الأخلاق والوفاء بالوعود

نصح مكيافيللي الحاكم بضرورة التنصل من وعوده وعهوده، وعدم الوفاء بها، وضرب بذلك الأمثلة في أن الحكام الذين خلفوا بوعودهم كانوا أنجح من أولئك الذين التزموا بها، لكنه عدل عن ذلك قليلًا عن طريق أنه ربط الوفاء بالوعد بالظروف التي نشأ فيها هذا الوعد، ففي حالة استمرار الظروف التي وعد فيها الحاكم بوعد ما فلا مشكلة أن يفي بوعده، أما في حال تغير هذا الظروف فقد نصحه بضرورة التنصل من الوفاء بهذا الوعد.

الخداع والحيلة عند ميكافيلي

نصح ميكافيلي الحاكم بضرورة أن يكون مخادعًا ومحتالًا، فهذا أفضل له للاعتماد عليه في مختلف المواقف التي تواجهه، فالبشر بطبيعتهم محتالون، ومخادعون، ويبحثون عن مصالحهم الخاصة، ولكي يستطيع الحاكم استمالتهم يجب عليه أن يتقن فن الخداع، وأن يكون محتالًا أكثر منهم، ولعل هذا التنظير أيضًا يدعم الفكرة الأساسية لنظرة ميكافيلي للأخلاق، والتي سبق وذكرناها، ونذكر كل هذه الأفكار الفرعية للتأكيد على صحتها.

حاشية الحاكم واحتكار الحكمة

رأى ميكافيلي أن حاشية الحاكم أمر مهم وضروري لتدعيم حكمه، ونصح الحاكم بحسن اختيار حاشيته، والاستماع لهم ولآرائهم، لكنه أيضًا نصحه بعدم الانصياع وراء هذه الأفكار، وأن يكون الحكم الأخير هو حكمه؛ حتى يظل الحاكم هو مصدر الحكمة الوحيد في البلاد، لكن ميكافيلي من ناحية أخرى قد نصح الحاكم بالابتعاد عن اختيار النبلاء في حاشيته، وحذره منهم؛ لأنهم يمكن أن يطيحوا به؛ لأنهم سيعرفون الكثير عن الحاكم، وهذا يكسبهم قدرًا كبيرًا من القوة التي قد تشكل خطرًا على الحاكم، وفي هذا أيضًا تأكيد للفكرة الرئيسة للنظرة الميكافيلية للأخلاق.

الرحمة والقسوة عند ميكافيلي

يتوجه ميكافيلي بالنصح إلى الحاكم بأن يكون رحيمًا، لكن ينصحه أيضًا بالاستخدام المقنن لهذه الرحمة، وألا يبالغ فيها حتى لا يفسد حماه وسيطرته على الدولة، وقال إنه لا يوجد أي عيب في أن يكون للأمير سمعة القسوة والصرامة في سبيل تدعيم حكمه، وقد أطلق ميكافيلي أسوأ مكنوناته الفكرية في تنظيره لاستخدام القسوة، إذ إن ميكافيلي قد شرعن المضي في استخدام القسوة لدرجة الوصول إلى حالات الإبادة الجماعية، والتدمير التام للمدن المختلفة، والتصفية البدنية للمعارضين والنبلاء.

خاتمة واستنتاجات

مثلت آراء ميكافيلي نقلة جديدة في علم السياسة حيث إن جرأة ميكافيلي أوضحت بالفعل أن الجانب اللاأخلاقي موجود بالفعل في السياسة، بل تتم الدعوة إليه، واعتباره وسيلة لتحقيق الديمقراطية، والقضاء على الحكم المطلق، وقد اعتمدت المقالة السابقة على تناول معظم الآراء السياسية لميكافيلي لاستجلاء مدى أخلاقية هذه الأفكار، وتوضيح النظرة التي نظرها ميكافيلي للأخلاق، لكن التدقيق في أفكار ميكافيلي يطرح بعض الاستنتاجات والتناقضات التي يجب الوقوف عندها والإشارة إليها:

أولًا: على الرغم من أن غالبية الأفكار التي طرحها ميكافيلي كانت مستندة على أساس الرؤية الميكافيلية المتشائمة للطبيعة الإنسانية والنظرة النفعية لفكرة الأخلاق، إذ إن الحاكم يجب أن يبحث عن أكثر فعل يحقق له أقصى مصلحة بغض النظر عن مدى أخلاقية هذا الفعل فهو يعد مجرد وسيلة لتحقيق الفضيلة التي دعى إليها ميكافيلي، وهي الوحدة السياسية، ولكن من ناحية أخرى نجد أن أفكار ميكافيلي شهدت بصيصًا من النور، حيث إنه على الرغم من شرعنته لاستخدام القسوة التي وصلت إلى حد الإبادات الجماعية، والتدمير التام للمدن، ودعوته إلى الخداع والحيلة واستبعاد النبلاء، والتنصل من الوعود، فإنه قد دعى أيضًا إلى ضرورة قيام الحاكم بالسعي وراء الرضاء الشعبي، وربط استمرار حكمه بمدى رضاء الشعب عنه.

وأكد ميكافيلي على أهمية الديمقراطية، ولا شك أن الديمقراطية تحمل في داخلها أخلاقيات تؤطر شكل الممارسات الديمقراطية، وأيضًا قام بنصيحة الحاكم بعدم المساس بممتلكات الرعية، وهذا التناقض في الأفكار يفتح الباب لاستنتاج مهم هو أن الإنسان – مهما كان – لا يمكنه أن يحمل بداخله شرًا محضًا، أو خيرًا محضًا، فالإنسان عبارة عن مركب من الخير والشر، وإرادة الإنسان الخيرة تتضح في سعيه وراء سبل الخير ومقاومته لجميع سبل الشر، لكن هذا لا ينفي وجود الشر بداخل النفس الإنسانية، حتى وإن حاول إنكار ذلك، وقد عبرت أفكار ميكافيلي عن هذه المسلمة في الطبيعة الإنسانية المركبة.

ثانيًا: غالبية أفكار مفكري عصر النهضة جاءت بمثابة ردة فعل عن أفكار العصور الوسطى وهذا ما يفتح الباب إلى استنتاج أن معظم أفكار مفكري عصر النهضة وعلى رأسهم ميكافيلي جاءت لتدعم الاتجاه الجديد المتمثل في دعم السلطة الزمنية على حساب السلطة الدينية، وهذا ما يبرر المغالاة في الدعوة في هذه الأفكار إلى تدعيم سلطة الحاكم، وإضفاء جميع أشكال الحكمة والقداسة عليها، فضلًا عن أن أفكار السلطة الدينية كانت مستمدة بالأساس من مبادئ الديانة المسيحية السماوية السمحة – حتى وإن كان التزامًا صوريًا – وكان لمجابهة هذه الأفكار يلزم طرح أفكار جديدة تختلف مبادئها ومرجعياتها عن أفكار السلطة الدينية.

ثالثًا: نظر ميكافيلي إلى الأخلاق والقيم باعتبارهما إضافات للقوة، وبذلك كان ميكافيلي يؤكد على نظرته النفعية للأخلاق والقيم، بحيث تهدف كل منها فى النهاية إلى تدعيم سلطته وقوته السياسية.

وعلى أية حال فإن الفكر الميكافيلي، وإن كان قد أثار جدلًا واسعًا قديمًا، فإنه لم يزل محض اختلاف بين المفكرين والباحثين حتى الآن؛ نظرًا لما تركه ميكافيلي وراءه من علامات استفهام أخلاقية حول المقصود بهذه الأفكار، وقد حاولت هذه المقالة تناول معظم الأفكار السياسية التي طرحها ميكافيلي في مؤلفاته وربطها بسياقها التاريخي والمناخ الفكري السائد في هذه الفترة، وما قبلها.

قائمة بالمراجع

حورية توفيق مجاهد، الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، الطبعة السابعة.

منصوري نجوى، أسعيد عليوان، الأخلاق في الفكر المعاصر بين الوضعية والمعيارية، الجزائر، جامعة الأمير للعلوم الإنسانية،2017.

نيقولو ميكافيلى، أكرم مؤمن، الأمير، (القاهرة، مكتبة ابن سينا للطبع والنشر والتوزيع، 2004)

مطارحات ميكافيلي، تعريب خيري حماد، بيروت، المكتب التجاري للتجارة والتوزيع والنشر، 1962

Roberto Ridolfi – The life of Niccolo Machavelli-Routledg- London- Library editions political science -2010

Machiavelli- The prince – The discourses – introduction by Max Lerner- New York – The modern library- 1950.

Phil Harris- Machiavelli and the global copass: End and means in ethics and leadership- Journal of Business Ethics- 2010

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد