إن شاهدنا معرض الكتاب من على مرتفعٍ، ما الذي سنراه؟ سنرى خيام بيضاء ضخمة، وأماكن أخرى مسقوفة بالمعدن، شوارع يجوبها المئات، بل الآلاف من أشخاص سنراهم من مرتفعنا كأسراب نملٍ تتحرك في شتى الاتجاهات. لكن إذا هبطنا إلى أسفل، ستبدأ الرؤية في الوضوح تدريجيًّا، لنجد أن أسراب النمل التي شاهدناها مسبقًا وكنا نحسبهم قراءً، ليسوا كما ظننا.

سنجدها تضم بجانب القراء، عمالًا يجرون عربات صغيرة لنقل مشتريات القراء الثقيلة، وأيضًا باعة جائلين يبيعون كل شيء تقريبًا، بداية من المياه الباردة، وحتى ألعاب الأطفال وملابسهم أيضًا!

قد يجد بعضهم، وخاصة من هم خارج مصر ولم تتح لهم فرصة زيارة المعرض من قبل، هذا الوضع شديد الغرابة، وكيف لكل هذا أن يحدث في أهم حدث سنوي للثقافة، ليس في مصر وحدها، بل يعد أحد أهم فعاليات الثقافية في الوطن العربي.

وبعد الانتهاء من فترة المعرض، يمكنني وبكل أسف عرض بعض من هذه السلبيات التي نراها في المعرض كل عام.

نبدأ في الحديث من عند مسجد المعرض بوصفه أهم مكان تقريبًا هناك، حيث يكون قبلة لكل رواد المعرض، ليس للصلاة فقط، بل للراحة أيضًا من عناء اليوم، أو من الوافدين من محافظات أخرى.

هو أمر غير مقبول أو معقول لأي شخص عاقل، أن يكون لمكان بمثل هذا الحجم الكبير مسجد بهذه المساحة الصغيرة، وبه ثلاثة حمامات فقط!

كل هذا يمكن أن يكون مقبولًا، إن لم يكن بصفة عامة، فعلى الأقل شخصيًا، فكل هذا في كفة، وما بداخل المسجد في كفة أخرى، بداية من دخولك ساحة المسجد، سترى الباعة الجائلين يفترشون الممر المؤدي إلى المسجد، وبما أن للمكان قدسيته ومكانته عند زواره، فلا بد أن يكون لبضاعتهم قدر من قدسية المكان. فتجدهم ينادون على بضائعهم المتمثلة في السبح، وأصابع المسواك، والعطور، وبعض أنواع العسل، وبعض من الأزياء الأزهرية؛ كالقبعة والعمة الخاصة بالزي الأزهري، ليس هذا فقط، بل وجدت عند واحد منهم كتابًا يتحدث عن علامات يوم القيامة! وإن لم يرغب المصريون في شراء بضاعتهم؛ فالمسجد يفيض أيضًا بغير المصريين، الذين بالطبع يسهل إغواؤهم بمثل هذه الأشياء.

عند باب المسجد ستجد عامله يكرر جملة ما زال يتردد صداها في أذني حتى الآن، جملة أشبه بتلك الموسيقى التي كانت تعزف في أفلام الرعب الكلاسيكية من القرن الماضي، يقف العامل مرددًا «اخلع شرابك أمن واحترس، أمانات يا أستاذ».

ليسرع إليه المصلي خائفًا على حذائه أو حاجياته من السرقة ويعطيها للعامل، ليفرغ من صلاته أو قضاء حاجته من المسجد. وعندما يهم بالرحيل يذهب ليسترد أشياءه، ليجد أن العامل يرفض إعطاءه إياها بدون أن يعطيه مقابلًا ماديًّا عن تلك المدة التي قضاها في المسجد.

ناهيكم عن ذكر أنه ينصب بعض الرفوف عند الباب الآخر من المسجد، واضعًا عليها بعض أنواع من المواد الغذائية بجانب المشروبات الساخنة التي يعدها ويبيعها طبعًا بأسعار تفوق الأسعار السياحية بقليل!

إذا تركنا المسجد بما يحيط به من سلبيات واضحة، وسرنا قليلًا في أنحاء المعرض. ستجد بعض الباعة يفترشون الأرض ببعض الملابس، وبطبيعة الفترة الزمنية المقام أثناءها المعرض، وهي فترة الشتاء ستجد لديهم تشكيلة متنوعة من الملابس الشتوية الثقيلة.

عندما شاهدت هؤلاء الباعة يروجون لبضاعتهم بصوتٍ عالٍ، وقفت أمامهم لبرهة مستغربًا أشد الاستغراب، ما علاقة الكتب والثقافة بفرشة ملابس؟!

وبحكم طبيعة الفترة الزمنية للمعرض مرة أخرى، وهو وقوعه في إجازة نصف العام المدرسية في هذا الوقت، فلا تتعجب إذا شاهدت بائعًا ينادي على أقلام وكراسات ومختلف الأدوات المدرسية.

أحد المشاهد التي لا أجد لها تفسيرًا حتى الآن، هو ذلك البائع الذي ينادي على لعبة فقاعات الصابون للأطفال!

أما إذا أردت أن تزين جدار منزلك ببعض البراويز الإسلامية، فلا تقلق، ستجد أيضًا بائعًا لتلك البراويز القماشية المكتوب عليها آيات من القرآن، أو بعض العبارات الإسلامية.

ستجد أيضًا شخصًا يبيع ميداليات المفاتيح.

أعتقد أن المعرض، بعيدًا عن كونه معرضًا للكتاب والثقافة والقراءة في ظاهره، ينقصه مكانًا للأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية، ويمكن لعروسٍ أن تشتري كافة احتياجاتها من هذا المعرض الذي يدعى -معرض القاهرة الدولي للكتاب-!

بالطبع لا يمكن أن ننسى أماكن الطعام والمشروبات، التي زادت هذا العام عن سابقه؛ لتشعرك أن زوار المعرض غرضهم فقط تقضية الوقت في إحداها، يأكلون ويشربون فقط، حتى وإن كان البعض كذلك، فلا يمكننا تعميم الأمر، وتظل هذه حالات فردية يمكن أن نسقطها من الحسبان.

وأخيرًا وليس آخرًا، برغم كثرة الحديث عن هذا الموضوع وتداوله في أكثر من مقال لأكثر من كاتب، لكن كان لا بد من ذكره هنا، ألا وهي سبوبة النشر التي امتهنها الكثير في وقتنا هذا، سواء أكانوا ناشرين يملكون بعض المال، أم بعض الشباب الذي يمتلك عددًا مكونًا من خمس أو ست خانات من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي. فأوهمه متابعوه وأيضًا الناشر الذي يريد الاستفادة من متابعيه بالطبع، أنه يمكنه ببعض الجمل التي يمكن وضعها على بعض الورق وبغلاف جذاب أن يصبح كاتبًا. هذه النوعية من الناشرين أو المؤلفين التي تظهر طوال فترة المعرض فقط. وحالما ينتهي المعرض لا تسمع عنهم أي شيء آخر، حتى المعرض القادم.

وكأن المعرض أصبح مكانًا موسميًّا تجاريًّا ينتظرونه كل عام حتى يبيعون بضاعتهم، بل قد تجدهم في آخر أيام المعرض يعرضونها بأقل الأسعار تحت مسمى ظاهريٍّ بالطبع، ألا وهو – خصومات آخر المعرض – وإن توصلنا إلى باطن الأمر، ستجدهم يفعلون هكذا خشية كساد بضاعتهم بعد انتهاء فترة المعرض الموسمية.

استوقفتني هذه المشاهد السلبية وغيرها الكثير على شاكلتها، لا يوجد متسع لذكرها هنا، وإن أخذنا كل نقطة عُرضت في هذا المقال سنجد أن النقطة تنقلنا إلى سطر أكبر، فمجموعة جمل، ثم نجد أنفسنا أمام مقالات عديدة انبثقت من هذه النقطة.

على سبيل المثال، لو تطرقنا بتفاصيل أكثر إلى موضوع الباعة الجائلين في المعرض، سنجد أن دفة الحديث انتقلت إلى الحالة العامة للمجتمع. وحالة البطالة المسيطرة على فئة كبيرة جدًا من شباب هذه الأيام.

وإن تحدثنا بتفصيل أكثر عن ظاهرة النشر الأدبي المنتشرة هذه الأيام، أو على الأقل فترة معرض الكتاب، سنجد أن الحديث انتقل إلى حالة الثقافة وتردي الذوق العام في مجتمعنا هذه الأيام.

وفي النهاية، فإن عرضي هذا يعد تعجبًا أكثر منه لومًا للجهات المعنية بتنظيم هذا الحدث الضخم المنتظر بشدة كل عام من القراء، يوجد الكثير والكثير من الحلول التي يمكن أن ننقذ بها صورة هذا الحدث الثقافي المهم، إن لم يكن أمام الزوار من خارج مصر، فيمكن على الأقل أن ننقذ صورته ونحفظ ماء وجهه أمامنا نحن القراء في مصر.

وأتمنى أن تكون هذه السطور تنبيهًا شديد اللهجة لهذه الجهات، لأخذ كافة الاحتياطات في المعارض القادمة، حتى يظل هذا الحدث عيدًا للقراء، ولا يصبح سبوبة لغيرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك