يرتبط مفهوم الحضارة وبشكل وثيق، بالعديد من الصفات والخصائص الاجتماعية والسياسة والاقتصادية، كما تتمثل الحضارة في مظاهر الرُّقِي العلمي، والأدبي، والفني، والاجتماعي. وفي وقتنا الراهن تقاس الحضارات بمقياس التقدم العلمي والتكنولوجي. لكن كيف يمكن للحضارة أن تكون من مسببات المرض؟ كيف لهذا التناقض أن يوجد في خضم ما تعرفه البشرية من تقدم علمي وثورة تكنولوجية هائلة يفترض فيها جلب المنفعة والارتقاء إلى الأفضل؟

ربما يكون هذا التساؤل مثيرًا للجدل وينطوي على بعض التناقض، لكن واقع الحال يدل بما لا يدع مجالا للشك أن التقدم يقترن بانتشار كبير لعدد من الأمراض، تصنف على أنها أمراض الحضارة المدنية أو أمراض الرفاهية، التي تتزايد نسبها باستمرار وتنتشر في العالم بسرعة تفوق كل التوقعات، لتصبح من أكبر التحديات التي يواجهها الأطباء والعلماء في جميع أنحاء العالم.

لقد شهدت الدول الصناعية والغنية تحولًا منهجيًا وصفه العلماء بالتحول الوبائي. وهذا يعني أن الأمراض المزمنة حلت محل الأمراض المعدية، كمسبب أول للوفاة. ذلك أن أمراضا مثل السكري وضغط الدم المرتفع والبدانة، تتسبب في وفاة عدد أكبر من أولئك الذين يموتون بأمراض الإيدز، والملاريا، والسل، ويتخذ هذا الاتجاه منحى تصاعديًا قويًا. وقد اتضح جليًا خلال العقود الأخيرة أن وفرة النعم ورغد العيش أكثر فتكًا من ندرة الموارد وشظف العيش، ويجد بعض العلماء، مثل بيتر بايوت من المدرسة البريطانية للصحة والطب، أن هذا الأمر يثير الكثير من القلق وكان بالإمكان تلافيه، لأنه وببساطة نتيجة حتمية لأنماط الحياة غير الصحية، التي امتدت من أمريكا وأوروبا لتشمل مناطق أخرى في العالم.

فكثرة المأكولات والوجبات السريعة تسببت في الوزن الزائد والسمنة التي تعتبر سببا مباشرا لداء السكري، وأمراض القلب، والشرايين، وارتفاع ضغط الدم والجلطات، والسرطان، وأمراض الكلى، وأمراض الجهاز التنفسي، وكذا الأمراض النفسية وعلى رأسها الاكتئاب.

هذا علاوة على ما يصيب جهاز المناعة من اختلال يفقد الجسم اتزانه، فتصبح استجابته تجاه العوامل الخارجية غير عادية كما هو الشأن في حالات الحساسية والأمراض المرتبطة بالمناعة الذاتية. فعوض الدفاع عن الجسم واحتواء الأجسام الغريبة والدخيلة، يستجيب جهاز المناعة بشكل عدائي يضر الجسم نفسه.

إن هذه الأمراض تعود إلى نمط الحياة غير الصحي ولمسببات مرتبطة بطبيعة حياة الشخص كالعادات الغذائية أو البدنية السيئة، واضطرابات النوم، والتدخين، أو بأسباب عمرية، أو وراثية وبيئية. فانتشار الأغذية غير الصحية والكسل وقلة مزاولة الأنشطة البدنية صار ظاهرة عالمية في كل الدول، ولم يعد من الظواهر السائدة في الدول الصناعية وحدها، حيث تفشت هذه العادات السيئة في البلدان النامية بما فيها الدول العربية في سياق العولمة التي شملت جميع جوانب الحياة، بما فيها انتشار الأمراض والأوبئة.

ومع عدم توفر الخدمات الطبية وضعف الوعي الصحي في الدول النامية أضحى الوضع أكثر تعقيدًا وخطورة. فإذا استوردت الدول النامية أنماط العيش السيئة والتغذية غير الصحية من الدول المتقدمة، فإنها لم تنجح في توفير الأدوية والخدمات الطبية المناسبة للجميع وبالشكل المطلوب. وأمام ضعف الإمكانات وصعوبة الولوج للعلاج وغياب العدالة الصحية، وفي ظل انعدام تغطية صحية شاملة لكل مواطن دون تمييز، والتي تعتبر حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، يبقى العمل على تحسين نمط الحياة السبيل الوحيد للخلاص، الذي يجنب الناس خطر الأمراض ويحافظ على صحتهم؛ مما يعود عليهم بالنفع في حياتهم الاجتماعية والصحية والمادية.

ويعتمد ذلك خصوصًا على مبادرة كل فرد في وقاية نفسه والحرص على سلامة جسمه وتحسين نمط حياته ليكون صحيًا.

وهناك توجه عالمي تدعمه المنظومة الصحية العالمية لدعم إستراتيجيات تحسين نمط الحياة لما فيه من حماية للناس من فتك الأمراض، وتقليل تكاليف العلاج والسيطرة على الأمراض التي لم تنجح الطرق العلاجية الطبية على الرغم من تطورها، في وقف توسعها الهائل.

لكن إذا كان بإمكان كل فرد محاولة تغيير سلوكه الغذائي ونمط حياته قدر المستطاع، للحفاظ على صحته والوقاية من أمراض العصر، فليس بوسعه شيء أما المخاطر التي تحيط به من كل جانب من جراء التلوث البيئي الذي يعد من أخطر الكوارث التي يواجهها الإنسان في العصر الحديث.

فنحن نعيش في بيئة مليئة بالملوثات التي تحيط بنا من كل جانب، نستنشقها مع الهواء ونشربها مع الماء، ونمشي فوقها على الأرض. وتصيب هذه الملوثات الإنسان بعدد من الأمراض مثل السرطان، وفرط الحركة، ونقص الانتباه، ومتلازمة التعب المزمن والحساسيات بكل أنواعها.

فسرطان الرئة لا ينتج عن التدخين فحسب، بل عن توافر عدة عوامل منها استنشاق الهواء الملوث بمجموعة من المركبات الكيميائية، كثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد النيتروجين، والفورمالدهيد، ومركبات البنزين.

وأثبتت الإحصاءات أيضًا زيادة حدوث مرض سرطان الرئة في الأماكن السكنية التي تزيد فيها نسبة تلوث مواد البناء المستخدمة في بناء المنازل بغاز الرادون بنحو 10% عن النسب الطبيعية. ويتواجد غاز الرادون في التربة بشكل طبيعي نتيجة تحلل عنصر اليورانيوم في القشرة الأرضية، وتزيد كثافته بشكل أكبر في الأماكن ضعيفة التهوية.

وبالنسبة لفرط الحركة ونقص الانتباه لدى الأطفال، فهو اضطراب يرجع إلى عدد من العوامل من بينها التسمم بمادة الرصاص الذي يدخل كمركب كيميائي لطلاء لعب الأطفال وأقلام الرصاص. ولقد سجلت هذه الدراسات أن المصابين بهذا النوع من الاضطرابات لديهم كميات كبيرة من مادة الرصاص في أوعيتهم الدموية، والتي أصبحت منتشرة بكثرة بسبب التلوث الصناعي في البيئة المحيطة.

وقد لا يقتصر الضرر الناجم عن تعرّض الإنسان للمواد الكيميائية السامّة والملوّثات والنفايات الخطيرة في ما سلف فحسب، بل يشمل غير ذلك من الأعراض كمتلازمة التعب المزمن لدرجة تمنع الإنسان من القيام بالمهمات اليومية العادية دون سبب واضح.

أما الحساسيات فحدث ولا حرج، حيث يتسبب التلوث البيئي الذي تشهده المدن الكبرى على وجه الخصوص، وخاصة الغازات المنبعثة من المصانع والسيارات، في تفشي أعراض الحساسية والربو.

وهنا تأتي التغذية الصحية والسليمة لتفرض نفسها من جديد وبقوة، باعتبارها الحل الوحيد لمواجهة الملوثات والمواد الكيماوية. فالغذاء الجيد يخلق بيئة مناسبة داخل الجسم لإنجاز عملية التخلص من السموم، وذلك من خلال العناصر الغذائية المناسبة والألياف التي تخفف من آثار التلوث بالمواد الكيميائية. ويعتقد كثير من الأطباء وخبراء التغذية أن وجود المكملات الغذائية مهم لصحة الإنسان مثل الفيتامينات، والماغنسيوم، والألياف، بالإضافة إلى التقليل من الكافيين والمواد الضارة بالصحة.

ومن المهم أن يحرص الإنسان على عدم إغراق البيئة المحيطة به وخاصة المنازل بالمواد الكيميائية الضارة، مثل مواد التنظيف والمبيدات الحشرية، التي تجعل بيئة المنزل أكثر تلوثًا من البيئة المحيطة من حولنا.

في سياق عولمة المرض والتلوث البيئي، واقتصار الأنظمة الصحية الناجعة والتغطية الشاملة على الدول المتقدمة، لا يسع الدول النامية سوى اتخاذ الحيطة والحذر وتربية سلوك الفرد على التغذية السليمة ونمط العيش الصحي للتخفيف من الآثار السلبية لعصر التقدم العلمي، والثورة التكنولوجية، والمدنية، والتحضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد