في واحدة من أكبر المفاجآت التي ظهرت في مؤتمر جوجل الأخير هو AutoML ، هذا الأخير هو ذكاء اصطناعي صنعته جوجل، ووظيفته صنع أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى!، حيث يعتمد AutoML على تقنية التعلم العميق (Deep learning ) .

ما هو تعلم الآلة والتعلم العميق؟

قبل التطرق لمفهوم التعلم العميق، سنشرح أولًا ما هو تعلم الآلة: (Machine learning) تخيل أنك تريد أن تقوم بتعليم طفل صغير كيفية التفريق بين القطط والكلاب، فستقوم بجمع صور لقطط وكلاب، وتعطيها له كأمثلة يتعلم منها، ويقوم هو بملاحظة الاختلافات بينها ويستطيع التفرقة بين القطط والكلاب، وعندما تقوم بعرض صورة جديدة عليه سوف يستطيع التمييز هل هو قط أم كلب.

فهل يمكننا تعليم الآلة بنفس الطريقة؟، نعم .

تعليم الآلة واحد من أهم مجالات الذكاء الاصطناعي وهو عبارة عن خوارزميات تعطي الآلة القدرة على التعلم بنفس الطريقة المذكورة أعلاه، عن طريق رؤية أمثلة والتعلم منها، وعن إعطائها مثال جديد سوف تستطيع أن تستخدم ما تعلمته في اتخاذ القرار المناسب بنفسها، وهذه التقنية لديها تطبيقات كثيرة في هندسة البرمجيات، كأنظمة الاقتراحات كما في Netflex، فيقوم الأخير بتعلم ما هي الأفلام التي تعجبك ويقوم باقتراح أفلام عليك لتشاهدها بناء على ما تعلمه من الأمثلة (وهي الأفلام التي أعجبتك)، وأيضًا في شبكات التواصل الاجتماعي وترجمة جوجل.

فالفرق بين تعليم الآلة وتعليم الإنسان، هو أن الإنسان يستطيع تحديد عن يقين تام هل هو يرى صورة قطة أم كلب، أما الآلة فتستطيع التخمين ولكن بدرجة عالية جدًا من الدقة، هل هي تري صورة قطة أم كلب.

فالتعلم العميق واحد من أهم تقنيات تعليم الآلة الذي يركز بشكل أساسي على الخوارزميات التي ألهمتها لنا بنية ووظائف العقل البشري التي تسمى بالشبكات العصبية الاصطناعية، فهي تقوم بالتعامل مع البيانات عن طريق طبقات من الخلايا العصبية الاصطناعية، وبالرغم من أن هذا المجال معقد، إلا أن AutoML امتلك القدرة على صناعة أنظمة ذكاء اصطناعي بالتعلم العميق.

وبعد تجربة AutoML وُجد أنه يستطيع بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أقوى من الأنظمة التي يصنعها مهندسو جوجل!

أيضا هناك أنظمة ذكاء اصطناعي تقوم بتأليف أغان وكتابة قصص، وهنا نتطرق لسؤال هام، هل لدى الآلة القدرة على الإبداع؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لنسأل أولا، ما هو الإبداع؟

الإبداع هو أن تقوم بخلق فكرة جديدة غير روتينية عن طريق الجمع بين فكرتين أو أكثر.

فهل تستطيع الآلة أن تقوم بفعل هذا؟

تطور الآلة من الفكر المقيد للفكر المتحرر.

في الفترة الأخيرة كنا نستخدم الآلات باعتبارها مجرد أدوات لتنفيذ بعض المهام عن طريق كتابة أوامر محددة تقوم الآلة بتنفيذها بالحرف، ولكن هنا الآلة ليس لديها أية قدرة على الخروج عن هذه التعليمات، أي ليس لديها أية قدرة على الإبداع، فاتجه الذكاء الاصطناعي إلى إعطاء قدرة أكبر من تنفيذ الأوامر للآلات،أعطاها القدرة على التعلم، وعلى الاستنتاج المنطقي، ومن هذا تعلمت الآلة كيفية اختلاق شيء جديد، فتعلمت القدرة على دمج خبراتها (ما تعلمته) من أجل تكوين عمل مبدع.

لمسات إبداع الذكاء الاصطناعي

فهناك ذكاء اصطناعي أُدخل 4 أجزاء من قصة هاري بوتر إليه وتعلم من الكاتب كيفية ربط الأفكار ببعضها، ثم قام بناء على ما تعلمه أن يقوم بتأليف جزء إضافي من القصة بأحداث جديدة وغير روتينية ومنطقية، وأيضا يعمل بنفس آلية الذكاء الاصطناعي الذي يقوم بتأليف أغان، و AutoML، تعلمت كيفية صنع أنظمة ذكاء صناعي، وقامت بالدمج بين ما تعلمته لتنتج أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة تفوقت في الكثير منها على الأنظمة التي يصنعها مهندسو جوجل.

ولكن، هل الإبداع فقط في الدمج بين الأفكار؟، هل كل ناتج دمج منطقي غير روتيني لفكرتين أو أكثر هو فكرة جيدة؟، هل هكذا تفوقت الآلة على الإنسان؟

هل تستطيع الآلة أن تصنع فنًا؟

الآلة تستطيع تكوين أفكار جديدة منطقية وغير روتينية، وسرعة تكوينها لهذه الأفكار تفوق سرعة تكوين الإنسان لها، ولكن بالرغم من ذلك، الآلة لم تستطع التفوق على الإنسان، فالآلة لا تستطيع أن تكون مبدعة بشكل كامل، فقط لديها القدرة على الدمج المنطقي غير الروتيني بين ما تعلمته، فإبداع الآلة ينقصه شيء في غاية الأهمية عن إبداع الإنسان، وهو أن الإنسان لديه مشاعر، ولكن الآلة مجرد آلة، ليس لديها أية مشاعر.

فالإنسان يستطيع أن يرتقي من الإبداع إلى الفن، الفن هو قدرة الإنسان على ترجمة المشاعر والصراعات الداخلية له في شكل جمالي تروق له النفس، فهو ليس دمجًا فقط بين الأفكار، بل هو دمج بين المشاعر أيضًا والآلة ليس لديها مشاعر، فبالتالي لا تستطيع أن تخلق الفن، هي تستطيع أن تبدع، تستطيع أن تقوم برسم لوحة مبدعة ومبتكرة، ولكنها لا تستطيع أن تلمس الجانب النفسي لمن يشاهد اللوحة، وكم يستطيع أن يتأثر بأي مشاعر، فمفتاح الفن هو التأثير على من يطلع عليه، فيتأثر قمة التأثر عندما يري أن الفن الذي أمامه يعبر عن مشاعره، فكيف هذا والعمل الفني خال من المشاعر؟

ولكن هل يمكننا أن نخلق في الآلة المشاعر كما استطعنا أن نخلق فيها الإبداع والتعلم والمنطق؟، هل يمكننا أن نعلم الآلة معنى الحب والكره والخير والشر والجمال والقبح؟

إذا كنا نفهم هذه المصطلحات فهمًا كاملًا ودقيقًا، لدرجة أننا نفهم كيف تتكون، وكيف نقوم نحن البشر ببنائها وخلقها، فحينها من الممكن أن تستطيع بناءها داخل الآلة، وبالتالي تستطيع أن تخلق مشاعر بداخلها، وبالتالي تستطيع الآلة أن تصنع فنًا، ولكن هل شيئًا هكذا يسهل تنفيذه وبناؤه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد