الرائد الذي كذب أهله

مبدئيًا إذا لم تكن من المهتمين بكرة القدم فلا يهم، الموضوع لا علاقة له بكرة القدم من الأساس. هناك موضوع كان مثارًا للسخرية في اليومين الماضيين على وسائل التواصل الاجتماعي.

أثناء الاستوديو التحليلي لمباراة فريقي ليفربول وتشيلسي التي أقيمت في 14 أبريل 2019 -التي تعد في العادة من أهم مباريات الدوري الإنجليزي، فما بالك وقد تعلق بها محبو وعشاق الكرة عبر العالم كونها جاءت في الأمتار الأخيرة للدوري ومن المبارايات االحاسمة للقب- ضم الاستديو شاي جيفين حارس المنتخب الأسبق، والدولي السابق أيان رايت ليقوم كلاهما بتحليل المباراة.

ما حدث أنه في ذروة اشتعال المباراة، وبعد تسجيل الهدف الأول، فاجأ ليفربول الجميع بتسجيل هدفه الثاني. الهدف كان مذهلًا كما بدا من رد فعل المحللين الآخرين، حتى قال البعض أنه سينافس على جائزة بوشكاش لأجمل أهداف العام. المشكلة أن المحلل جيفين لم يشاهد الهدف ولم يهتم به لأنه كما يتضح في الصورة كان مشغولًا بتناول طعامه!

والغريب أنه استمر على نفس الحال ولم يحرك ساكنًا بعد تسجيل الهدف وتابع تناول وجبته، ومن الواضح أنها كانت حالة مستمرة طوال المباراة، فلو كان قد تابع الهدف الأول لكان على الأقل توقف عن الطعام للتعليق عليه، وبالتالي شاهد الهدف الثاني الذي لم يفصله عن سابقه سوى دقيقة واحدة.

السؤال: بعد نهاية المباراة هل سكت هذا المحلل أم أبدي رأيه في تكتيكات الفريقين والأسباب التي قادت ليفربول للفوز على ضيفه ومواصلة مسيرته إلى آخر هذا الهراء المعروف، بالطبع قام بدوره كمحلل لا يشق له غبار، ليخبر الجميع بعيني الخبير الذي يرى ما لا يراه المشاهد العادي الساذج وتحجبه عنه سذاجته.

الموضوع رغم تفاهته إلا إنه مثال واضح على تعامل فئة معينة مع كل حدث، أعضاء هذه الفئة لديهم سمات مشتركة، فالواحد منهم لديه قوالب جاهزة يتم إعادة تدويرها وتسويقها حسب الموقف، فلو كسب الفريق فلن يعجز أن يتلو على مسامعك أن التحول من 4-4-2 إلى 4-3-3 وإخراج رأس حربة صريح واللعب بمهاجم وهمي …إلخ هذا هو سر الخلطة وسبب الفوز في الديربي والكلاسيكو و… .

أما لو خسر الفريق فطبيعي أن سبب الخسارة هو التحول من 4-4-2 إلى 4-3-3 وإخراج رأس حربة صريح واللعب بمهاجم وهمي، وسيذكر نفس الأسباب، والتغييرات التي كان سيقول أنها سبب المكسب وتدل على فطنة المدرب هي هي نفسها التي سيقول عنها أنها سبب الخسارة، ودليل على حمق المدرب ورعونته.

الأمر ليس مقتصرًا على كرة القدم – التي مهما علا أو سفل شأنها فهي في النهاية صناعة ترفيهية – بقدر ما هي نفس الظاهرة متكررة في جميع المجالات وهو الأمر اللافت للانتباه والمثير للأسف في نفس الوقت.

فتجد الخبير الذي لديه حلول جاهزة وتعليق حاضر عن كل مشاكل الكون بداية من ثورة السودان، ومشكلة اليمن، مرورًا بالصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل الجدار الحدودي مع المكسيك وانتهاءً بالثقب الأسود المكتشف حديثًا.

جزء كبير من اللوم بلا شك يقع على المتابعين الذين لديهم كم عجيب من السلام النفسي ليقبلوا بدون تحفظ كل هذا الكم من الآراء المتعددة والمتضاربة غالبًا والصادرة من نفس الشخص في مجالات شتى لا علاقة لها ببعض.

كيف يمكنك من الأساس أن تثق في تحليل شخص لحدث ما بعد وقوعه بخمس دقائق، قطعًا سيقول أي كلام وعبارات معلبة معادة التدوير ليملأ هذا القدر من الفراغ المتاح سواء كان الحدث مباراة أو حتى مناقشة أزمة عالمية بين أمريكا وروسيا.

نفس المراهقة والنزق تجدها فيمن يتصدون لحل مشكلة زوجية من التي تُطرح على مواقع الإنترنت، أنا آسف لقولي يتصدون لحل المشكلة، لأن الواقع أنهم لا يفعلون ذلك، بل غاية ما يفعلون تأجيجها.

اعرض أي مشكلة أيا كانت بين زوجين ستكون النصيحة الأولى لما يربو عن 80% من الحالات هي: طلقها، اتركها، تزوج غيرها، اكسر يدها وأعدها لبيت أهلها.

الحاصل أنه لا أحد يبحث عن حل، لأنه لم يسمع إلا من طرف واحد جزءًا من حكاية فيحكم على ما سمع، أضف إلى أنه غير مؤهل من الأساس لحل مشاكله فضلًا عن مشاكل الآخرين.

قص لنا التراث القديم كثيرًا من الأمثلة عن طريقة تعامل الأقدمين في المشاكل، وكيف جمعوا بين الروية وعدم التسرع كعمر رضي الله الذي لم يستبد برأيه وهو من هو، بل يجمع العقلاء للمشاورة حتى ضُرب المثل بصعوبة المسألة أنها يجمع لها عمر أهل بدر.

وبين الحذر من الحديث فيما لا يتقنون، مالك رحمه الذي كان يأتيه آت من الأندلس ليسأله عن فتوى وهو في المدينة المنورة، فيجيب أنه لا يدري، فيتعجب السائل ويقول ماذا أقول لهم في بلدي، فيقول له: يقول مالك أنه لا يدري.

وحدث ولا حرج عن إدراك مراد المستفتي، كابن عباس الذي كان يأتيه سائل يسأله هل لقاتل من توبة؟ فيجيبه: لا، لأنه رأى في عينيه الشر، فهو لم يقتل بعد ولكنه عازم على ذلك. ثم يجيب آخر عن نفس السؤال: نعم، لأنه قتل بالفعل، وبدا عليه علامات الندم.

في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الرائد لا يكذب أهله»، فالناصح ينصح لأهله ولا يغشهم، لكننا حاليًا في زمن الرائد الذي يكذب أهله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد