الملك هو الملك كما قالها الكاتب الكبير سعد الله ونوس في مسرحيته الشهيرة. فمهما كان أصل هذا الملك فقيرًا أو وجيهًا. جاء بالوراثة أم بالانتخاب يظل الحاكم هو الحاكم قويًا وقاسيًا حتى يستطيع أن يحكم شعبه،  فمبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) الذي تحدثنا عنه في المقال السابق كان للحاكم القوي فقط لأن قوة الحاكم وسيطرته هي التي تبرر كل أفعاله. كما أن حال الشعوب على اختلافها متمردة دائمًا.

وقوة الحاكم تظهر في وقت الخطر الذي يهدد بلاده وعرشه وهو ما يجعلنا نتساءل مع مكيافيلي هل الحاكم يستطيع أن يحمي نفسه بمفرده عند الحاجة أم أنه في حاجة إلى حماية غيره دائمًا؟

يرى مكيافيللي أن الحاكم يستطيع أن يحمي نفسه بنفسه وقت الخطر إذا كان يمتلك من المال والرجال والحشد لمواجهة أي عدو يتعرض له. بل يكون مغيرًا على أعدائه لا ينتظرهم للقدوم إليه بل يذهب إليهم ويحاربهم خارج حدود دولته وأحيانًا في عقر دارهم.

ولابد للحاكم الذي يخرج لأعدائه بجانب جيشه القوي الذي يحارب به أن يترك خلفه رجالا لا يقلوا قوة وأمانة وثقة عمن معه لكي يحافظوا على استقرار الدولة في غيابه وهم غالبًا يكونون من أهل الثقة ثم تأتي بعد ذلك الخبرة حتى يكون مطمئنا إن ظهره قويًا.

وبالنظر في تاريخنا الإسلامي نجد أن الفتوحات والتوسعات التي حدثت منذ الخلافة الراشدة إلى العصر العباسي الثاني وحتى في الدولة العثمانية كان وراءها خلفاء أقوياء قادرون على فتح بلاد جديدة وضمها إلى ولايتهم دون حدوث أي خلل من وراء ظهورهم. معتمدين في ذلك على رجال أقوياء أحسنوا في اختيارهم ووثقوا فيهم فظلت الدولة قوية متماسكة بفضل خلفائها الأقوياء.

أما عندما كان الحاكم ضعيفًا فانقسمت الدولة وأعلنت بعض المدن استقلالها وإقامة دول مستقلة كالطولونية والأخشيدية والأيوبية وغيرها بل نتيجة لضعف الحاكم وسوء اختيار رجاله كان ذلك سببًا في انهيار الدولة بالكامل كما حدث في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة الأموية بأن انهارت الدولة الأموية نتيجة لضغعفة وسوء اختياره بالإضافة إلى باقي عوامل انهيارها.

والحاكم القوي بحق هو من يُحسن اختيار رجاله فمبدأه الأول دائمًا في الاختيار هو الثقة ولكن القوة تكمن أن يختار أهل الثقة الخبراء الذين يحمون عرشة ويدفعون البلاد إلى التقدم.

وعن طرق اختيار الحاكم لرجاله ومن حوله فهي ثلاث طرق الأولى اختيار أهل الثقة الأقوياء وهم قادرون على الحفاظ على الحكم بالقوة وغالبًا لا تدوم، والثانية أهل الخبرة وهم قادرون على الحفاظ على الحكم بخبرتهم بل يعملون على تقدم البلاد ورقيها وكذلك زيادة شعبية الحاكم وحب شعبه له وخاصة إذا كان أهل الخبرة من المؤمنين بأفكار ومبادئ الحاكم.

أما الطريقة الثالثة فهي أبغض الطرق عندى وهي الاختيار ليس على أساس الخبرة ولا حتى الثقة بل على أساس مشوش بلا أي منطق فيكون الاختيار لرجال مهمتهم فقط الإبقاء على الوضع الراهن وغالبًا ما يكون وضعا سيئا. فمهمة هؤلاء الرجال أن يظل هذا الوضع كما هو لا يتحسن ولا يصبح أسوأ مما عليه.

ومشكلة هؤلاء الرجال أنهم ليسوا أهل ثقة فيحافظوا على الوضع الموجود حتى بالقوة ولا أهل خبرة فيستطيعون التعامل معه بل مجرد (سد خانة) لإبقاء الوضع على ما هو عليه. وهم دائمًا يكونون السبب الأول للتعجيل برحيل الحاكم بل ويلقونه إلى قاع الهاوية إذا لم ينتبه لهم (ولنا في وزير التربية والتعليم الحالي أُسوة).

إن الحكم قوة، والحاكم لابد أن يكون قويًا، وقوته تظهر في اختيار من يحمونه، فحسن اختياره يجعله قادرًا على حماية نفسه بنفسه ولا يتعرض للغدر والخيانة. فرجال (إبقاء الحال على ما هو عليه) يقتلونه ببطء، والثقة مهما كانت شديدة ستجعله يقول يومًا: (كل حلفاؤك خانوك يا ريتشارد حتى آرثر الأمين).

وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مكيافيللي
عرض التعليقات
تحميل المزيد