إنَّ علم الكلام هو العلم الذي يبحثُ في العقائد ويردُّ على المُخالفين بأدلة عقلية، ومن بين أبرز الفِرق الكَلامية المعروفة هي المعتزلة، وقد جاءَ سببُ تسميتها بالمعتزلة، بعد أنْ وقعَ خلافٌ كبير بين الحسن البصري وواصل بن عطاء في قضية مُرتكب الكبيرة، حيث اعتبر حسن البصري أنَّ مرتكب الكبيرة هو منافق، في حين أنَّ واصل بن عطاء اعتبره في منزلة بين المنزلتين (مؤمن، كافر). المعتزلة ناقشوا القضايا الكبرى واعتمدوا على العقل كمُنطلق أساس، ونجد أبرز القضايا التي ناقشوها (إشكالية الذات والصفات، إشكالية خلق القرآن…)، ولقد تميَّز المعتزلة بمنهجٍ عقلي قادرٍ على إخضاعِ جميع القضايا لميزانِ العقل. إنَّ أبرز نظرية تطرَّقَ إليها المعتزلة بعد النظرية الذرية هي نظرية المعرفة.  إذن، فما هي أبرز مقومات ودلالات نظرية المعرفة عند المُعتزلة؟

تعتبرُ المعتزلة أحد الفِرق الكلامية الأكثر أهمية في تاريخِ الفكر العربي. فالمعتزلة قد قسَّموا المعرفة إلى قسمين:
– حسية: التيار الحسي.
– عقلية: التيار العقلي.
ونجد أبرز مفكر اعتزالي الذي تطرَّق لهذه النظرية وبإسهاب هو إبراهيم النظَّام الذي أكد – وبإقرار – أنه لا يمكنُ الفصلُ في المستوى المعرفي بين المستوى الحسي والمستوى العقلي؛ لأنَّ المعرفة لا يمكنُ أنْ تكون في نفس الوقت سوى إدراكات ومحسوسات. الشهرستاني صاحب الكتاب الشهير الملل والنِّحل يتفقُ مع إبراهيم النظَّام في فكرة استحالة الفصل بين المستوى الحسي والمستوى العقلي، حيث قال الشهرستاني في هذا الصدد: (الروح هي الجسم وهي النفس). هنا يُقرُّ (الشهرستاني) أنَّ الروح غير منفصلة عن الجسم.

لقد وجَّه (إبراهيم النظَّام) انتقادا كبيرا للنظرية المثالية الأفلاطونية لكي يؤسس النظرية المادية، وكما نعلم أن إبراهيم النظَّام قد قسَّم بدوره المعرفة إلى قسمين:
– حسية: هو القنوات والثقوب التي من خلالها نتلقى مُعطيات الوجود الخَارجي.
– عقلية: هي تحويل المَحسوسات إلى مُدركات عَقلية.
لقد أكَّد إبراهيم بن يسار النظَّام على أنَّ إدراك المحسوس واحدٌ، ولكن مَنابعهُ مُتعددة، واعتبر أنَّ هناك علاقةُ تكاملٍ بالحواس.
تميَّز إبراهيم النظَّام بالنظرية المادية، ويرى أنَّ الذي يعاني من ضُعفٍ في البَصر فهذا راجعٌ بالأساس إلى ضُعف في قوة النفس، ولكن هذه الفكرة لا تتوافقُ بتاتا مع النظرية المادية.

بخصوص النظرية المادية التي تميَّز بها إبراهيم النظَّام، فقد انتقدهُ الأشعري بخصوص هذه النظرية، حيث قال الأشعري: (لا نرى عند النظَّام إلا جسمٌ ولا يُسمع إلاَّ جسم، لأنَّ الأصوات أجسامٌ عندهُ، وكذلك ما يذاقُ ويشعر إلا جسم).
لقد حرصَ المعتزلة كثيرا على إبراز العوائق التي تعرفُها الحواس، إذْ يمكنُ أنْ تتعطلَ حاسةٌ ما، فتعوضها أخرى، مثلا: الظلامُ يحجبُ الرؤية، ولكن السمع يمكنُ أنْ يعوضُ حاسة البصر وهكذا دواليك.

إنَّ الحواس هي التي جسَّدت نظرية المعرفة عند المعتزلة، فالحواس هي أدواتٌ أساسية في نقلِ المعلومات والمعطيات من الخارج وإرسالها إلى العقل في نظر المعتزلة، فالعقل هو المحور والأساس الذي انطلقت منه النظريات الاعتزالية. الكون أيضا في نظر المعتزلة هو عبارة عن علاقات مُترابطة تتسم بالضَرورة والحتمية.

إنَّ المعتزلة قد تركوا إرثا لا يضاهى ولا يداس في تاريخ الفكر العربي، وقد استخدموا العقل كمبدأ أساسي في مناقشةِ أي قضية من القضايا؛ وهذه ميزة تميَّزوا بها عن فلاسفة الإسلام الذين انحصروا في الفقه والشريعة، أما المعتزلة فقد كان لهم نسق فلسفي، وكانت لهم الجرأة في المناقشة أي قضية كيف ما كان نوعها، دون مراعاة التقاليد أو المُقدَّسات. ما أحوجنا في الوقت الراهن للفكر الاعتزالي الذي كان امتداداً لما بدأهُ المعلم الأول أرسطو، فالمعتزلة هم من أسسوا الفلسفة الإسلامية قبل مجيء الكندي، ولكن المتعزلة قد تعرضوا لانتقادات خطيرة لا تستحقُّ أيَّ اهتمام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد