أثار مقتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة على يد تنظيم الدولة داعش اهتمام الرأى العام والباحثين المختصين على حد سواء وهنا يجب الحديث عن الإرهاب وإسقاطه على مقتل معاذ الكساسبة بعيدًا عن الدين بقلم المتخصصين في شئون الجماعات المسلحة من وجهة نظر علمية بحتة لا دخل للعواطف أو الدين فيها.

(1)
دعونا نلقى نظرة أولية على الاٍرهاب متى بدأ استخدام المصطلح الحالي؟

بدأ استخدام المصطلح الحالي في أثناء الثورة الفرنسية من قبل الثوار والملكيين على حد سواء لتبرير أفعال كل منهما تجاه الطرف الآخر. ولكن بالعودة إلى الوراء وبالتحديد في أثناء الحملات الصليبية فقد قامت الطائفة الإسماعيلية بعمليات اغتيال للجنود الفرنجة في الأسواق وفي الشوارع (فيما يعرف بالعساسين) ليس هم الوحيدون من قام بذلك ولكن تصرف منفذ العملية حيث إنه لم يهرب أو ما شابه ولكنه كان يقف ويصرخ في الناس ناشرًا قضيته منتظرًا جزاء.

وهنا بدأت فكرة الاٍرهاب كوسيلة ضغط واتصال وجذب انتباه للعامة (سنعود لاحقـًا لهذه النقطة). وأشهر عملية تاريخية إرهابية في العالم الحديث هي مقتل ولي عهد النمسا في العام ١٩١٤م، ما أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى.

 

(2)

بعد تلك المقدمة البسيطة يطرح سؤال نفسه: ما الاٍرهاب؟

وكيف نعرف من الإرهابي ومن ليس إرهابيًّا؟

في البداية لا يوجد تعريف ثابت ومحدد للإرهاب، فمثلاً داخل أمريكا تعرف كل مؤسسة أمنية تعريفـًا مختلفـًا للإرهاب بجانب تعريف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي… إلخ.

يقول البروفيسور أولريش شنيكنير في كتابه “تدويل الاٍرهاب، شخصية وخلفية الإرهاب الحديث” إن الاٍرهاب هو كل عمل مسلح من قوات غير حكومية لا يرتبط بجغرافية ثابتة ويهاجم المدنيين. وبطبيعة الحال التعريف قريب جدًّا من تعريف الأمم المتحدة وباقي المؤسسات الدولية، لكن قد يظهر التعريف في الوهلة الأولى بسيطـًا، ولكن مع بعض التدقيق يدهشك المقصد.

أولاً:

هذا التعريف مع تطبيقه على الواقع تجده مفصلاً تفصيلاً دقيقـًا للأيديولوجية الإسلامية؛ بحيث إن الأيديولوجية الإسلامية سواء متشددة أو معتدلة لا تعترف بالدول الوطنية ولا بالحدود (الحدود تراب).
ثانيًا:

التعريف أطلق يد الدولة في التعامل مع مواطنيها كيفما تشاء بحجج واهية وكبّل يد المواطنين في الدفاع عن أنفسهم خوفـًا من سقوط مدنيين.

ثالثـًا:

تم وضع نقطة صغيرة لكي تتمكن الدول العظمى من التدخل في الصراعات الداخلية؛ فمثلاً متى نقول هذه جماعة إرهابية؟ جبهة النصرة مثلاً والجيش السوري الحر كمثال مقابل. أو متى من حق الشعب حمل السلاح ضد دولته للدفاع عن نفسه ورفع الظلم عنه؟ ومن يحدد إذا كان هذا العمل ثورة أو تمرد وإلخ؟

رابعًا: يوجد حزب في إنجلترا أهم نقاط برامجه الانتخابية هي حكم الشريعة، ومع ذلك الحزب مصرح به ويخوض الانتخابات؛ لأنه بكل بساطة ليس مسلحـًا.

خامسًا: لقد أقرت الأمم المتحدة حق الشعوب في التحرر وأقر المجتمع الدولي حق الشعوب في الدفاع عن نفسها. من هذه النقطة يستطيع المجتمع الدولي وأيضًا الحكومات المحلية إلصاق تهم الاٍرهاب بمن تريد وبمن هو ضد مصالحها، حزب الله كمثال مصنف إرهابيًّا من دول، ومقبول من دول أخرى وإلخ.

(3)

وسائل الاٍرهاب هي كل أعمال مسلحة من خطف وقتل وتهديد وترحيل (من جماعات غير حكومية لكي لا نخلط الأمور). وعلى ذلك فإن الاٍرهاب لا يفرق بين مدنيين وعسكريين، بل إنه يستهدف مدنيين لكي يصل لأقصى درجات الرعب والخوف وجذب الانتباه.

(4)

قبل الدخول في أهداف الاٍرهاب أود أن ألقي نظرة عن بداية ظهور الاٍرهاب الفعلي بوضعه الحالي فقد كانت أولى هذه الخطوات هو تنظيم “راف” أو ائتلاف القوات الحمراء في ألمانيا، الذى استهدف قضاة ومسئولين اقتصاديين وصحفيين. لكن صاحب الشهرة الواسعة كان هجوم منظمة التحرير الفلسطينية سنة ١٩٧٢م، في أثناء دورة الألعاب الأولمبية بميونخ والذي راح ضحيته المهاجمون وبعض ضباط الشرطة و١٣ رياضيًّا إسرائيليًّا، واستمر الهجوم والاحتجاز والتفاوض لمدة ٤ أيام وانتهي بمأساة؛ حيث قُتِلَ المهاجمون وبعض أفراد الشرطة والرهائن. وكان فشلاً ذريعًا للأجهزة الأمنية الألمانية.

قبل هذا الهجوم لم يكن أحد يعير منظمة التحرير أو القضية الفلسطينية أي اهتمام بعد أن هيمنت إسرائيل في حرب الأيام الستة على المنطقة بأسرها، ولكن بعد هذا الحادث أصبحت القضية الفلسطينية مادة دسمة للباحثين والإعلاميين، وبالتالي يمكن تقييم العمل على أنه نجح بنسبة كبيرة للغاية.

نأتي للجائزة الكبرى وهي أحداث ١١ سبتمبر الشهيرة التي تعتبر أهم حدث تاريخي في هذا القرن الوليد، حيث إن هذا الحدث قد أحدث تغيرًا في عقيدة الاٍرهاب ومعارك فرض السيطرة والاستراتيجيات الأمنية. فلم تعد دولة بمأمن من أحداث العنف، وأن المهاجمين دائمًا لديهم أفضلية تحديد المكان والزمان واختيار الأهداف.

وهو ما أوضح أن ما تفعله الدول من سياسة خارجية له مردوده الداخلي على وضعها الأمني، فتحيز الأمريكان لإسرائيل وتعدي الأخيرة على مواقع القاعدة وطالبان المتكرر في أفغانستان هو الدافع الأساسي للعملية (غزوة مانهاتن كما سماها التنظيم) بالإضافة لتعقب الإسلاميين وتعذيبهم في دولهم.

مما سبق يمكن استنباط أهداف الاٍرهاب بسهولة

1 ـ جذب الانتباه لهدف معين للتفاوض حوله.

2 ـ إيقاظ بعض الأفكار المهملة من جانب الشعوب والعمل على إحيائها.

3 ـ جذب أتباع ومؤيدين جدد لخلخلة نظام قائم والعمل على نهايته.

4 ـ نشر الذعر والرعب والخوف بين أفراد الفئة المقصودة (دولة ــ أفراد ـ مجموعة) والعمل على وضعها تحت ضغط لكي ترضخ لطلبات المنفذين.

(5)

عادة ليس المال هو غرض الاٍرهاب وإنما أهداف ذاتية واضحة. قبل إنشاء تنظيم الدولة داعش كانت كل أهداف التنظيمات الإرهابية سياسية، مثلاً رفع يد الدول الغربية عن الدول الإسلامية أو عمليات انتقامية لمقتل أعضاء من هذه التنظيمات، فمثلاً لم يهاجم تنظيم القاعدة أمريكا لأنه يريد فرض الشريعة في أمريكا أو أسلمة أمريكا.

نأتى للحالة موضوع المقالة وهي إعدام الطيار الأردني: الحالة تقريبًا نسخة طبق الأصل من حادثة سابقة، هي معركة البحر الأسود (إحدى ضواحى العاصمة الصومالية مقديشيو) التي تم فيها إسقاط طيار أمريكي وسحله ونشر الفيديو في وسائل الإعلام العالمية، وراح ضحية العملية ١٨ جنديًّا أمريكيًّا وحوالى ١٠٠٠ جندي صومالي تابعين لمليشيات محمد فرح عيديد.

من الآثار المترتبة على هذا الحدث هو انسحاب القوات الأمريكية من الصومال والاعتماد على الضربات الجوية وحرب الوكالة كان هذا في عام ١٩٩٢م.

(6)

وهنا يمكن القول إنه بإعدام معاذ الكساسبة حرقـًا فقد بلغ تنظيم الدولة داعش عدة أهداف:
* إرسال رسالة رعب وفزع لدى العامة والخاصة (من أفراد الجيوش العربية) الذي سيكون له صداه لاحقـًا.

* تأكيد على أن الجيوش العربية مرتدة، وفقـًا لعقيدة داعش، ويجب عقابها بالنار كما فعل بعض المسلمين الأوائل (روايات غير صحيحة).

* تأثير الحدث على الطيارين العرب وعائلاتهم خصوصًا من الدول التي تضمنها الفيديو.

* أصبح التنظيم ذا شهرة أكبر من ذي قبل من خلال التقنية الحديثة، وقد ترك العالم يتساءل كيف وصل داعش لمثل هذه التقنية فيما يعرف (بأفضلية معرفة الحقيقة).

* هذا الأسلوب تتبعه أمريكا منذ زمن كمثال مكان دفن بن لادن، حتى الآن لا أحد يعرف كيف قتل؟ ولماذا تم إعدامه؟ وأين دفن؟ فدوائر الحكم في أمريكا تعرف ولا تريد أن تجعل العالم يعرف وهكذا ظل العالم لسنوات يخمن ويفترض ويبحث دون جدوى.

* تداعيات الفيديو على الاْردن ستكون صعبة للغاية؛ لأن النظام الحاكم لم يتفاوض لإنقاذ جنديه المأسور مما له أسوأ الأثر على بنية المجتمع الأردني، حيث إنه يتكون من قبائل ليس للملك قبيلة فيه لأن أصوله حجازية.

* نشر التنظيم أسماء وعناوين طياري الاْردن مع مكافأة لقتلهم سيتعب الأجهزة الأمنية الأردنية والطيارين وعائلاتهم وسيجعل من الحرب معلوماتية أكثر منها عسكرية.

* قدرة التنظيم على اختراق الدوائر الأمنية الأردنية والحصول على معلومات الطيارين يضع سيادة وقدرة الاْردن على المحك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد