الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

توماس بابينغتون ماكولاي Thomas Babington Macaulay هو سياسي بريطاني يميني وكاتب له العديد من المؤلفات والرسائل التي يعدها أهل جيله من أفضل الكتابات في عصره، من مواليد عام 1800 توفي وعمره 59 عامًا، كان له الدور الأكبر في نشر ثقافة الإنجليز في الهند على حساب التراث والموروث الحضاري الهندي الذي يبلغ عمره آلاف السنين.

توماس ماكولاي هو صاحب فكرة الاستعمار الداخلي التي تكلم عنها الدكتور منير العكش في كتابه القيّم (أمريكا والإبادات الثقافية) في فصل (أولاد ماكولاي) وهذا التعبير تمت صياغته للتعريف بالجيل الذي تمت تنشئته في الهند، هو من أبناء البلد، ولكن بعقلية إنجليزية وثقافة وسلوك إنجليز، وذلك انطلاقًا مما قاله ماكولاي: علينا أن نربي طبقة تترجم للملايين الذين نحكمهم، طبقة من أشخاص هنود الدم والبشرة، لكنهم إنجليزيون في الذوق والأفكار والتوجه والأخلاق والعقل.

تم فيما بعد اشتقاق مصطلح (الماكولاييزم) Macaulayism، وهو يشير إلى سياسة القضاء على الثقافة والتراث الأصليين للبلد المحتلة عبر إستراتيجية تعليمية يتم من خلالها إحلال ثقافة المستعمر وتراثه المعرفي، بدلًا عن ذلك الموجود، وهي السياسة التي اتبعها الإنجليز في الهند والتي قدّموا لها بأسطورة الأصل الإنجليزي الآري التي تحكي عن عرق قديم له ثقافة وحضارة متفوقة، سكن في أوروبا، ثم رحل إلى الهند وأقام فيها ونشر ثقافته وتعاليمه وتكاثرت ذريته وتغيرت مع الوقت حتى صارت على ما يُعرف الآن، وبناءً على هذه القصة فاحتلال الإنجليز هو في الحقيقة سعي نبيل للم الشمل؛ إذ إن الإنجليز كانوا موجودين في هذه البلاد من قبل والواجب الوطني يحتم على أبناء وشعب الهند الاستجابة والتفاعل مع هذا السعي.

هؤلاء الذين استجابوا لهذه الأسطورة وكرسوا جهودهم للعمل بها وللنشر الثقافة الإنجليزية والموروث المعرفي والديني هم من عُرفوا فيما بعد بأولاد ماكولاي وكان منهم رجل يدعى روماهن روي الذي أسس المدرسة الأنجلو – هندية ثم قرر إدراج دراسة العقائد مع المناهج الدراسية الأجنبية، كان من الذين سعوا للتطبيع الكامل مع الحضارة الإنجليزية؛ لأنها هي التي ستنقذهم من الجهل والتخلف على حد زعمه، وقد تجلى إيمان روماهن روي بالإنجليز والحضارة الإنجليزية في كونه أمضى باقي عمره في بريستول ومات فيها، ومنهم رئيس وزراء حيدر أباد المدعو سالار جانغ الذي ذُكر أنه استأجر مجموعة من المرتزقة لمساعدة الإنجليز في القضاء على الانتفاضة الهندية في وجه الاستعمار عام 1857، واغتيال عدد من قادتها.

كانت مهمة أولاد ماكولاي هي الانتقاص من الموروث الحضاري الهندي في الفن والأدب والفلسفة وغيرهم والتشغيب على المواضيع وجعل كل شيء محل جدال، وكذلك العمل على تغيير المفاهيم وتحريفها بحيث إن مقاومة المحتل لا تكون مقاومة، بل هي عائق يقف في طريق الوافدين الذين أتوا لتخليص الشعب من ظلمات الجهل والرجعية إلى نور التقدم والحضارة والعلم، وبذلك شنّعوا على كل الحركات الوطنية التي كانت تقاوم المحتل الغازي، ومنهم من كان بين الذين دعوا للحل السلمي ولهؤلاء بليغ الأثر في ضرب الانتفاضة أولًا، ومن ثم التطبيع الكامل الثقافي والفكري والديني وكان أن أغنوا بريطانيا عن الجيوش والاساطيل والقوى العسكرية وشكلوا كيانًا مؤسسيًا قام بكل مهام الاستعمار الثقافي ونشروا أفكار وتراث الانجليز وروجوا له وكانوا كما قال صهر ماكولي يتكلمون عن أدب الإنجليز ورموز الإنجليز بنفس الحماس الذي يتكلم به الإنجليز أنفسهم وهذا في سبيل ما عبر عنه ماكولاي بقوله: لا أظن أننا سنقهر هذا البلد ما لم نكسر عظام عمود الفقري التي هي لغته وثقافته وتراثه الروحي.

عبّر السير ريتشارد تيمبل عن امتنانه الشديد لجهود أولاد ماكولاي، وخدمتهم للقضية البريطانية التي لا تقدّر بثمن وقال إنهم الأعداء الحقيقيون لما أسماه الشغب الثوري، وهذه العبارة الموجزة هي من أفضل ما قيل في حق أولاد ماكولاي وتقدم أفضل توصيف لهم، فهم ليسوا عدوًا خارجيًا، بل عدوًا من قلب المجتمع ومن بين الناس وجزء من حياتهم وممارساتهم اليومية، تكمن خطورتهم في صعوبة تمييزهم وإدراك حقيقة ما يفعلون ولحين إدراك ذلك يكون قد فات الأوان، هذا أخطر بكثير من العدو الذي يأتي بقوته العسكرية وسلاحه الفتاك، فهذا بطريقة أو بأخرى سيستنفر الناس له، ويحاربونه ويضحون بأرواحهم لمقاومته.

بالنظر إلى واقعنا ومجتمعنا المسلم الذي نعيش فيه قد لا يستطيع أولاد ماكولاي أن يقولوا مثلًا أن القرآن يدعو للتخلف والظلامية، ولو أن هناك منهم من هو قليل الحيلة والفهم ليفعلها، ولكن الخطورة في أولئك الذين يقولون إن القرآن كلام الله المنزل العظيم، ولكننا شوهناه بتفسيراتنا المتخلفة والرجعية والظلامية التي لا تناسب هذا العصر ولا متطلباته، ولأمثال هؤلاء مؤسسات تدعمهم وتقدّمهم للناس على أنهم أصحاب فكر مستنير ورأي سديد يناسب التوجه العصري وهم في الحقيقة يردون كل ما جاء به صحيح النصوص صراحة بحجج واهية وضعيفة، ومنهم من ورائه مؤسسات تقدمه للناس على أنه شيخ وداعية وربما عالم جليل وهو لا يفعل سوى سب وشتم الشيوخ الذين وضعوا بصمتهم في الساحة التعليمية بإنتاج علمي غزير ويتهمهم بأنهم شيوخ ضلال وفتنة وهو في الحقيقة موظف عند صاحب الجلالة يهندس الشرع ليخدمه ومصالحه أيًا كانت.

أولاد ماكولاي تكاثروا داخل المجتمع بشكل تلقائي أو بأن تمت زراعتهم داخل المجتمع؛ فحولوا الوطنية من مفهوم جمعي يستوعب كافة أطياف المجتمع ويراعي مصالحهم إلى مفهوم أحادي يصب في مصلحة الحاكم، فلا تجوز معارضته، ولا يجوز نقده، ولا مطالبته بأي شيء، فضلًا عن أن يكون حق تكفله الإنسانية المحضة، وبالطبع لا يجوز الخروج عليه؛ لأن كل هذا يعد عملًا تخريبيًا يهدد مصلحة هذا الوطن.

أساء أولاد ماكولاي كثيرًا لقضايا الأمة التي من أبرزها قضية فلسطين وسوريا وليبيا ومصر، فبعد أن كان العدو واضحًا متفقًا على هويته فإذا بهم يحقنون البروباغندا في وعي الناس فتحولت الثورات التي تطيح بطغاة مثل مبارك وبن علي والقذافي إلى أعمال تخريبية تسببت في إراقة الدماء، وتحولت عصور مبارك والقذافي من عصور الظلم إلى عصور السلام والرخاء قبل أن تحل اللعنة على الناس بالثورات وتحول الثوار إلى مشاغبين ومثيري فوضة.

حوّل أولاد ماكولاي قتال الدموي بشار الأسد إلى عمل إرهابي، وكراهية الصهاينة إلى مجرد حالة تعصب مبالغ فيها إذ إن الموضوع مجرد نزاع تاريخي عفا عليه الدهر وأصبح الصهاينة مجتمعًا راقيًا متحضرًا يجب علينا أن نتعايش معه، وأن نعمل معه لتحقيق السلام، ووصل بهم الأمر إلى أن زينوا الأكاذيب والخرافات للناس وخاطبوهم محاولين إقناعهم بها وكأنها من أقوى حقائق الوجود، وكان الجسر الذي أرادوا به سوق الناس من الواقع إلى الخيال هو جماعة الإخوان المسلمين التي تحولت في ليلة وضحاها من جماعة مارست حقها الذي كفلته لها الديمقراطية التي أذعن لها الجميع إلى جماعة إرهابية سرقت الدولة من الشعب ومارست أعمال عنف وقتل، ثم تطورت الرواية فصارت كأنها شيء اعتباري، إذ إن كل ما هو ضد السيسي وزمرته صار من الإخوان، وبدأنا نسمع (الخطاب الإخواني) و(الميول الإخوانية) ورأينا كيف أن هناك ممن ليسوا بإسلاميين أصلًا تم وصفهم بأنهم إخوان، بل ومسيحيين حتى.

خلق أولاد ماكولاي حالة من عدم وضوح الرؤيا وهذا بطبيعة الحال يستدعي كثرة الجدل بين الناس التي يغيب معها النقد السليم والممارسة الإصلاحية، بل حتى الإنصات للآخر ومحاولة فهمه فلا يكاد يتبين أحد الأولويات وما يجب أن يتحرك الناس أو المقدمّين ممن أنعم الله عليهم بالحكمة والمعرفة والفكر الرشيد لأجله، أما أولاد ماكولاي نفسهم فهم في هذا العصر (أو الكثير منهم) لن يجدوا ما وجده سلفهم من تقدير من الحاكم المستعمر، أو رجاله المقربين للجهود، وتثمين وشكر لكل ما فعلوه؛ فهم كثيرون، ولا يمكن حصرهم ومنهم من بادر للمهمة من تلقاء نفسه، ولذلك فقد تكفيهم إعادة التغريد لكلمتين على تويتر من رجل مثل روبرت ساتلوف تكون وسامًا على صدر الواحد منهم ما دام حيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, رأي, سياسة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد