في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، خطب رئيس فرنسا في شعبه مصرحًا أن الإسلام يعيش أزمة في كل أنحاء العالم، بالرغم من إقراره بأن الإسلاميين قد بنوا مشروعهم على تراجع الغرب وتخاذله! وبذلك صار السامع لا يدري إن كان الإسلام هو من يواجه أزمة أم العالم؟ تحدى ماكرون بأنه سيتصدى وبلاده للتشدد الإسلامي بتقديم مشروع قانون لمجلس الوزراء بداية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، يفرض رقابة مالية صارمة على المساجد، والجمعيات الإسلامية؛ويرسخ قيم العلمانية في التعليم والحياة العامة، ويمدد حظر الحجاب إلى القطاع الخاص؛ ويتيح للدولة التدخل إذا قدمت السلطات المحلية تنازلات غير مقبولة للمسلمين.

تأتي تصريحات ماكرون مزايدة سياسية واضحة على منافسته مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف محليا، وفي إطار صراع الأحزاب الديمقراطية والجمهورية من أجل الصعود إلى المواقع القيادية عالميا.

في الحقيقة لم أستغرب كلمة واحدة مما صرح به ماكرون، فقد سبقه ماكرون مصر لأضعاف ذلك في دولة تعتبر الشريعة الإسلامية مصدر تشريعاتها، حيث فتح السيسي باب التطاول على الإسلام والمسلمين عبر تصريحاته في أول خطاباته من قلب الأزهر، فاتهم مليار ونصف مسلم بالإرهاب، وبرغبتهم في إبادة بقية سكان الكوكب؛ وطعن في النصوص الإسلامية، ووجه لتجديد الخطاب الديني وفق رؤيته الخاصة؛ ثم عاد وجدد الاتهام في خطابه في احتفاليات المولد النبوي منذ أيام بأن قرر من تلقاء نفسه أن واحدا بالمائة من المسلمين متطرفين إرهابيين أي ما يعادل 15 مليون مسلما! إن كان رئيس دولة مسلمة بحجم مصر يقول هذا، فأي إثبات يحتاجه الآخر أكثر من ذلك لينكل بالمسلمين؟

ما لفت نظري في خطاب ماكرون، هو طرحه مشروع قانون ضد «الانفصال الشعوري»، بهدف مكافحة من اعتبر أنهم يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية؛ فهي عبارة غاية في الدقة تجمل أزمة الآخر عموما مع الإسلام؛ إن نفس هذه الفكرة يعمل سيسي مصر على تطبيقها بدأب منذ اغتصابه السلطة، وأشار إليها عندما تحدث عن عدم قبوله انتماء من يحملون خلفية إسلامية في مؤسسته العسكرية، هذا بالإضافة لتوجيهه بعدم قبولهم في جميع مؤسسات الدولة. إن ماكروني مصر وفرنسا يحكمان على ميل المواطنين القلبي الطبيعي والمنطقي نحو دياناتهم، فينبذونهم ويصمونهم بالإرهاب ويصنعون منهم عدوا يحاربانه، لصالح غرس عقيدتهما، ولحصد مكاسب سياسية.

لتكون فكرتي أوضح، سأعرف مصطلح «العقيدة»: إنها خلاصة ما عقد الإنسان عليه قلبه من المبادئ جازما بها، سواء كانت حقا أم باطلا؛ وسواء كانت دينية أو فكرية؛ إنها ليست أمرا روحانيا يؤثر في وجدان معتنقيه فقط، بل هي دستور حياتي واقعي يفرض قوانينا وأعرافا فردية واجتماعية واقتصادية وسياسية، ويخلق اتصالا شعوريا يشكل روابط قوية بين أفراد الجماعة البشرية التي تنتمي إليها؛ لذلك إذا أرادت قوة ما أن تبسط سيطرتها على منطقة، فعليها أن تفكك عقيدة شعبها وتشكك فيها إلى أن تختفي نقاط اجتماع الأفراد على أسس مشتركة تمثل عناصر قوتهم، وبالتالي تتحلل روابطهم، وهكذا تتمدد هذه القوة لتحل دستورها محل عقيدة هذا الشعب.

إن الحرب على الدين ليست بدعة جديدة استحدثها المدافعون عن الإسلام، بل إنها استراتيجية قديمة تسببت في انقسامات الكنيسة وموجة الإصلاح الديني التي تبعها إعصار حروب أوروبية طاحنة؛ تفككت على إثره المسيحية لأرثوذوكسية وكاثوليكية، ثم انقسمت الأخيرة فأخرجت البروتستانتية، ثم الإنجيلية؛ إلى أن ظهرت العلمانية باعتبارها عقيدة جديدة تصارع طوائف المسيحية الأربعة، كما تحارب الإسلام.

يتهم ماكرون المسلمين الفرنسيين بالانفصال (الشعوري) عن جمهوريتهم، ويستحدث قانونا ليفصلهم (شعوريا) عن مسلمي العالم، بينما يستحل هو مؤازرة أمم أجنبية له ولا يرى في اتصاله بها (شعوريا) أي جرم! إذن فالقضية ليست مسألة مبدأ، وإنما يقتصر الأمر على المسلمين بالذات، وإلا فليطبق القانون المنتظر على اليهود الذين ينتمون شعوريا للكيان الصهيوني!

بإثارة قضية الاندماج القسري للمسلمين، يريد إيمانويل أن يخلق عنوة مسألة إسلامية كالمسألة اليهودية، وخاصة بعد هجرة أعداد كبيرة من المسلمين إلى أوروبا كما حدث مع اليهود حين هاجروا من روسيا وشرق أوروبا لغربها. شبه ماكرون جاليات المسلمين بجيتوهات اليهود المنعزلة؛ وأغفل عامدا طبيعة المسلمين المنفتحة على المجتمعات التي يتواجدون فيها والتي تختلف عن نمط حياة اليهود المنغلقة؛ وأن المسلمين لا يعانون شتاتا حتى وإن اضطرتهم ويلات الحروب لهجرات غير شرعية. ومن المضحكات المبكيات، أن يقابل شيخ أزهر السيسي في مصر تجاوزات الرئيس الفرنسي بالمطالبة بسن قانون يجرم ازدراء مقدسات المسلمين على غرار «الهولوكوست» ليصبح التشبيه مكتمل الأركان!

بعد خطاب ماكرون العنصري ودفاعه عن نشر رسوم مسيئة لنبي المسلمين من باب حرية التعبير، كان من المتوقع أن تحدث موجة عنف بفرنسا، وبالفعل وقعت حادثتين؛صرح إيمانويل فور وصوله مواقع الاعتداءات وقبل البدء في التحقيقات، أن ما يحدث هو «هجوم إسلامي»، كان كلامه واضحا هذه المرة، فهو يعادي 6 ملايين مسلم يعيشون على الأرض الفرنسية.

وردت المعلومات عن الحادثتين عبر وسائل الإعلام المعتمدة على تحقيقات الشرطة الفرنسية التي يديرها نظام فرنسي يعيش حالة هياج مفتعلة، لذا لا يمكن الجزم بأن هذه الجرائم قام بها مسلمون فعلا، أو أنها قد تمت بالشكل الذي صورته وسائل الإعلام؛ فقتل الصبي الشيشاني-مثلا- حين كان يمكن القبض عليه أمر مثير للريبة.

إن حرمة الدماء وعدم ترويع الآمنين من أركان عقيدة المسلم، وإن طبيعته تميل إلى السلام والتعقل، وإن ربط الإسلام والمسلمين بجماعات إرهابية مصنوعة لأغراض سياسية، تم ليكون ذلك ذريعة لاتهامهم في كل مناسبة وابتزازهم والتضييق عليهم أينما حلوا. إن رؤساء يبثون الكراهية والتشنج، ويفرقون بين أبناء الشعب الواحد، ليحصلوا على تفويضات دامية لخوض حروب هوليودية مقدسة من أجل حماية البشرية من المسلمين، يستحقون أن يطاردهم المجتمع الدولي وأنظمتهم كما يفعل بداعش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد