تحصنت تلك القلة بمبنى قديم , حاملة الأسلحة البدائية بالأزياء التى لا توحى بالعسكرية في تفاصيلها البالية , تسبح وتكبر فى خفوت وحماس شديد منتظرة لحظة اللقاء , وعلى مقربة منهم اسودت السماء بأسراب من الطائرات , واهتزت الأرض بسيل عرم من الجند الذين لا ترى من ملامحهم ، إلا الأقنعه الحديثة , والنظارات الليلية , أشعة الليزر تنطلق من بنادقهم , الدبابات ترتعد لها الجبال , الفارق مبين , المنظر مهيب , القلوب متأهبة والنفوس تنظر للسماء منتظرة الوعد الحق !

لا تنظر إلى نتيجة تلك المعركه , فقد انتهت بسحق الجمع الصغير عن بكرة أبيه , ولكن العجيب أنه بعد سنوات قليلة خرج من رحم هؤلاء القلة أقوام لا تبدو عليهم ملامح التطور فى العدة، بقدر ما هو نضوج فى الإرادة , يقين فى النصر قهروا تلك التكنولوجيا العسكرية والحروب النفسية , أعادوا تلك الجموع الغفيره السوبر بشرية إلى بلادهم مهزومين متعجبين يتساءلون ماذا حدث ؟ وكيف حدث ؟ ولما حدث ؟

 

 

تجد تلك البقعة من الصراع فى الشيشان , أفغانستان , العراق , سوريا , لا تتوقف لحظة تلك الحالة من الصراع الذى ذابت فيه أية فرصة للتكافؤ العسكري المادي , هؤلاء يُحاربون بأسلحة تحمى أجسادهم والغرب يُحاربهم بالاقتصاد والتكنولوجيا , العملاء والخونة , الحصار وتجفيف المنابع , كل الكون تكالب على هؤلاء وتكتل هؤلاء على يقين تام بالنصر حتى تتعجب من سذاجة هؤلاء من أين أتوا بتلك الثقة وذلك الوهن يخترق أسلحتهم وإنتاجهم وفكرهم وبلادهم .

 

 

النظر لذلك الصراع لن تُفلح معه ادوات التحليل السياسى او نظريات السياسة الخارجية او مبادىء العلاقات الدولية وصدقنى الصراع الان لن يحسمه الا رؤية مختلفة لصراع الافكار الذى يتسامى فوق الصراع السياسى والعسكرى والاستراتيجى , بل اظنه يتحكم فى مفاصل ما سبق ذكره , وصراع الافكار هنا يمكن ان نُجسده فى هذا الفيلسوف السياسى الايطالى (ميكافيللى ) والمفكر الاسلامى (سيد قطب ) .

* لما اختزلنا النموذج التفسيرى في هؤلاء ؟

قد تتفق أو تختلف فى حدة ومدى وكثافة الصراع الآن , إلا أنه مما لا شك فيه أن روح السياسة الأوروبية الخارجية تجاه الدول والمستعمرات تنبع من تعاليم ميكافيللى من البراجماتية للدونية الأخلاقية؛ لإعلاء المصلحة المادية على الأخلاقية , وأن تلك الدول الفقيرة المُعدمة الرجعية بالمنظور الأوروبي الأبيض تصدرت فى أدبياتها العديد والعديد من المنهج الحركي الفكرى لقطب , بل لا تجد كتابا فى السلفية الجهادية أو الإصلاحية بشتى اتجاهاتهم، إلا واتخذ من تصور قطب للفرد المسلم ولطبيعة الصراع مرجعا ومُحركا له .

* الإيمان بالقوة أم قوة الايمان ؟

يقول ميكافيللى: (على الأمير الراغب في عدم زوال سلطانه عدم التحلي بالفضائل ولا يعبأ بها؛ لأن الغرض من السياسة هو “الحفاظ على القوة السياسية وتدعيمها” ) ، السياسة فى نظر ميكافييلى معيارها ومنطلقها واضح وهو (القوة ) و(الصراع ) و(السلطه ) وهى منطلقات علم السياسة الحديث وعلوم التحليل، بل وسياسة الساسة الأوروبيين فى تعاملهم مع الشرق , حيث دائما اللهث وراء السيطره وسحق أى مبادىء أو افكار تحُد من ذلك أو تُضعفه.

ولكن يرد قطب (من الصعب علىّ أن أتصور كيف يمكن أن نصل إلى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة! إن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل.
نظرة قطب إلى الصراع مختلفة , فهى دائما محكومة بالدين والقيم الاخلاقية , دائما صراع اليوم هو صراع أخلاقى ضد ابناء ميكافيللى , صراع محكوم بمعايير واضحة بحكم العقيدة ليس مُتحررا مُغلف بأقنعة فاسدة مُلوثة من الخطابات السياسية لتبييض يد الاستعمار النجسة من صرع حُكّامها تجاه السيطرة .

وعلى الرغم من اختلاف القرون ما بين هذا وذاك , إلا أن الافكار لا زالت تتحرك نابضة حية تُدير الصراعات الفرعية بين الشرق والغرب , مع الفارق أن الغرب تشرّب أفكار ميكافيللى وتحرك بها وعمل على إنضاجها وتصويب مساراتها , ونحن لا زلنا نلهث وراء أفكار ميكافيللي لنُطبقها، ولكن نُضيف قبلها (بسم الله الرحمن الرحيم ) حتى نُضفى عليها الغطاء الإسلامى وهو منها برىء .

* ما بين التميع والتصلب الأيديولوجي ؟

(الحاكم الحكيم لا يحتفظ بإيمانه عندما يكون ضده ) . هكذا وضح ميكافيللى مبدأه من أمر الأيدولوجية والأفكار بشكل عام , فهو لا يؤمن بمنهج ثابت أو قيم واضحة , فكل ما يُراهن عليه أن القيم التى تجعلك تستحوذ هى الصائبة , الأفكار التى تجعلك تنتصر هى الصحيحة , النسق الأوروبى الخارجى دائما ما يتحرك من نظرية (الاستجابة المرنة ).

 

فالصراع لا يُدار بشكل واحد ولا بفكر واحد , فلا غضاضة أن يكون صديق اليوم عدو الغد , والعكس صحيح , فالصديق هو من اتفقت (المصلحة فى السيطرة ) معه ولو بشكل مؤقت , والعجيب فى أمر التحالفات هو ما حدث فى الحرب العالمية الثانية كمثال حينما اتحدت الشيوعية والرأسمالية (العدوان الكلاسيكيان ) فى صراعهما ضد النازية , وحينما سقطت النازية، بل قُل حينما بدأت النازية فى التفكك النسبى أصبحت الشيوعية العدو الأعظم حتى قبل انتهاء الحرب , وكانت الخطة الشهيرة فى السيطرة على برلين قبل (ستالين ) حتى لا نحمل عار الأجيال القادمة أننا تركنا ألمانيا للشيوعيين كما قال تشرشل.

الغريب حقا , هو هذا الرجل ( قطب ) الذى عاش لأفكاره ومات من أجلها , مُتحديا أعتى الأنظمة على ألا يُعدّل منها شيئا ! فما بالك بتغييرها ! (عندما نعيش لذواتنا فحسب ـ تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهى بانتهآء عمرنا المحدود . أما عندما نعيش لغيرنا أي عندما نعيش لفكرة فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض ! إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة، نربحها حقيقة لا وهما ؛ لأن الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة ). كتاب أفراح الروح .

ترسبت تلك المبادئ إلى عقول من كافح وقاوم النظام داخليا كان أم خارجيا , الصراع ليس صراع على جغرافية المكان , أو السيطرة على موارده ومعادنه وفقط , الصراع لا يقتصر على الاقتصاد والسياسة , الصراع له أكثر من وجه متعدد الأبعاد , تتحكم فى أواصله تلك الأفكار القليلة , من الممكن أن تصل لها من ألف كتاب , وألف مقارنة وتفكيك بين الحضارتين , إلا أن تصور الصراع وتصويره فى رجلين هما من أخطر مُنظري العصور الحديثة والوسطى هو رؤية أكثر إيضاحا للعقل وتمكنا منها.

إلا أن التميع تكمن خطورته فى ترسبات فى أجيالنا المسلمة , حيث نُزع منها الثبات على المبادئ , الإخلاص والتجرد , طُعِمت شعوبُنا معانى التميع فى كل شيء فى الكرامة , الحق وحتى الدين , نُزعت بشكل أكاديمى مدروس واستبدلت بروح ميكافيللي (النسخة المسلمة ) التى شبهت أى تمسك بالتراث تصلب , وأى ثبات على الحق تطرف , نعم قد نختلف مع مفهوم (التصلب ) إن كان ادعاء الحق المطلق لدى بعض التنظيمات , ولكن حتما لن نتفق مع نزع كل ما هو ثابت فى أفكارنا وقيمنا الحاكمة وعوالم أفكارنا المُتحركة من عقيدتنا.

الالتحام مع السلطة أم التمرد عليها ؟

من يتتبع سيرة الفيلسوف الإيطالى , يجده دائما مقربا من الحاكم ينصحه بشتى الطرق الغير أخلاقية لتثبيت حُكمه , ودائما يدعم ميكافيللى وجود دولة حتى لو كانت ظالمة فاسدة مُتجبرة إلا أن الأصل هو عدم الفوضى , وسيطرة الملك على مفاصل السلطة هو الأصل فى استقرار الأمم !
إلا أن الانتصار عند قطب هو للأفكار لا للملوك , للمنهج لا للسلطة , فمن البديهي أن نجد أن الأول دائما مُرافق للحكام والملوك أينما كانوا , والآخر متمرد مُقاوم للسلطة الفاسدة أينما كانت وأينما وُجدت , وهكذا حال الصراع , الشرق المسلم يُحاول التطهر من حكوماته , التمرد على سلطاته الفاسدة.

وفى المقابل تُحاول حكومات الغرب تثبيت دعائم الطغيان فى الشرق أينما كانت طالما كفلت السلطة والقوة وتحقيق مصالح الاستعمار فى الداخل وبشار ليس علينا ببعيد, التمرد هو الحالة التى صنعها قطب ومن سار على شاكلته من شريعتى لغيرهم , وحالة التمرد هنا هى (العودة إلى الفطرة ) وتحريرها من شوائبها الميكافيللية , وتحقيق هدف التوحيد والاستخلاف فى الأرض , فنحن لسنا ماركسين ولا نتشدق بعظماء اليسارية، بل لدينا رصيد ومخزون لا ينتهى من البطولات والملاحم التى تلتحم مع فطرتنا المسلمة , وتتفق مع مفهومنا عن السلطة العادلة الخادمة للمجتمع المُتحركة بالمنهج والعقيدة .

ولكن يبقى السؤال، هل سننتصر ؟

صياغة مفهوم النصر مختلف تمام الاختلاف ما بين الميكافيللية والقطبية , ولنا فى المقالات القادمة استفاضة فى تحرير مصطلح (النصر والتمكين ) , ولكن فى النهاية دعنا نتفق أن ميكافيللى حتما ليس بشيطان رجيم , وقطب ليس بملاكٍ مُحلق. وقد تجلى وبزغ للقارىء ميولنا نحو المنهج القطبي، لا ميول تجنيد، بل ميول إعجاب وانبهار بتلك الأفكار التى ظلت يقظة حية تُواجه أفكار حملت بأعتى وأشرس الآلات والتكنولوجيا , أفكار حاربها حُكامها قبل أن يُحاربها العدو ولازالت تتمرد على حكامها وعلى أعدائها , أفكار تفجرت باستشهاد صاحب الأفكار.

 
أفكار عاشت تتنقل من جيل الى جيل قليلى العدد والعتاد قد عقد النية على ألا يُسلم الراية لأتباع الميكافيللية من الغرب والعرب , تكالبت الحكومات على الأفكار قبل أن تتكالب على حامليها، ولكن تظل الأفكار، ليست فقط حية، بل نقية تفرض على العدو قواعدها لا تتشرب تميعه ودناءته الأخلاقية , بل تسمو بالصراع إلى أفاق راقية وتُعلم من بعدها كيف تكون الفكرة حياة ! والحياة فكرة.

 

رحم الله قطب , وتجاوز عن أخطائه، ورزقنا جزء من إخلاصه وإيمانه بعقيدته وأفكاره , لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد