من نوادر الزمن أن يخرج علينا رئيس دولة ذات تاريخ استعماري عريق ليلقي بالتهم على الإسلام ويهاجم المسلمين بضراوة شديدة، وكأن المسلمين أصبحوا بعد تصريحات ماكرون في خانة الاتهام ومطالبين بالدفاع عن أنفسهم، وذاك الخبيث الذي يُدعى ماكرون يعلم علم اليقين أن سجل فرنسا حافل بالمجازر الدموية والانتهاكات الوحشية وغير ذلك من نهب ثروات وسرقة موارد وخيرات، ودعم حكومات لا تمتلك الشرعية، ثم يخرج بعد ذلك ليصف الإسلام بأنه دين يعيش أزمة، وكأنه يجب على المسلمين التبرؤ من دينهم أو التنصل منه، ولذلك سوف تكون تلك الكلمات القادمة لتوضح من الذي يعيش أزمة حقيقية؟

بادئ ذي بدء وقف ماكرون كالفارس المغوار الهمام في حفل تأبين المدرس الفرنسي المقتول الذي عرض الصور المسيئة للنبي على طلابه، وقال ماكرون بكل ثقة وجرأة واعتزاز أنه لن يندد الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد، بل كان على مقربة من مقر إلقاء كلمته، تلك الرسوم المسيئة تعلو واجهات المباني الحكومية عبر لافتات تزين المباني بحجم عشرات الأمتار، في استفزاز واضح لمشاعر المسلمين وكبر وغطرسة وخفة عقل من رجل يعتلي عرش دولة تدّعي أنها تمارس الديمقراطية وتطبق قواعدها وتحترم حرية الفكر والرأي والتعبير.

وإذا كان الحديث عن حرية التعبير في فرنسا وبالأخص عن حرية الصحافة، فلندع الأحداث هي التي تخبرنا بما يدور داخل أروقة قصر الإليزيه الفرنسي، ولأترك أحد الصحافيين العاملين في مجال رسم الكاريكاتير سابقًا بمجلة شارلي إيبدو ليحكي لكم بنفسه حجم حدود حرية التعبير في فرنسا.

يقول الصحافي الفرنسي المفصول من الجريدة الفرنسية: «لست تشارلي، أنا سينيه عملت لسنوات مصممًا في مجلة تشارلي إيبدو Charlie-Hebdo، في عام 2009 رسمت رسمًا كاريكاتوريًا يظهر تحول نجل ساركوزي إلى اليهودية لأسباب مالية، طلبت مجلة تشارلي إيبدو أن أعتذر ورفضت، طردتني مجلة Charlie-Hebdo لتهكمي على اليهودية»(1).

نفس الجريدة ونفس الحدث ونفس الواقعة، ولكن حين يكون الأمر متعلقًا بنجل رئيس الدولة، فحينها يجب تقديم الاعتذار وتقديم القرابين، أما حين يتعلق الأمر بنبي الله الذي هو خاتم الأنبياء والذي جاء بدين الإسلام للبشرية كافة، فحينها يقف ماكرون ليدافع عن حرية التعبير!

أي ازدواجية في المعايير أوضح من ذلك وأشد فجاجة في التعامل من تلك التي تقوم بها فرنسا الآن، وأي ديمقراطية تلك التي تسمح بالكيل بعدة مكاييل في واقعة متشابهة تحمل نفس الظروف والملابسات والأحداث؟

مجلة شارلي إيبدو مارست هي الأخرى العهر الصحافي بكل امتياز وضربت بكل قيم المهنية والحيادية ضرب الحائط، فقد كتب رئيس تحريرها ردًا على الغاضبين على الكاريكاتير المسئ للنبي في صحفة الجريدة الأولى: «لن نستسلم أبدًا»، ولكن الجريدة تناست تلك الفضيحة المدوية التي تناولها الإعلام الفرنسي لفترة حين صدر حكم القضاء ضدها لصالح الصحافي الفرنسي المفصول.

فقد برأ القضاء الفرنسي الرسام سينيه بعد عامين من المداولات داخل أروقة المحاكم، وأصدرت المحكمة حكمًا لصالح الرسام وألزمت المجلة بدفع مبلغ 90 ألف يورو تعويضًا عن الفصل التعسفي والإهانات التي تعرض لها والتشهير من قِبَل المجلة!(2)

وبعد هذا الحادث الذي هز فرنسا _ مقتل المدرس الفرنسي الذي عرض صورًا مسيئة للنبي _ توالت عدة وقائع عنف في فرنسا، فلم يدخر ماكرون جهدًا في المسارعة للتعليق عليها واتهام الإسلام بها ووصفها بالهجوم والإرهاب الإسلامي دون انتظار التحقيقات، وبجانب ذلك ظهرت وقائع أخرى تفيد بزيادة وتيرة الهجوم على المسلمين والتضييق عليهم في مساجدهم بفرنسا، بل وأعلن وزير الداخلية الفرنسي إغلاق السلطات 73 مسجدًا ومدرسة خاصة ومحلًا تجاريًا منذ عام 2020، بذريعة «مكافحة الإسلام المتطرف»!(3)

وفي آخر تصريح له قال وزير الداخلية الفرنسي أمام البرلمان الفرنسي إن بلاده أغلقت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من حكم ماكرون 43 مسجدًا، مشيرًا إلى إمكانية إغلاق المساجد «غير المتطرفة» لمدة ستة أشهر، فالرجل قد تفوق على جميع أسلافه السابقين في مسألة غلق المساجد، بل وتفوق على أقرانه من نظرائه في القارة الأوروبية بامتياز.

والمثير للدهشة هنا أن ماكرون لم يكتف بالأحداث التي تقع في بلاده فقط ليستغلها للهجوم على الإسلام وأهله، فذهب يتسول أحداث القارة الأوروبية ليستخدمها كوجبة جاهزة وغنيمة باردة على مائدة الثعالب التي تريد أن تنهش من الإسلام وأهله وتجعل منهم طعامًا شهيًا على تلك المائدة الملوثة بسيل من التزييف والافتراءات والمكر والخداع، وأكبر دليل على ذلك هو أنه بمجرد وقوع حادث اعتداء في قلب العاصمة النمساوية فيينا، خرج ماكرون مذعورًا متقمسًا دور المتحدث باسم القارة الأوروبية ليصرح بعدم التنازل عن أي شيء، وأن فرنسا سوف تقف أمام هذه الاعتداءات بكل قوة.(4)

ماكرون الذي أثار كل هذه الضجة لم يتوقع ردة فعل المسلمين وما يمكن أن يقوموا به تجاه تصريحاته الهوجاء وتصرفاته البلهاء ومواقفه السمجاء، ليتلقى الضربة الفاجعة والهزة الموجعة والحملة الغاضبة على حين غرة من أمره، حملة تنطلق في ربوع البلاد العربية والإسلامية تحث على مقاطعة المنتجات الفرنسية بشكل حاسم وبصورة قاطعة؛ ردًا على الإساءة للنبي محمد وللدين الإسلامي؛ لتخرج بعد انطلاق الحملة بلحظات الخارجية الفرنسية وتترجى دول الشرق الأوسط بعدم مقاطعة منتجاتها، ومع ازدياد التفاعل مع الحملة يخرج ماكرون بغطرسته وكبره على شاشة الجزيرة ليطالب المسلمين بعدم مقاطعة منتجات بلاده!

والدرس الذي يجب أن نخرج به نحن معشر المسلمين من مثل هذه المواقف والأحداث، ألا نستهين بأي ضربة موجعة نستطيع القيام بها تجاه عدونا الذي يزدري ديننا ومقدساتنا ورموزنا الدينية.

وما أريد أن أوضحه في تلك السطور القليلة المتبقية هو كشف القناع عن وجه فرنسا الزائف وإبراز وجهها الحقيقي لكل ذي عقل يبحث عن الحقيقة ويسعى للظفر بخيوطها، ولعلي أفتح ملفًا واحدًا من وسط عدة ملفات سطرت فيها فرنسا حضورها وتركت بصمتها السوداء بارزة في صفحات تاريخ القارة الإفريقية السوداء، التي لطالما سارعت فرنسا في نهب خيراتها وانتزاعها من أيدي أبنائها وسرقتها لصالحها دون مراعاة لأي حقوق أو مواثيق أو قوانين!

فقد ارتكبت فرنسا الكثير من الانتهاكات الحقوقية عبر تاريخها الاحتلالي إبان إنشاء المستعمرات في كافة أرجاء العالم، وخصوصًا القارة الأفريقية التي عاشت مشاهد العبودية والمجازر والتمييز العنصري، وبدأت تلك الدولة سياستها الاستعمارية عام 1524، حيث فرضت سيطرتها على أكثر من عشرين دولة أفريقية، واستمرت في حكم 35% من مساحة القارة لمدة 300 عام.

واستخدمت فرنسا دولًا مثل السنغال وساحل العاج وبنين لسنوات طويلة مركزًا لتجارة العبيد، كما نهبت كافة موارد المنطقة، وبالرغم من وعودها بمنح الاستقلال في حال قبول تلك الدول القتال إلى جانبها بالحروب العالمية، فإنها قابلت الثورات التحررية بالعنف المفرط والقتال، وراح ضحيتها أكثر من مليوني أفريقي، ويقول وزير التعليم الوطني السنغالي السابق المؤرخ إيبا دير ثيام إن بلاده كانت عرضة لانتهاكات حقوق الإنسان على يد فرنسا وباقي الدول الأوروبية إبان مرحلة الاستعمار.(5)

ولعلنا نتناول سبب صعود فرنسا في الملف النووي ونتعرف معًا على سبب هذا الصعود المفاجئ، وإليكم حقيقة الأمر المؤلمة، ففي السابعة من صباح يوم 13 فبراير 1960، انفجرت أول قنبلة ذرية فرنسية في جنوب الصحراء الجزائرية بقاعدة رقان، كانت قوة الانفجار تُعادل أربعة أضعاف قوة انفجار هيروشيما وقد أسسّ ذلك لبروز فرنسا كقوة نووية عالمية.

جعل هذا الانفجار النووي القوي، فرنسا رابع أكبر قوة نووية في العالم، حيث انضمت باريس إلى أصحاب القنبلة الثلاثة الآخرين في ذلك الوقت: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وبريطانيا العظمى.

وكثيرًا ما تنتشر فيديوهات وصور مهاجرين نيجريين غير نظاميين وهم في طريقهم إلى أوروبا التي اختاروا الوصول إليها عبر قوارب الموت سعيًا إلى تحقيق أحلامهم وهربًا من الفقر والأوضاع المعيشية التعيسة، لكن المفارقة أنهم يهربون إلى من نهب أرضهم وثرواتهم، يهربون إلى فرنسا التي تستولي على خيرات بلادهم فيما تغلق أبوابها أمامهم حتى أنها أقامت قواتها العسكرية وباتت واحدة من الدول النووية البارزة على حسابهم، إذ يموت النيجريون بسبب الإشعاعات والمخلفات النووية دون تقديم أي مساعدة لهم، والمفارقة هنا أن بروز فرنسا كقوة نووية عالمية، لم يكن ليكون لولا الدول الأفريقية وعلى رأسها النيجر، التي يخاطر أبناؤها بحياتهم في سبيل الوصول إلى باريس.(6)

هذا هو وجه فرنسا الحقيقي التي تسعى جاهدة لعدم انكشافه وظهوره بدون أقنعة تخفي خلفها الكثير من الحقائق، كما أن الأرشيف الفرنسي في الجزائر وحدها التي وقعت تحت وقع الاحتلال الفرنسي طيلة 132 عامًا، هذا الأرشيف وحده كفيلًا لزعزعة قصر الإيليزيه الفاخر الواقع في أبهى شوارع فرنسا، ولذلك نقول بكل هدوء يا ماكرون: «إللي بيته من زجاج.. ميحدفش غيره بالطوب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد