( هو أنا لسه هاقبض على إرهابى، ويموت منى رجالة علشان اقبض عليه حى وبعدين أأكله وأشربه، ويطلع وكيل نيابة يديلة 15 فى 15 ويطلع محامى يديلة براءة، لأ طبعاً هاضرب على طول فى سويداء القلب ).

 

الكلمات تنسب إلى اللواء زكى بدر وزير الداخلية الأسبق، ولكنها أصبحت رائجة على لسان الكثيرين.

 

منذ شهور و لا يكاد يمر أسبوع، إلا و يتم الإعلان من خلال المتحدث العسكرى أو بيانات وزراة الداخلية عن “تصفية ” عدد من الإرهابيين، وتدريجياً أصبح المصطلح معتاداً لا تمجه الآذان ولا يقف الكثيرين عند تكرارة المخيف.

 

تشهد مصر والمنطقة موجة إرهابية لم يسبق لها مثيل والظروف الاستثنائية تتطلب إجراءات استثنائية.

 

أصبحت العقيد نشوى نجمة فى وسائل التواصل الاجتماعى عندما انتشر لها فيديو وهى “تكهرب” متهماً بالتحرش العيد الماضى وتعتدى عليه لفظيا وجسديا، وهوجمت القلة الضئيلة التى رفضت هذا السلوك، واتهمت بأنها من المدافعين عن المتحرشين وسط استحسان (حقيقى) من الغالبية العظمى.

 

جريمة التحرش تمثل ظاهره غير مسبوقة تتهدد بيوتنا جميعاً ولا ينكر تأثير بشاعتها علينا أحد والظروف الاستثنائية تتطلب إجراءات استثنائية .

 

عندما وقف السيسي فى جنازة النائب العام متهماً “القوانين” بغل يد العدالة فى الاقتصاص من المجرمين معلناً عن توجهه لتعديلها بما يسرع إجراءات المحاكمات، ظهرت اقتراحات لتعديلات تشريعية تحط من ضمانات المحاكمة العادلة وتصل لمنع شهود النفى من إبداء شهادتهم، وأخيراً ظهر قانون الإرهاب (يحتاج لمقال منفصل لعرضه)  بنصوص متعددة مثيرة للعجب تعاقب المحرض على الجريمة الإرهابية بنفس عقوبتها وتساوى بين الشروع والجريمة الكاملة فى العقاب وإن لم يكن لهذا التحريض أى أثر مع اتساع مفهوم التحريض وإبهامه و تعاقب بالسجن كل من بث ما يهدف إلى تضليل السلطات الأمنية، أو التأثير على سير العدالة فى شأن أية جريمة إرهابية بأىيةوسيلة (كمواقع الانترنت) أو روج لأفكار داعية للعنف مع ترك تحديد مفهوم التضليل أو التأثير أو الترويج لقضاء الموضوع .

 

الظروف الاستثنائية تتطلب اجراءات استثنائية.

ولكن الاستثناءات كثرت حتى أضحت القاعدة وأصبح مفهوم القانون ذاته من ضمن مفاهيم أخرى من المبهمات. وبينما حتى الأفلام والمسلسلات الرمضانية تعتبر أكثر منها تحريضا على ذيوع واستمراء فكرة القصاص الفردي فى المجتمع؛ حيث البطل من يأخذ حقة بيده؛ لأن القانون لن يأتيه به أبداً، وليس تفضيلا منه لهذا الطريق وإرضاء لنوازعة الشخصية فى الانتقام تبدو فكرة القانون عند أغلب الناس مجرد تعليمات و اختيارات السلطة بحسب ما تشتهى.

 

وأصبح التساؤل عما هو القانون أصلاً؛ ليكون لدينا إجراء قانونى وآخر ليس كذلك، ملحاً.

 

أقدم ما نعرفة من قوانين هما قانونا اشونا 1900 ق.م وتشريع حمورابى 1750 ق.م وكلاهما عبارة عن أعراف تم تعزيزها بنصوص تحمل سمت القداسة الدينية والتعبير عن إرادة السلطة وهذا هو فحوى القاعدة القانونية للآن.

 

فالقانون هو تعبير عن إرادة صاحب السيادة فى الدولة سواء كان فردا أو طبقة أو المجتمع فإن كان الشعب هو صاحب السيادة الحقيقة تكون سيادة القانون مرادفا لسيادة الشعب وإن لم يكن فهو تعبير عن إرادة صاحب السيادة أو الشرعية الشكلية فى الدولة مقترناً بعنصر الفاعلية أو التأثير الاجتماعى.

 

وبينما تقصر النظرية الوضعية الكلاسيكية العناصر اللازمة للقانون فى هذين العنصرين فقط: عنصرى الشرعية الشكلية بصدروه من سلطة تبدوا مختصة كالبرلمان، أو الرئيس، وعنصر التأثير الاجتماعى والفاعلية حيث الاعتقاد العام بإلزامية القانون ووجوب طاعته سواء صاحب ذلك الاعتقاد بعدالة القاعدة القانونية أو أخلاقيتها من عدمه.

 

وفى المقابل يؤكد أنصار التفسير الطبيعى للقانون على لزوم أن تتبع القوانين العدالة ولا تتعارض معها تعارضاً فجاً.

 

وفى الحقيقة إن المذهب الوضعى انقرض بعدما ظهر كأداة لتبرير العسف والاضطهاد باسم القانون؛ فالفقية الألمانى رادوبوخ ظل من أكبر المنافحين عن هذه النظرية حتى شهد العهد النازى فتراجع عن هذا الفكر قائلاً: (إن المذهب الوضعى جرد رجال القانون كما جرد المجتمع من أى سلاح أو وسيلة ضد القوانين المتعسفة والظالمة والآثمة).

 

والإجماع شبه منعقد منذ عقود على متطلبات ذات طبيعة أخلاقية فى القاعدة لتكتسب الصفة القانونية، وإن كانت كافة الأنظمة تدعى أنها تحقق العدالة إلا أن هناك معيارا جوهريا للعدالة: وهو المنفعة المتبادلة الذى يحتوى مبدأ الأمن الجماعى الذى يمتنع بمقاضاة أفراد المجتمع عن الاعتداء على أرواح وأموال بعضهم والمبادىء الأساسية المميزة للقاعدة القانونية هى مبادىء أخلاقية بدرجة كبيرة. كمبدأ عدم الرجعية الذى يحمى المواطنين من تطبيق القانون على أفعال ارتكبوها قبل صدوره ، ومبدأ الشرعية الذى يحميهم من إصدار القوانين من سلطة غير مختصة، و مبدأ علانية القانون، فلا يفاجأون بتطبيق قانون لم يكن فى وسعهم العلم به، ومبدأ عمومية القانون فينطبق القانون على الكافة فيما يعرف بالمساواة أمام القانون.

 

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت المحاكم الدستورية فى إلغاء القوانين بناء على مخالفتها للعدالة، وليس مجرد نصوص الدستور، وللمحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية حكم شهير فى الستينات: حيث قضت ببطلان إسقاط جنسية عن مواطن معلنة فى حيثيات الحكم أن (النص القانونى الظالم الذى يخرق المبادىء الأساسية للحق لا يصبح قانونا لمجرد أنه طبق أو اتبع).

 

ولهذا يعرف روبرت اليكسى القانون بأنه: نظام من القواعد يقر مبدأ مراعاة العدالة ويتكون من مجموعة القواعد التى تنتظم فى دستور يحوز بالاجمال التأثير الاجتماعى أو الفاعلية والتى لا تجافى العدالة مجافاة مطلقة ويتكون أيضا من مجموعة القواعد الموضوعة طبقا لأحكام هذا الدستور والتى تنطوى على حد أدنى من التاثير الاجتماعى أو الفاعلية أو إمكانية التأثير الاجتماعى والتى لا تجافى مجافاة مطلقة العدالة بالإضافة إلى المبادى والحجج المعيارية الأخرى التى تستند أو يجب أن تستند عليها أصول تطبيق القانون لتحقيق مراعاة العدالة.

لماذا صدعتك بكل هذا ؟

لأتكلم عن عنصر الفاعلية فى القانون، فالسلطة الحائزة للشرعية الشكلية دوماً موجودة، ولكن عنصر الفاعلية فى القانون هو ما قد يغيب بسبب سوء تصرف السلطة كإصدار قوانين بعيدة عن الواقع، وكأنها صيغت لتخرق كما حدث وصدر قرار بمنع تسيير مركبات “التوكتوك” مطلقاً منذ عدة أعوام ولم يلتزم به بالطبع أحد, أو فرض قوانين غير ملائمة ولا عادلة بالقوة المفرطة فمجرد أن تضعف قبضتها تسقط فلا يكون هناك التزام بالقانون وإنما حاله إكراه شبة تام. وهذا ما يخشى وقوعة كل من يدرك مغبته.

 

فإن فقد القانون عنصر الفاعلية أصبح الاستبداد هو الأسلوب الوحيد لحكم الدولة وإلا فكيف تحكم السلطة الديمقراطية التى لا تستخدم الإجراءات القمعية شعباً لا يحترم إلا القوة ؟ وكيف تضمن أن يلتزم الناس القوانين والقواعد التى تضعها لتحقيق الصالح العام بينما مواطنوها لا يدخرون جهدا فى محاولات خرق القانون والالتفاف عليه  ؟

 

ولأتكلم عن العدالة التى يأتى القانون ليضمنها للكافة

فالقانون يهدف الى تنظيم العلاقات فى المجتمع وتوفير الضمانات لحماية مصالح المواطنين وتسوية خلافاتهم مرتبطاً بالاعراف الاجتماعية و الدين و الاخلاق السائدة فى المجتمع  ومتسقاً مع القانون الطبيعى وهو ما اصطلح الناس الطبيعيون على حسنه او قبحه من الامور بفطرتهم بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية و بلادهم عدا من شذ منهم  .

 

فإن عجز القانون أو بالاحرى تم تعجيزة عن أداء مهامه اتجه الناس الى طرق خلفية للقيام بها كالاقتصاد الخفى والانتقام والصلح الفرديين.

 

وهنا تكتمل صورة الاشكالية التى توقعنا بها الانظمة الاستبدادية؛ حيث يفقد القانون فاعليته ومعناه ويتحول الى لفظ مبهم، الدفاع عنه غير مفهوم وتصعب مهمة الوصول لدولة القانون الحقيقية أكثر وأكثر .

 

أمراض مجتمعنا كثيرة، ولم نصل لهذا الوضع المتردى فجأة أو بلا أسباب ومقدمات، ولكن كلما وضعنا أيدينا على مواطن الخلل و أسباب الفساد كلما زادت فرصتنا فى الإصلاح.

 

وان لم نستطيع ترسيخ فكرة مبدئية كسيادة القانون ودفعنا فى اتجاة احترامها من الطرفين السلطة والمواطنين لنصل لحد أدنى من القوانين العادلة الفعالة تبدو فرصتنا فى ادنى اصلاح ضئيلة للغاية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد