة السويس، وأتبعها أحداث الغارة الإسرائيلية على غزة فبراير 1955 واستدعاء عبد الناصر للسفير الأمريكي موجهًا اللوم إليه، أنه في حالة عدم بيع الولايات المتحدة ما أحتاج إليه من السلاح للدفاع عن الأمن القومي لمصر فسوف أطلب السلاح من الاتحاد السوفيتي، فكانت هُنا بداية الاتجاه المصري للشيوعية الاقتصادية دون الفِكرية، فعَن أي شَعب كان يتحدث عبد الناصِر!

ناصر: قولي يا حكيم، هل نقدر نعَمِم التجرُبة الاشتراكية في مَصر على سوريا؟
حكيم: طبعًا يا ريس.

قبل حلول يوم 22 فبراير/ شباط 1958، كانت تتمتَع سوريا بمُجتمَع مُتعَدِد التوَجُهات السياسية ومُناخ سياسي مِن المُمكن أن تنبثِق مِنُه التشارُكيَة والتعَدُديَة السياسية في صِناعَة القرار، فنظرَة عبد الناصِر للوِحدَة مع سوريا كانَت تختلِف كُليًّا عن نظرَة ضُباط الجيش “أعضاء حزب البعث”، فهو كان يرغب في السيطرة على السياسة الخارجية السورية ليمتلك قوة داعمة كبيرة أمام المُجتمَع الدولي، أما حِزب البَعث كان يُنادى بتحطيم الحدود ما بين مصر وسوريا، كان هذا النِداء مُغلف مِن قبل أعضاء حِزب البَعث حينها أن سوريا تنزلق في صِراع سياسي على السُلطة ما بين الأحزاب، ولا ملاذ لها إلا الانصهار مع عبد الناصِر.

لم يكُن يعرِف أنَه يُستَخدم من أعضاء حِزب البَعث لتهيئة الوضع السوري لهُم فيما بعد، فاشترط عبد الناصِر أن يتم حل جميع الأحزاب السورية قبل إعلان الوِحدة، وهذا كان كفيلًا بالقضاء على التجانُس بين مُجتمع اعتاد على الحُرية السياسية حينها ومُجتمع آخر خَرج في مُظاهرات مُندِدًا بالحُرية، فلم يستطع أبدًا المُجتمع السوري التعايُش مع هذه القرارات التي انتقصت من حقُه ومن قوتُه كمُجتمع مُتعَدد التوجهات وحاضِن للاختلافات العرقية والمذهبية والسياسية، ورغم ذلك لم تهدأ مُحاولات ناصِر في القضاء على الانفصال بين مصر وسوريا حتى وإن كان بالقوة العسكرية، ولكِنه تراجع عن هذه العمليات العسكرية في اللحظات الأخيرة من تنفيذها.

دائمًا ما يوجد من يتحدث باسم الشَعب ينادي بما يُطرِب آذانه، ينهَش ما يتطلع إليه، يتباكى على أحلامه أمام الجميع، ولكن لم نَجِد من يُشير لشعبِه على درب المَعرفة والحقوق، ولهذا تُنتزع ذاتيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد