المجد للشيطان .. معبود الرياح

من قال «لا» في وجه من قالوا «نعم»

من علّم الإنسان تمزيق العدم

من قال «لا».. فلم يمت

وظلّ روحا أبديّة الألم!

(من قصيدة كلمات سبارتكوس الأخيرة للشاعر أمل دنقل)

المشهد الحكائي يصور شخصًا ذا بنية عضلية مثالية، يشغل محور اللوحة، ويستلقي في وضع عضلي مضطرب، وسط بيئة صخرية قاسية وكأنها قمة جبل. مشهد بانورامي واسع، سماء واسعة يحلق بها كيانات ذات أجنحة كبيرة، في واقع الأمر تمثل الملائكة. الشخص في محور العمل لديه جناحان في وضع متأهب، كأنه هبط للتو من رحلة طويلة، الشخص على الأرض يمثل أجمل الملائكة، لكنه لا يطير بصحبتهم بأمر إلهي؛ لأنه، الملاك الساقط.

العمل رؤية فلسفية مختلفة عما تتناوله الأديان، تركيز اللوحة هو ما يدور في ذهن لوسيفر، وكأنه لسان حال لوضعه الجسدي والنفسي. حالة بطل العمل «لوسيفر» أبعد من الغضب الصريح، العين تقص ما هو أكبر من ذلك، أبعد من الانتقام، يبدو مجروحًا ذا دموع صادقة، كان لوسيفر يرى أنه المفضل لدى الله، وهو ما تؤكده كثير من الإشارات العقائدية. أثار الأمر في نفسه شيئًا أن يكون آدم اختيار الرب ليصبح خليفته ف الأرض، دفعته الغيرة من آدم إلى ارتكاب أكبر الخطايا، فتمرد على أمر الرب، ليصل به الأمر مطرودًا من مملكة السماء.

بطل اللوحة ذو جمال أخاذ، يمكنك رؤية جسد مثالي التكوين له بنية عضلية كلاسيكية، شعر أحمر مشتعل، أجنحة ملقاة على الأرض بأناقة شديدة بلا طاقة للطيران. يداه في وضع محير للغاية. أهي للحماية؟ للوعيد للبشرية؟ أم هي ببساطة تخفي دموعه من أن تنساب أمام باقي الملائكة، لعل كبرياء الملاك الساقط هو أهم شيء عنده. تخفي يداه فمه، وهو ما يفتح المجال للعديد من التفسيرات، قطعة ناقصة من أحجية محيرة.

بنية لوسيفر العضلية مضطربة ومتحفزة للغاية، يظهر على جسده الإرهاق والتعب، اتكائه على صخور حادة وقاسية يعزز آلام جسده. نلاحظ جذع شجرة ساقطًا بجانبه، ولعله إشارة لسقوطه هو من جنة عدن، وتحوله إلى فرع بلا أصل. يحفي الملاك مشاعره وكأنه لا يبالي، تفضحه ملامحه، تخونه دموعه، وعقدة حاجبيه توحي بالألم. بسبب شيء ظن له الرصيد والحق في الاعتراض عليه.

عينا الملاك هما بطلا العمل الحقيقيان؛ لأنهما على ما يبدو يقولان كل ما نحتاج معرفته عن طبيعة الملاك ومشاعره. والأهم من ذلك أنها تفتح منحنى آخر لتفسير العمل تفسيرًا أكثر عمقًا من الصورة النمطية للملاك الشرير. عينان زرقاوان صافيتان جذابتان للغاية، تعلوهما نبرة تنم عن الحزن واليأس أكثر من تعبيرها عن الغضب. تخون الدموع الملاك فلا يستطيع كبحها، تنحدر وكأنها قطرة من الكريستال تزين وجهه المتألم. يبدو كوحش جريح مستعد للارتداد مرة أخرى، وربما للانتقام، برغم كل شيء.

أما على الجانب الأسلوبي ينقسم العمل بشكل أفقي إلى نصفين، نصف يمثل مملكة السماء ويضم الملائكة، ونصف يحوي لوسيفر على الأرض، وهي حالة من التباين أراد الفنان إظهارها في العمل.

كما نلاحظ أن الحركة في اللوحة مركزها جسده المضطرب، والأجنحة المتأهبة للطيران أو التي هبطت بها لتوه، بالإضافة إلى حركة الملائكة في السماء التي أكسبت المشهد المزيد من الديناميكية. أبرز الفنان عنصرًا واحدًا على حساب باقي العناصر، «لوسيفر» هو محور الحكاية والمشاعر في العمل. نجد خطوط العمل لينة مثالية لتمثل الطبيعة والجسد وتلائم انسيابية تحليق الملائكة. استخدم بالتة لونية متجاورة من درجات الأزرق والأخضر والبني، درجات الخلق، درجة تشبع الألوان أقل ما يكون لها، ربما لإبراز العنصر الأكثر أهمية. نجد ضربات الفرشاة ناجحة في خلق الملمس المتباين لأجزاء العمل، ملمس الأجنحة والريش، ملمس الصخور القاسي، بالإضافة إلى إضاءة موزعة بتساوٍ بدون درامية.

يظهر الفنان حالة من العزلة يعيشها الملاك المطرود، هو وحيد على الأرض في الوقت الذي تحلق فوقه الملائكة بعضهم في صحبة بعض. كونه غير مفهوم يعد نوعًا آخر من العقاب.

تصور اللوحة لوسيفر عاريًا مثلما كان جزاء آدم بعد الهبوط من الجنة إلى الأرض، وكأن العري هو عقاب عدم الطاعة، لذلك نجد الملائكة فوقه تطير برداء ما؛ لأنها امتثلت لأمر الرب. العري هو رمزية التجرد من الامتلاك؛ فقد كل من آدم ولوسيفر كل شيء؛ فكان العري إشارة لحالة من الفقد. وللأمر أسباب تقنية أيضًا، فقد أراد الفنان أن نرى الجسد مثالي التكوين لدعم الإشارة الدينية إلى كونه أجمل الملائكة، ولنرى وضعه العضلي المضطرب الذى يعكس بدوره حالته الوجدانية المضطربة.

لوسيفر هذا العمل الفني بعيد عن الأنماط والقوالب التي وضعته فيها العقائد، إنه ليس الكيان الشرير لغرض الشر في ذاته، لذا فهو يظهر في اللوحة ملاكًا جريحًا في طور التحول تعلو وجهه نظرة ألم تتحول بالتدريج لغضب وسخط على البشرية. آدم هو من زاحمه في حب الرب، وهو – في نظر لوسيفر- أقل استحقاقًا من مصاحبة الرب صحبة دائمة في مملكة السماء. أحدهم – آدم ونسله- سيدفع ثمن طرده من جانب الله.

في جميع العقائد تعد الملائكة رسل الإرادة الإلهية، هناك قصص لا حصر لها عن هذه الكائنات النورانية. التمرد لم يكن أبدًا سمة أحد منهم سوى لوسيفر أو «نجم الصباح»، الذي كان أكثر الملائكة تميزًا. كان هنالك دومًا شيء جذاب حول هذا الولد الشرير.

یمكنك سماع هذا الملاك الساقط یردد كلمات جون میلتون في «الفردوس المفقود»: «من الأفضل أن تسود في الجحیم، بدلًا من أن تخدم في الجنة».

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد