رؤية فلسفية عن فيلم (لوسي)

الكائنات البدائية كلها مثلنا، لديها هدف واحد في حياتها فقط، كسب الوقت، الوقت لكي ننقل تراثنا وما نعرفه للآخر، بشتى الطرق، نتحدث، نكتب، نتكاثر، نتشارك، ننفصل، نحارب، نتوحد، نعمل كل شيء وأي شيء بشكل فردي ونفسي، أو جماعي متطور على حسب الوضع.

نتكيف ونتأقلم ونغير من أنفسنا وأساليبنا فقط لننقل خبراتنا من الحياة وعلومنا وأنفسنا ونصبها في قوب الزمن؛ لتنتقل من الماضي عبر الحاضر إلى المستقبل. ونستغل ذلك الوقت لسبب وحيد حقيقي لكل خلية من أجسادنا لتحقيق هذا الهدف وهو البقاء، وعليه لدينا حلان فقط، كخلية بدائية، إما أن تكون خالدة وإما تتكاثر، على حسب البيئة.

فلو وجدت الخلية البيئة المستقرة الداعمة لها فإنها تتجه إلى التكاثر حلًّا لخلق الوقت، فتنقل خبراتها من خلية لأخرى، إذن فنحن لا نموت حقًّا أبدًا، ونحن جزء لا يتجزأ من أحدنا الآخر ومن الكون ككل، أما لو كانت بيئة غير مستقرة، وتمثل خطرًا على وجودية الخلية نفسها المكونة للإنسان ككل، أو لأي مخلوق بدائي على أي حال، فإن الخلية ستختار الخلود، بمعنى الاكتفاء الذاتي والإدارة الذاتية، الارتقاء من أسفل أي سلطة لتتحول هي نفسها من حالة الوجودية للإيجاد نفسه.

فى الحالتين يبقى الهدف الواضح والأساسي لها أن تكسب الوقت لنقل المعرفة التي تملكها الخلايا من خلية لأخرى. تلك النظرية كفرضية أولى مبسطة لنجد لها حيزًا في عقلنا، وننظر إلى العقل نفسه هذه المرة في الفرضية التالية، نحن نستخدم 10% فقط من قدراتنا العقلية.

تلك الفرضية – غير العلمية – ظهرت عام 1936، بالطبع لو وضعت تحت الاختبار العلمي بشكل إكلينكي أو معملي لحطمت مع أول مطرقة على رأسها، لكنها فرضية قدمها أحد علماء علم النفس، وهو ويليام جيمس، والنسبة لا يستطيع أحد أن يحددها بدقة إنما هو قد فرضها نسبة لما رآه من ظواهر السلوك الفردي لاستخدام الذكاء لدي مجموعة من الأطفال، يقول البروفيسور ويليام جيمس من جامعة هارفارد «إن الرجل المتوسط ​​يطور 10% فقط من قدراته العقلية الكامنة».

ويقول أيضًا يوري جيلر: «عقولنا قادرة على الأعمال الفذة الرائعة غير المعقولة، حتى الآن لا نستخدمهم لِسِعَتِها الكاملة. في الحقيقة معظمنا نستخدم فقط حوالي 10% من أدمغتنا إذا كان ذلك كذلك، الـ90% الأخرى ممتلئة بجهد غير مُستغَل، وقدرات غير مكتشَفة، والذي يعني أن عقولنا تعمل في مجال محدود جدًّا بدلًا من اتساعها الكامل».

وباستخدام هذه النظرية أو الفرضية الفلسفية جنبًا إلى جنب مع فرضيتنا الأولى أن الإنسان كمجموعة خلايا يسعى إلى توفير الوقت لنقل المعرفة فحسب عبر الزمن. حينها لا بد لنا من سؤال واضح أمامنا، ماذا ستفعل خلايانا لو استخدم عقلنا 20%، أو 50%، أو 100% من طاقته؟!

الأبحاث والفرضيات الفلسفية، المبنية على النظرية الخاصة بنسبة استخدامنا لعقلنا، تستطيع أن تجيب على فرضية ماذا سيحدث لو استخدمنا 20% بأننا حينها سنتمكن من الولوج إلى جسدنا، والسيطرة عليه برمته. وماذا لو استخدمنا حوالي 40% سنبدأ في السيطرة على أناس آخرين، وبعد السيطرة على أنفسنا والآخرين تأتي السيطرة على المادة.

أما السؤال الفرضي ماذا لو حدث ووصلنا إلى 100% من قدرات عقلنا؟

البشر بنوا نظرياتهم وعلومهم بوصفهم فريدين من نوعهم، واحد زائد واحد يساوي اثنين، لكن هذا غير صحيح أبدًا.

الزمن هو وحدة القياس الحقيقية الوحيدة، هو الدليل الوحيد على وجود البشرية، بكل ما تحتويه من تاريخ، وعلوم، وحضارات. الزمن يعطي دليلًا على وجود المادة، بدون الزمن لم نكن لنوجد -البشر -.

وبهذا لو افترضنا أنك استطعت أن تَلِجْ لأكثر من 10% من عقلك، بالتبعية ستستطيع أن تتحكم في جسدك بشكل أفضل لتتخطى عقباته، العقبات التي يصنعها أمامك الخوف، الرغبة، القلق، الألم، وغيرها من المشاعر التي تعد في حد ذاتها عقبات أمام تحكمك في جسدك.

وبعد أن تتجاوز تلك العقبات وتصل إلى حالة كاملة من التحكم ستستطيع أن ترى بوضوح «الخلية» تلك الخلايا التي تتكون في الأصل منها، والتي وفقًا للنظرية الأولى الخاصة بنقل المعرفة والوقت فهي تحمل من سلالات أجدادك الطويلة، وصولًا إلى «لوسي» معارف الكون.

لقد نسيت أن أعرفكم على «لوسي» الجدة الأم، لوسي هو الاسم الشائع لمستحاثة هيكل عظمي يحمل الرمز (A.L.288-I)، ويعود لأنثى من نوع أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس، عاشت وماتت قبل 3.2 مليون سنة.

أو بمسمى أسهل هي هيكل عظمي لأنثى عثروا عليه عام 1974، لوسي في تكوينها التشريحي تشبه إلى حد كبير الشمبانزي، وبالرغم من صغر حجم المخ بالنسبة للإنسان العاقل، فإن عظام الحوض والأطراف السفلية تتطابق وظيفيًّا مع نظيرتها عندنا.

وتوضح بجلاء أن شبيه الإنسان هذا استطاع المشي منتصبًا على قدمين، في عام 1975 اكتشف العلماء 13 هيكلًا آخر من الجنس نفسه، في ما يدل على أن الجماعة قد أصيبت بكارثة طبيعية كفيضان أو غيره. هذا الاكتشاف أدى إلى معرفة الكثير عن حياة هذا الجنس شبه البشري، وعلاقاته الاجتماعية. كما أنه قد اكتشف مستحاثة أخرى أقدم من لوسي بقرابة مليون عام، وقد سميت «سلام»، وانتسبت لأنثى رغم أنهم لم يستطيعوا الجزم؛ لأنها بعمر ثلاث سنوات فحسب!

هذا الجنس سمي الجنس الانتقالي، بين البشر والشمبانزي، فيما عُرف قديمًا بنظرية التطور لداروين، إلا أنها كانت مجرد فرضية آنذاك، وكانوا يعتقدون في حماقة فرضيته، كما يعتقد البعض الآن في حماقة فرضية الـ10% من عقل الإنسان.

على كلٍ، بشكل أو بآخر لو استطعت أن تتجاوز نسبة الـ50%، وتتحكم بعد جسمك في أجسام الآخرين، ثم في المادة ككل، من موجات كهربائية، وصوتية، ومغناطيسية تصاعدًا حتى تتحكم في كل ما هو موجود حولك، وكل ما هو موجود في هذا الزمان.

فحينها تصل إلى حدود من المعرفة الهائلة، التي قد يظن البعض أنها تحمل الهلاك، والفوضى، والخطر، إلا أنها في واقع الأمر ليست المعرفة التي تُشقينا كما نردد دومًا، بل إن عدم اكتمال المعرفة هو ما يشقينا، الجهل هو ما يخلق الفوضى وليس العلم.

ولو ضخمنا تلك المعرفة لتشمل كل الأبعاد، بُعد الماضي مع الحاضر، ويكشف تلقائيًّا معرفتنا بتفاصيل الوجود، والماضي، والحاضر، والمستقبل، الخلايا التي تنقل المعرفة بين النباتات، والحيوانات، والبشرية منذ يوم الخليقة، أو التحول الأول وحتى اللحظة!

فماذا يحدث لو وصلنا إلى 100%؟!

الخوف الشديد، هذا ما شعرت به وأنا أتخيل هذه الفرضية، الخوف لدرجة أني أجز على أسناني، وتهتز قصبة رجلي في انفعال، وأشعر بحرقة معدتي.

هذه هي الأعراض المعتادة التي تلاحقني كل مرة قرأت فيها عن العلم الذي أجهله، عن علم الإنسان، لكن ليس الاجتماعي أو النفسي، أو التاريخ والجغرافيا، لكن العقل، عن عقلي، سيد العلوم والبشرية، سيد الوجود والكون.

لو استطاع الإنسان سبر أغوار العقل البشري، ومعرفة المعلومات كافة التي تناقلتها خلاياه العصبية منذ الجدة «لوسي»، أو حتى والده «سلام» وحتى اللحظة، معرفة تشمل كل الأبعاد والعلوم المختلفة على مر «الزمن»، حينها لو وصل إلى 100% من استخدام عقله فتحرر من الإنسان والكون، وخرج لما قبل الانفجار الضخم، والمجرة، والشموس، والفضاء لوصل إلى جواب واحد فقط، لوصل إلى الأصل، إلى جذر لا قبل له، إلى الوجودية في أنقى صورها.

لو وصلنا إلى 100% من استخدام عقلنا نصل إلى الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد