لم يعرف الكثيرعن نيقولا دي برناردو دي مكيافيللي (1469 – 1527) إلا مقولته «الغاية تبرر الوسيلة»، وهي المقولة التي أكسبته هو وكتابه «الأمير» سمعة سيئة، رغم أن الكتاب يحتوي على نصائح وإرشادات للحاكم لا تقل قسوة عن تلك النصيحة، إلا أن معظم من رفض فكر مكيافيللي كان من وراء «الغاية تبرر الوسيلة».

ورغم قسوة الجملة ورفض الجميع لها، إلا أنها تعبر عن الحقيقة والواقع السياسي في كل العصور. فمكيافيللي كان منهجه السياسي في كتب «الأمير» هو تقديم النصائح للحاكم؛ لكي يحافظ على عرشه، وهذه النصائح لم تكن مجرد أفكار خيالية، فلم يكن مثل أرسطو يبحث عن الحكم المثالي، ولا يهمه إنشاء المدينة الفاضلة التي تبناها أفلاطون ومن بعده من الفلاسفة؛ بل كانت نصائحه من خلال الواقع السياسي، ونظرته المتعمقة للتاريخ على مر العصور، فهو يريد أن يصنع حاكمًا قويًّا يحافظ على عرشه، حتى لو كان ديكتاتورًا مستبدًا.

إن مبدأ مكيافيللي الأساسي في الحكم هو الفعل وليس الكلام، فنجده يقول: «ليست المحافظة على الدول بالكلام». وهو ما جعل أصحاب الاتجاه الإصلاحي الإسلامي في القرن التاسع عشر، ومنهم الشيخ جمال الدين الأفغاني، يرون في كتاب «الأمير» ما يوضح فكرة المستبد المستنير، الذي يحتاج إليه المسلمون لإنقاذهم من الفقر والجهل الذي لحق بهم.

وعلى مدار أكثر من نصف قرن منذ أن خرج كتاب مكيافيللي للنور، وانتشرت نظريته السياسية في كل أنحاء العالم، لم يتفق اثنان على تلك النظرية، فمنهم من رأى درة الكتب السياسية في «السفالة» السياسية، كما أطلقوا عليه «الكتاب اللعين»، والبعض الآخر يرى أنه يضع نظامًا سياسيًّا صارمًا، وآخرون رأوا فيه مجرد تعبير دقيق وحقيقي عن الواقع السياسي وطبيعته في كل الأزمنة، حتى أن البعض رأى أنه النظام السياسي الذي ينبغي على كل حاكم أن يطبقه. كما أن هدفنا ليس إثبات صحة أحد هذه الآراء، أو خطئها؛ بل مجرد عرض لبعض ما جاء في هذا الكتاب من خلال الأحداث التاريخية، وعلى القارئ أن يحكم إن كانت نصائحه صائبة أم لا.

ورجوعًا إلى فكرة «الغاية تبرر الوسيلة»، فإننا نجد تطبيقها جليًا على مر التاريخ، فعمرو بن العاص عندما فتح مصر وأراد السيطرة على الإسكندرية، وكان شعبها دائم الثورة -وهي طبيعة أهل الإسكندرية على مر العصور- أقسم أن يدمر المدينة، وبالفعل قام بتدمير أسوار المدينة وحصونها، وقتل كل من حاول صده، فلما كانت غايته الحكم لم يعبأ إذا كانت الوسيلة أخلاقية أم لا.

ومرة أخرى مع عمرو بن العاص في معركة صفين عام 37هـ، فحينما رأى معاوية بن أبي سفيان أن جيش علي بن أبي طالب ينتصر على جيشه، دعا عمرو بن العاص للوقوف معه والحد من انتصارات جيش علي؛ فقام عمرو بن العاص بخدعة حيث دعا جيش معاوية إلى رفع المصاحف على أسنّة الرماح، أي أن الحكم الذي بيننا وبينكم هو كتاب الله، وكان هذا الموقف هو بداية ظهور مبدأ الحاكمية الذي يعتبر أساس فكر الإخوان المسلمين، وخاصةً سيد قطب وأنصاره.

والشاهد من هذه الحادثة أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص من أجل غايتهما، وهي السيطرة على الحكم، لم يفكرا إذا كانت الوسيلة أخلاقية أم لا، حتى أن علي بن أبي طالب قال لهم عندما قالوا الحكم لله إن هذه قولة حق، يراد بها باطل.

وبالانتقال إلى التاريخ الحديث نجد أن أنور السادات بدأ حكمه ونهاه بحبس كل معارضيه، ففي بداية توليه الحكم كان هدفه هو السيطرة على البلاد، ومحاولة الخروج من النكسة التي تمر بها البلاد؛ فقام بحبس كل معارضيه، ومحاولة جمع الشعب حوله، وبالفعل نجح في هذا، وخاصةً بعد انتصاره في حرب أكتوبر.

ولكنه حاول أن يعيد نفس التجربة في آخر عهده، حيث أمر بحبس كل معارضيه من التيار الإسلامي والوفديين والمستقلين، وكل من يعارضه سواء من قريب أو بعيد، وذلك من أجل إرساء حالة من الاستقرار حتى تتم باقي بنود اتفاقية السلام، ويحصل على آخر جزء من سيناء، إلا أن هذه المرة فشل في تطبيق مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، وتم اغتياله بعدها بشهور قليلة؛ لأنه نسي ما قاله مكيافيللي أيضًا في نصائحه للحاكم «لا تتخلص من أعدائك مرة واحدة».

وفي السنوات الخمس الأخيرة، كانت هناك العديد من الأحداث التي توضح مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، نذكر منها ثلاث حوادث دون إسهاب في التفاصيل، هي موقعة الجمل 2011، وموقعة الاتحادية 2012، وموقعة فض ميدان رابعة العدوية 2013، فالثلاثة كانت غايتهم السيطرة على الحكم القائم، والوصول إلى الاستقرار.

ومن خلال الأمثلة التاريخية السابقة نجد أن «الغاية تبرر الوسيلة» للحاكم القوى فقط؛ لأن قوة الحاكم وسيطرته هي التي تبرر كل أفعاله. ولكن هذا يجعلنا نتساءل مع مكيافيللي هل الحاكم يتسطيع أن يحمي نفسه بمفرده عند الحاجة؟ أم أنه في حاجة إلى حماية غيره دائمًا؟

وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مكيافيللي
عرض التعليقات
تحميل المزيد