عُرف نيكولو ميكيافللي المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي في القرن السادس عشر، (1527-1469)، بكتابه الشهير «الأمير» وعلى ما تضمن في طياته اشتهر، حتى أصبح هذا الاسم مقرونًا بهذا الكتاب، وأصبح في مِخيال العديد من المفكرين باقتصارهم على هذا الأخير في مُدارسة الفكر الفلسفي الميكيافيلي، أن الفيلسوف قد استوفى وبلور فكرهُ ومنهجهُ بِناءً على ما جاء في كتاب «الأمير».

غير أن منهج الاعتماد على كتاب واحد من مؤلفات الفيلسوف ليس سديدًا ولن يَفْردَ سوى دراسة غير دقيقة في تمحيص فكر الفيلسوف.

والإحاطة الإجمالية بفكر الفيلسوف يتضمن الإحاطة الإجمالية لجميع أعماله الفلسفية و الفكرية، ولاسيما كتابه «المطارحات على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتو ليفيو»، وإن كان هذا الأخير لا يرقى لشهرة كتاب «الأمير»، فإنه لا ينقصه قيمةً في محتواه الفلسفي والفكري. ودونما استحضار الظروف التاريخية والاجتماعية والتحولات الكبرى التي عاشتها إيطاليا بشكل خاص، وأوروبا بشكل عام، جعلته أحيانًا كثيرة يسقط في التقلبات الفكرية، ترقى لوصفها «بالمفارقات» الميكيافيلية من جهة، و من جهة أخرى من شأن ذلك أن يسقط الاستنتاجات الفكرية لعديد من المفكرين في استقراءهم لفكر هذا الأخير في تناقضات فكرية متضاربة، في العديد من المواقف الفكرية للفيلسوف «ميكيافللي».

نعود ونقول «كيف يمكن مدارسة الفكر الفلسفي الميكيافيلي إذًا؟ وكيف يمكن للاستقراء التاريخي والتحولات الاجتماعية أن تفسر التقلبات الفكرية لدى الفيلسوف؟

وباعتبار أن المقام لا يسمح بالتوسع، فمن الطبيعي أن أدخل في صميم المناقشة العلمية لأهم الأفكار الواردة في الكتابين، وأقتصر على مفهومين بارزين في الفكر الميكيافيللي المتعلق بالنظام «الأمير» و ما نظَّر له بهذا الخصوص، ثم من جهة أخرى فكرة الجمهورية، بوصفها فكرةً مغايرةً لما جاء بها كتاب «الأمير».

في كتابه «الأمير» صاغ ميكيافللي فكرته المحورية حول ما يجب ويتوجَّب على الأمير الالتزام به، وما ينبغي له تجنبه، في سبيل ضمان استمرارية حكمه و تقويته، حتى يكون سدًّا منيعًا للأعداء في الداخل والخارج المتربصين بيه وبمملكته، وصوَّغ له صورةً أيْ صورة «الأمير» المتشدد المستبد الذي يبرر لكل غايةٍ وسيلة، دون الاعتبار لمعيار الأخلاقي، كمبدأ فصل السياسة عن الأخلاق، و دون الاعتبار لحرية الشعب ما دام ذلك قادرًا على تجنيب «الأمير» الهزيمة والفرط في حكمه.

فيقول «إن النهج الذي يسلكه الناس على أساس بصفة عامة، و الأمراء بصفة خاصة، يمثل في قاعدة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها هي أن الغاية تبرر الوسيلة… ولا بد أن تبدو وسائله في سبيل الغاية مشروعة و نبيلة وجديرة بمدح كل الناس وحماسهم لها، ذلك أن العامة منهم يقتنعون دائمًا بظواهر الأمور…» ثم يضيف بخصوص كون الأمير رحيمًا أو قاسيًا «أن على الأمير أن يكون رحيمًا بشعبه وأن ينبذ القسوة، لكنه في الوقت نفسه شديد القسوة في الظروف التي تحتم على الأمير أن يكون قاسيًا».

وفِي الموازنة بين القوة والذكاء ناصح ميكيافللي الأمير بنظرية الثعلب والأسد، فأكد أن الأمير يجب عليه أن يكون «ثعلبًا ماكرًا لينجو من الفخاخ، وأسدًا قويًّا ليتغلب ويخيف أعداءه».

لكن هذه «النصائح» وغيرها تبقى في مخيالي المكيافيللي تتعلق بما يجب ويتوجب على «الأمير» الالتزام به والتي صاغها في الكتاب يحمل الاسم ذاته. في حين وبالرجوع إلى متن الكتاب «المطاراحات» يعطي فكرةً جوهريةً نقيضةً لما سبق ذكره، وإذ قلنا بأن ميكيافللي ناصح الأمير بكل ما هو ممكن في تثبيت الحكم والملك، لم يكن ذلك إشكالًا بالنسبة لميكيافللي حتى يعود ويدافع عن الجمهورية كأساس لحكم رشيد، وليس بالضرورة الالتزام بكل ما نصح به «الأمير» في «الأمير».

في كتابه «المطارحات» يحاول أن يُبين على نقيض ما سبق، وأهمية الأخلاق الفاضلة كمبدأ سياسة الأخلاقية، والممارسة السياسية بالأخلاق، والمعاملة الحسنة في كسب حب الشعب، وبالتالي تثبيت الحكم، وعلى أهمية الالتزام بالتعاليم الدينية لدى الحاكم، وتجنب كل ما من شأنه الطعن في دينه وفِي دين شعبه من تشويهٍ وخيانةٍ و غدرٍ.

وإذا كان قد أكد ميكيافللي على ضرورة استفراد «الأمير» بالحكم وبمقاليده وذلك ضامن له الاستمرار في الحكم، راجع ليؤكد تأسيس نظام جمهوري حر مبني على العناصر الثلاثة «الشعب»، و«النفوذ»، و«القوة».

في محاولة لتفسير سبب الكائن وراء هذا التغير في المواقف الفكرية لمكيافيللي – وإن كان ذلك لايستثنيه قد وقع للعديد من الفلاسفة منهم من وصل حد القطيعة مع ما سبق في فكرهم – استنادًا إلى المنهج التاريخي في مُدارسة الفكر المكيافللي، حسب ما أورده العديد من الباحثين والمفكرين بهذا الخصوص، يمكن القول إن ما يمكن أن يدفع بالفيلسوف في صياغية المتن الفلسفي الوارد في كتاب «الأمير» يرجع إلى ما عاشته إيطاليا من تشتت وتربص الأعداء «فرنسا»، و«إسبانيا» لغزو إيطاليا.

وفِي هذا السياق يرى الدكتور الطيب بوعزة «أن هناك إمكانية متاحة لفهم نص ميكيافيللي بشرط الرجوع إلى اللحظة الزمنية التي أسس عليها ميكيافيللي نصه»، وهو يقترح مدخلًا لفهم نص ميكيافيللي وهو «تاريخانية النص الميكيافيللي من خلال السياق الزمني والتاريخي الإيطالي، وتعاظم إشكالاتها وإخفاقاتها، فقد كان ميكيافيللي مفكرًا قوميًّا يطمح إلى معالجة الأزمة السياسية الإيطالية المتمثلة في شرذمتها السياسية بتوحيدها في إطار قومي واحد، وهذا الحلم كان مسكونًا في وعي ميكيافيللي، ومن هنا اعتقد ميكيافيللي أن إيجاد هذه الدولة الموحدة القومية يحتاج إلى حاكم قوي، ولهذا قدم نصائح له في «الأمير» لتحقيق الدولة القومية الموحدة القوية. فالاستبداد الذي دعا إليه ميكيافيللي في«الأمير» كان مشروطًا ومؤقتًا حتى تتحقق الدولة القومية، أما في كتابه «المطاراحات» فهو ينظر إلى هذه الدولة بعد أن تتحقق فتكون جمهورية تمتثل لقيم الحرية لا الاستبداد والقهر». انتهى.

ويستخلص من ذلك أن الاستحضار التاريخي لظروف المفكر أو الفيلسوف وملابسات الدائرة به، والأخذ بقاعدة أن «الإنسان ابن بيئته»، وأنه لا يمكن انسلاخه في ظروفه الزمكانية، أمكن أن ينصف ذلك العديد منهم في ما قالوا و«تراجعوا» عنه -إن صح التعبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد