طرح نيقولو ميكافيلي العديد من الأفكار في العلوم السياسية، والتي ثارت بعدها التساؤلات وتتابعت التحليلات حول ما إذا كانت أفكار ميكافيلي حقًا بمثابة دعوة للاأخلاقية أم أنها تسدل الستار عن الشكل الحقيقي للحياة السياسية؟ وعلى مدار سنوات عديدة ظل هذا التساؤل هو الإشكال الحقيقي في دراسة الأطروحات التي طرحها ميكافيلي، وسوف تحاول هذه المقالة تناول نظرة نيقولو ميكافيلي للأخلاق في ضوء شرح أفكاره السياسية التي نادى بها مع الاعتماد على الكتابات الأصلية لميكافيلي، وأيضًا الاعتماد على الكتابات التي تناولت أفكار ميكافيلي مع التركيز على طبيعة العصر الذي نشأ فيه وترعرع ميكافيلي، والمناخ الثقافي، والسياسي، والاجتماعي، الذي تأثر به في طرحه لأفكاره، وتتبلور الأفكار الرئيسة لهذا الموضوع في ضوء الإجابة عن سؤال رئيس، هو: كيف نظر نيقولو ميكافيلي إلى قيمة الأخلاق؟

نبذة عن ميكافيلي والعوامل المؤثرة في أفكاره

يعتبر المفكر الإيطالي نيقولو ميكافيلي أحد أبرز مفكري عصر النهضة، وأكثرهم إثارةً للجدل؛ بسبب كتاباته الجريئة في علم السياسة، والتي حظيت بشهرة كبيرة في عصره، وحتى في العصور التالية؛ نظرًا لما تضمنته هذه الأفكار من رؤى وتصورات نُعتت باللا-أخلاقية لدرجة أن الكنيسة قامت بوضع كتاب الأمير – الذي يعد أبرز الإسهامات الفكرية لمكيافيللي – على قائمة الكتب المحظورة، وقررت محاكم التفتيش إحراق جميع كتبه، بل لدرجة أن «الميكافيلية» أصبحت على مر العصور رمزًا للخداع والغدر واللا-أخلاق، لكن التساؤل المهم في هذا الصدد هو ما هي الظروف التي نشأ فيها ميكافيلي وما هو حجم تأثير هذه الظروف عليه؟

أولًا طبيعة عصر النهضة

يعتبر عصر النهضة بمثابة مرحلة انتقالية توسطت العصر الإقطاعي، والعصر الحديث، حيث سعت أوروبا إلى تخطي ظلمات العصور الوسطى، واتخذت لذلك منهاجًا اتضح في محاولة إحياء التراث مرة أخرى، والتركيز على الكيفية التي يمكن من خلالها بناء الدولة، وكان الفكر السياسي في هذه الفترة –في مجمله – يدور حول سؤال رئيس هو: كيفية بناء الدولة؟

وقد لوحظ في هذه الفترة نشاط كبير لحركة الإصلاح الديني، والتي بدأت تحاول أن تصلح الفساد الذي أوجدته الكنيسة الكاثوليكية عن طريق الدعوة لضرورة العودة للمبدأ الأساسي في المسيحية، وهو الفصل بين السلطتين السياسية والدينية. «أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر» هذا إلى جانب الدعوة إلى ضرورة إخضاع الكنيسة للدولة، وليس العكس.

وقد تميز عصر النهضة بثرائه الفكري الكبير الناتج عن التوجه الذي ساد في هذا العصر، وهو محاولة بعث التراث القديم لمحو ظلام العصور الوسطى والتعبير عن روح عصر النهضة من خلال الشعر والأدب ودروب الفنون المختلفة.

ومن هنا يمكن بلورة أهم السمات السياسية لعصر النهضة في: زوال النظام الإقطاعي والاتجاه نحو تكوين وحدات سياسية جديدة لإنهاء فكرة اللا-دولة وانعدام السلطة المركزية التي كانت سائدة في ظل النظام الاقطاعي هذا إلى جانب ضعف سلطة الكنيسة وخضوعها إلى السلطة السياسية، وبذلك يمكننا القول في هذا الصدد إن عصر النهضة قد شهد نهايةً لمعركة ضارية دارت لقرون عديدة بين السلطة السياسية (الزمنية) والسلطة الدينية.

ثانيًا: ظروف إيطاليا في هذه الفترة

كما أوضحنا في الفقرة السابقة أن التوجه الذي ساد في أوروبا في عصر النهضة بعد تراجع نفوذ الكنيسة الكاثوليكية هو تكوين وحدات سياسية جديدة قائمة على الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وقد شرعت العديد من الدول في تحقيق هذه الوحدة السياسية، كان على رأسها إسبانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وفي ذلك الوقت كانت إيطاليا مقسمة إلى دويلات أو وحدات هي: (مملكة نابولي، ميلانو، جمهورية فلورنسا، جمهورية البندقية، الدولة الباباوية) وقد كانت هذه الدويلات متنازعة فيما بينها على خلاف الدول الأوربية الأخرى التي نجحت في تحقيق وحدتها، ويرجع السبب وراء النزاع بين دويلات إيطاليا إلى العديد من الأسباب جاء على رأسها تدخل الدول الأوروبية لمنع وحدة هذه الدويلات، وأيضًا وجود البابا في روما قلب إيطاليا، والذي عمل بكل قوته على منع توحيد إيطاليا وإبقائها مقسمة.

وبذلك يمكن استنتاج أن الإطار العام الذي وُلد ونشأ فيه ميكافيلي كان مؤججًا بمحاولة تحقيق الوحدة الإيطالية، وبالطبع فإن نيقولو ميكافيلي قد انتقل إليه حماس التجربة، وأصبح ولوعًا إلى محاولة تحقيق الوحدة مثلما حدث في الدول الأخرى.

ثالثًا: الظروف الشخصية لميكافيلي

وُلد ميكافيلي في فلورنسا، وكان ابنًا لأسرة عريقة تقلدت العديد من المناصب المرموقة على مر العصور، وقد اشتهرت أسرته في ذلك الوقت بالتحديد بمعاداتها الكبيرة للأسرة الحاكمة (أسرة دي مديشي) وقد كان والده محاميًا، ومن أشد الداعين إلى الجمهورية.

نشأ ميكافيلي في عهد الأمير لورنزو دي مديشي (لورنزو العظيم) – حسبما ذكره ميكافيلي في مؤلفاته – وقد أسهم لورنزو بشكل كبير في نهضة إيطاليا، بترغيبه في العلم، واحتضانه لأهل العلوم والفنون، وربما هذا ما يفسر نشأة العديد من المفكرين في هذه الفترة، مثل نيقولو ميكافيلي، وبعد تعرض لورنزو العظيم للقتل، وكذلك قتل أخيه في مؤامرة للإطاحة بالحكم، ونفي أخيه الآخر من فلورنسا بعد غزو شارل الثامن ملك فرنسا لفلورنسا قامت حكومة دينية، لكنها سرعان ما انهارت وأُعدم رئيسها.

وفي هذه الأثناء وبعد مرور بضعة أشهر من سقوط الحكومة الدينية انتُخب ميكافيلي كسكرتير للمستشارية الثانية لجمهورية فلورنسا، وأصبح بذلك ميكافيلي واحدًا من واضعي السياسة ومخططيها لمدة دامت قرابة 14 عامًا إلى حين سقوط الجمهورية سنة 1512، ومجيء الجيش الفرنسي مرة أخرى؛ الأمر الذي اضطر أهل فلورنسا إلى استدعاء أسرة دي مديشي، وبناءً عليه نُفي نيقولو ميكافيلي من فلورنسا.

وبالرغم من أن كتابات ميكافيلي قد أكدت على أن نفيه قد أوقع في نفسه أسوأ وقع ومكان له أثر سيئ وعميق عليه، فإن هذه الفترة قد مثلت فترة ثراء وازدهار كبير لآراء ميكافيلي حيث قام بتأليف العديد من الكتب والمؤلفات مثل (الأمير – المطارحات – تاريخ فلورنسا – فن الحرب)، والتي سيتم من خلالها الإجابة عن السؤال الرئيس لهذه الورقة، وهو كيف نظر نيقولو ميكافيلي إلى قيمة الأخلاق؟

ما هي الأخلاق؟

يعد تعريف الأخلاق أمرًا في غاية الصعوبة؛ حيث إنها تختلف باختلاف المرجعية التي يتم التعريف على أساسها، فالأخلاق ليست شيئًا ثابتًا مُعممًا في كل مكان، فالفعل غير الأخلاقي في مكان ما قد يكون أخلاقيًا، أو مقبولًا على أقل تقدير في مكان آخر، ومن هنا نستنتج أن الأخلاق باعتبارها مجموعة من القيم تتأثر إلى حد كبير بالنطاق التي توجد فيه، وهي نسبية وقابلة أيضًا للتغيير، ولكن إذا أردنا أن نذكر تعريفًا للأخلاق، فإننا يمكن أن نعرفها على أنها عبارة عن منظومة قيمية يعتبرها الناس بشكل عام جالبة للخير وطاردة للشر، وهي ما يتميز بها الإنسان غيره، وأيضُا يمكن تعريفها بأنها مجموعة من القيم والمبادئ التي تحرك الإنسان، وتدفعه إلى فعل الخير، وتجنب الشر، وهذا هو التعريف السائد للأخلاق، ويُلاحظ على هذين التعريفين اتخاذهم الإنسان، كمعيار لهذه القيمة، وهو الأمر الذي أنشأ الجدلية حول هذا المفهوم كما ذكرنا نظرًا لنسبية النظرة الإنسانية لمثل هذه القيم، لكن البرجماتية أحيانًا ما تقول عكس ذلك حيث إن الفلسفة البرجماتية تختلف جذريًا عن الفلسفات المثالية من حيث إنها تهتم بدراسة ما هو كائن بالفعل، وليس ما ينبغي، بمعنى أن هذه الفلسفة تضع مجمل الممارسات الحياتية في إطار عملي محض متمثل في التأكيد على ضرورة واحدة وهي تحقيق غايات الفرد بأية طريقة ممكنة، وهو أحيانًا ما يتم وصفه بأنه قفز فوق الفيم الأخلاقية، خصوصًا في المواقف التي يحاول الإنسان فيها تحقيق مصالحه بطرق غير مشروعة، وقد تم الرد على ذلك بأنه إذا كانت الأخلاق تكمن في السلوك الجالب للخير والطارد للشر، فإن الخير والشر أشياء نسبية، فما هو خير عند إنسان قد يكون شرًا عند إنسان آخر، والعكس صحيح، وسواء اتفقنا على هذا التعريف، أو ذاك، فإننا في النهاية يجب علينا أن نؤمن بوجود كل منهم، فإيمانك بشيء معين ينفي (إيمانك بنقيضه)، لكن لا ينفي (وجود نقيضه).

نظرة ميكافيلي للأخلاق

أولًا: الطبيعة البشرية عند ميكافيلي

نظر ميكافيلي نظرة متشائمة إلى الطبيعة الإنسانية فقد رأى أن البشر نفعيون يسعى كل منهم إلى تحقيق مصالحه دون النظر لمصالح الآخرين، وقد قال في كتابه الأمير عن الطبيعة الإنسانية «وقد يقال عن الناس بصورة عامة أنهم ناكرون للجميل، متقلبون، مراءون، ميالون إلى تجنب الأخطار، شديدو الطمع وهم إلى جانبك، وطالما أنك تفيدهم يبذلون لك دماءهم، وحياتهم، وأطفالهم، وكل ما يملكون.. طالما أن الحاجة بعيدة نائية، ولكنها عندما تدنو يثورون، ومصير الأمير الذي يركن إلى وعودهم دون اتخاذ أية استعدادت أخرى هي الدمار والخراب» ومن هنا يمكن تحليل نظرة ميكافيلي بأنها غاية في التشاؤم، والنظر إلى البشر بأنهم يلتفون حول مصالحهم حتى وإن كان تحقيق هذه المصلحة يستلزم القفز فوق الاعتبارات الأخلاقية، وقد حاول ميكافيلي في كتابه الأمير أن يوظف هذه النظرة للطبيعة البشرية في تقديم نصائح للحاكم توضح كيفية التعامل معهم بشكل يحفظ سلطته ويقوي من شوكته.

ثانيًا: الفضيلة عند ميكافيلي

قدس ميكافيلي القوة إلى درجة العبادة، حيث إنه كان يرى أن السياسة ما هي إلا معركة تتمثل في الصراع على القوة، وينتصر فيها الطرف الأقوى، وقد حدد ميكافيلي فضيلته الأسمى استنادًا على هذه النظرة، فنجد أن ميكافيلي قد اتخد مبدأ «الفضيلة هي المعرفة»، وهي تتمثل في فكره في تحقيق الوحدة السياسية المنشودة، ومن هنا يمكن استنتاج أمر في منتهى الأهمية، وهو أن ميكافيلي قد جاء بأن العبرة ليست بمعايير مطلقة وإنما بمقدار ما تحققه من نتائج وأهداف ومتى كان الفعل يحقق الأهداف المرجوة، فلا مشكلة في ذلك، بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية، أو اعتبارات أخرى.

أفكار ميكافيلي التي تعكس نظرته لقيمة الأخلاق

ذكر ميكافيلي في كتابه الأمير مجموعة من الأسس والقواعد التي نصح الحاكم بالسير عليها لتركيز حكمه وترويض الطبيعة البشرية المتوحشة لخدمته، وقد تعددت هذه الأسس، أو التي يمكن أن نطلق عليها مسالك الحكم، فعلى سبيل المثال، نجد أن ميكافيلي ذكر أن هناك أسلوبين لتسوية النزاع، هما (القانون والقوة)، وقد رأى أن الإنسان عادة ما يلجأ إلى القوة؛ لأن القانون وحده لا يكفي، ونصح الحاكم أن عليه أن يعرف كيف يستعمل الأسلوبين معًا، حتى يتسنى له الحكم.

وقد نظر ميكافيلي إلى  أن الحاكم لا يجب أن يعتمد على حب الأفراد له، بل على خوفهم منه، وقد ذكر في كتابه الأمير «من الواجب أن يخافك الناس لا أن يحبوك»، وهو بذلك يرى أن الحكم يجب أن يكون مستندًا على خوف المحكومين من الحاكم، وأن الحاكم يجب أن يراعي في حكمه الطبيعة البشرية القائمة المتوحشة والنفعية، لذلك فقد نصحه بأن يتبع منهجًا قائمًا على أساس فكرة الثواب والعقاب، وأن العقاب يجب أن يوقع مرة واحدة، أما الثواب فيجب أن يكون على أجزاء، وهذا التنظير يتفق في الأساس مع رؤية ميكافيلي النسبية للفضيلة، والتي قرنها بالمبدأ النفعي، وقال إنها ترجع في الأساس إلى مقدار ما ستحققه من أهداف ونتائج، وهذا هو المعيار الوحيد الذي يمكن الحكم على الفعل من خلاله، وليس الاعتبارات الأخلاقية والدينية… إلخ.

الأخلاق والحكم عند ميكافيلي

تعتبر نظرة ميكافيلي لطبيعة الحكم من النقاط القليلة المضيئة التي يمكن ذكرها في إطار حديثنا على نظرته للأخلاق فقد كانت نظرته للحكم أخلاقية إلى حد ما حيث أنه جعل الرضاء الشعبي أساسًا لتوطيد الحكم، وأكد على كرهه الشديد للحكم المطلق، ورغبته في إقامة حكم ديمقراطي يقوم على أساس الإرادة الشعبية، لدرجة أن ميكافيلي قد ذكر في كتابه الأمير أنه «قد فشل كل من تعلق بجنوده بدلًا عن شعبه»، وأيضًا عندما ذكر أن «خير قلعة يقيمها الأمير هي التي تكون في أفئدة شعبه»، في إشارة واضحة بضرورة وجود رضاء شعبي عن الحاكم، حتى وهو يستخدم أكثر الوسائل بعدًا عن القيم الأخلاقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد