أثارت الخرجة الإعلامية الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الكثير من الجدل، حيث كان من جهة يُنتظر منه أن يقدم حوصلة لسنة من العمل، أمضاها كرئيس للجمهورية الفرنسية، ومن جهة أخرى أن يطمئن الشارع الذي يعرف مؤخرًا احتجاجات كبرى ضد الإصلاحات التي تريدها حكومة – الوزير الأول – إدوار فيليب للمجتمع الفرنسي.

وما كان للإعلام الفرنسي أن يضيع على نفسه فرصة طرح قضية الحجاب على طاولة النقاش، وكأن جل هموم المجتمع الفرنسي قد حلت، ولم تبق إلا قطعة من القماش، ليُجعل منها قضية للأخذ والرد، فعندما سُئل إيمانويل ماكرون: هل ستسمح للأمهات اللواتي يغطين شعورهن بمرافقة أبنائهن في نُزه تنظمها المدرسة الفرنسية، كان جوابه كالتالي: الدولة بطبيعة الحال هي لائكية، لكن المجتمع ليس بلائكي، ولهذا يسمح لأي امرأة أن ترتدي الحجاب في الفضاء العام (…) وأنا أحترم ذلك. لينتقل إلى الجزء الثاني من إجابته قائلًا: لكن قضية الحجاب، هي مسألة مهمة للغاية، فيقاطعه الصحافي الذي كان يدير الحوار بانفعال، معارضًا إياه، لكن هذه العادات المستمدة من الدين الإسلامي، تخل بتوازن مجتمعنا؛ فيرد الرئيس مجددًا: نعم، الحجاب لا يتماشى مع تحضر بلادنا؛ لأنه يميز بين الرجل والمرأة، لهذا لا نفهم نحن هذا الاختلاف، هذه المسافة، هذا الفصل، وهذا ما يعرقل فلسفتنا العميقة وحياتنا المشتركة (…) وأنا كل ما أريد التأكد منه، أن لا تجبر أي امرأة على ارتدائه.

فهل يتنافى هذا الخطاب مع قيم المجتمع الفرنسي المتمثلة في اللائكية ومبدأ الحرية و المساوة؟ أم هو مجرد خطاب سياسي، أراد من خلاله الرئيس الشاب إغراء الجميع؟

الذي يقرأ أو يسمع بتمعن هاته التصريحات المتضاربة، يفهم مباشرة أن هذا الكلام يُراد به استعطاف شريحتين من المجتمع الفرنسي، الشريحة الأولى: تمثل الأغلبية، وهي اليوم تعبّر عن خوفها من كل ما يمت بصلة للإسلام، وترفض قطعا تواجد أي صفة من صفات التدين في جميع المجالات، ما عدا الحياة الشخصية.

الشريحة الثانية: تمثل الأقلية وهي أيضا متخوفة من مستقبلها، حيث ترى بأن حريتها في ممارسة معتقداتها وشعائرها، تُهضم يوما تلوى الآخر، وتواجدها وسط المجتمع الفرنسي الذي هي جزء من كيانه أصبح مهددًا أكثر من أي وقت مضى. هذا ما يوحي أن المجتمع الفرنسي يعيش في السنوات الأخيرة أزمة عميقة، لخصها الصحافي جون جاك بوردان عند مقاطعته للرئيس في عدم التوازن، وأرجع سبب ذلك بدون أي موضوعية، لارتداء المرأة الفرنسية للحجاب.

من المعلوم أن الإبنة الكبرى للكنيسة عانت الكثير عبر تاريخها من همجية الأديان، الشيء الذي دفع مجتمعها وبشكل متطرف، أن يفصل الدين عن الدولة، والدولة عن الدين، وجاء ذلك مع مطلع القرن العشرين تحت لواء قانون اللائكية الذي يضمن للأفراد حرية المعتقد والممارسة، والذي تزامن تقريبًا مع ظهور شعار الجمهورية الفرنسية: حرية، مساواة، أخوة. ومن هنا نتساءل عن مدى فاعلية هذا الشعار لدى الطبقة السياسية؟ إذ إن الرئيس الفرنسي وبطريقة ذكية يناقض مبدأ المساواة حين يقول: أن الحجاب لا يتماشى مع تحضر بلادنا. أي أن المرأة المتحجبة الفرنسية لا تواكب حضارة بلادها، وهي بالتالي ستكون غير متحضرة، وبمعنى آخر لن تكون متساوية مع نظيرتها غير المتحجبة التي هي بدورها تتماشى مع حضارة البلاد، أي يغلب إيمانويل ماكرون كفة الشريحة الأولى على الثانية.

ومن جهة أخرى، بهذا التصريح، يرمي الرئيس الفرنسي الذي يمثل السلطة العلية في البلاد، بشريحة لبأس بها من المجتمع الفرنسي على هامش الحياة بمجالاتها المختلفة، فأين الأخوة؟ وأين الحرية المزعومة عندما تقصى امرأة من المجتمع لمجرد تغطية رأسها؟ أليست اللائكية هي التي تضمن لكل فرد حريته في اللباس والمعتقد وغيره، كما تضعه على قدم المساواة مع أخيه الإنسان، مسيحيًا كان أم بوذيا؟

هي أسئلة تنتظر من المجتمع الفرنسي بطبقاته العديدة والمتعددة إجاباتها، كي يُعالج خلل توازُنه، وحينها سيكون أمام خيارين: إما ان يتصالح هذا المجتمع مع قيمه التي صنعها له التاريخ، وإما أن يتخلى عنها؛ ليتجاوز مرحلة التناقض التي يمر بها. أما عن تلك الخطابات الدبلوماسية المتضاربة التي ينتهجها الرئيس ماكرون لتجعله يمسك العصا من الوسط، ويرضي بذلك جميع أطياف مجتمعه، فلن تزيد وضع المجتمع الفرنسي إلا تأزمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد