أظن أنه قد يتفق معي العديد من القراء حول أن موضوع الرسوم المسيئة للرسول (ص) وتعاطي السلطة الرسمية الفرنسية معها قد هيمن على عناوين الأخبار والنقاشات الافتراضية في العالم العربي طوال الأسبوع الماضي. هذا الجدل انطلق مع الخطاب الذي أعلن فيه ماكرون الحرب على ما أسماه «الانفصالية الإسلامية» (واعدًا بتقديم قانون لمكافحتها في شهر ديسمبر القادم) وأشار فيه إلى أن الإسلام يعيش أزمة في كل مكان بالعالم.

بعد هذا الخطاب، بدأت كرة الثلج تتدحرج مع جريمة قتل الأستاذ صامويل باتي على يد طالب ذي أصول شيشانية، وما تبعها من إمعان بعض البلديات الفرنسية في استفزاز المسلمين عبر إعادة نشر تلك الرسوم المسيئة على اللوحات الإشهارية في الميادين العامة، الأمر الذي دفع بمواطني عدة دول عربية وإسلامية إلى الدعوة لمقاطعة المنتجات الفرنسية، ولم تتوقف كرة الثلج هذه عند حادثة نيس الإرهابية، حيث قتل ثلاثة أشخاص في كنيسة نوتردام على يد مهاجر تونسي وصل حديثًا إلى الأراضي الفرنسية.

في حين يرى بعض المتابعين أن السبب الأول لهذه الحرب التي أعلنها ماكرون على ما دأب على تسميته بـ«الإرهاب الإسلامي» و«التطرف الإسلامي»، هو محاولة ساكن الإليزيه الهروب من أزمة وباء كورونا وتداعياتها الاقتصادية، وذلك عبر توجيه دفة النقاش نحو قضايا الهوية والقضايا الثقافية مثل الاندماج، الحجاب، الأكل الحلال.

وأن السبب الثاني، هي الحسابات الانتخابية التي تشغل بال الرئيس الفرنسي، وأن ما يجري هو عبارة عن حملة انتخابية مبكرة يهدف من خلالها ماكرون إلى كسب خزان أصوات اليمين قبل انتخابات 2022 الرئاسية؛ إذ تشير استطلاعات الرأي إلى من سينافسه في الدور الثاني سيكون على الأغلب زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان. هذه الانتخابات تأتي على وقع تآكل رصيد ورأس مال ماكرون السياسي الذي مكنه من الفوز في انتخابات 2017 ويبدو أن إحدى خيارات الرجل لضمان إعادة انتخابه تتمثل في استعطاف ومحاولة كسب ثقة الجمهور اليميني.

لكن القول بأن ماكرون يحاول كسب اليمين منذ الآن هو استنتاج قد يجافي الحقيقة إلى حد ما، لأنه ومنذ توليه منصب الرئاسة، أثبت ماكرون في عدة مناسبات أنه يتبنى رؤى أقرب إلى اليمين منها إلى الوسط، وهو ربما لا يختلف في شيء عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلا في المسائل التي تتعلق بالبيئة، المناخ والتجارة.

هذا التقييم أتى ليدعمه استطلاع رأي أجري قبل حوالي الشهرين من قبل المعهد الفرنسي للرأي العام (إيفوب)، حيث وُضع سلم يتراوح من 0 إلى 10 نقاط (من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين) لتحديد تموقع ماكرون السياسي من قبل المستجيبين. من بين العينة التمثيلية التي تقدر بـ1003 أشخاص، صنف 43% منهم ماكرون في اليمين (من 7 الى 10 على السلم) في حين أن 32% صنفوه في الوسط و16% في اليسار.

طبعًا، ليس من الحرج أو العيب أن يكون المرء متبنيًا لأطروحات اليمين أو حتى اليمين المتطرف، فمحدثكم مؤمن حد النخاع بأن كل التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار لديها حق الوجود في المشهد السياسي، وأن يكون التنافس بينها على قاعدة الديمقراطية وإقناع الناخب. لكن العيب هو أن يسوق شخص ما لنفسه بوصفة شابًا وسطيًّا ليبيراليًّا مناهضًا للعنصرية في حين أن سياساته وخطابه ومصطلحاته لا تختلف في شيء عن اليمين وربما حتى جناحه الراديكالي.

في هذه المقالة، سوف نستطلع كيف مالت أغلب سياسات ماكرون الداخلية والخارجية نحو الأطروحات اليمينية خلال السنوات الماضية، متخذين من الحجة والبرهان وسيلتنا في إثبات ذلك.

السياسة الداخلية: إلى اليمين در

سياسة الهجرة

رغم خلفيته الليبرالية التي قد توحي بأنه يتبنى سياسات متفتحة إزاء الهجرة (سواء الشرعية أو غير الشرعية)، كما هو الحال مع كندا مثلًا، التي يحكمها على المستوى الفيدرالي حزب ليبرالي بقيادة جاستن ترودو. فضل ماكرون المزايدة على اليمين المتطرف في ميدانه، وذلك عبر تبني سياسة أكثر صرامة تجاه المهاجرين عبر سلسلة من إجراءات اتخذتها حكومة إدوارد فيليب قبل عام، والتي كان من أهمها تخصيص حصص معينة لاستقبال المهاجرين النظاميين حسب حاجيات سوق العمل الفرنسي، عدم تمكين المهاجرين واللاجئين من التغطية الصحية إلا بعد 90 يومًا من دخولهم التراب الفرنسي، وكذلك خفض مدة الاستفادة من المساعدات الطبية الحكومية من عام إلى 6 أشهر بالنسبة للمقيمين غير الشرعيين، ولمن رُفضت طلبات لجوئهم.

السياسات الاقتصادية

«اليمين كان يحلم بها، ماكرون قام بها»، هكذا عنونت صحيفة لوفيجارو اليمينية مقالًا لها نشر قبل أكثر من عامين في تعليقها على الإصلاحات الاقتصادية التي أقدم عليها ماكرون في العام الأول من فترته الرئاسية. ففي سبتمبر (أيلول) 2017، وقع الرئيس الفرنسي على قانون العمل الجديد، وهو قانون يهدف إلى «تليين» تنظيم العمل، وضع حد أقصى لتعويضات الصرف، والاستغناء عن النقابات خلال التفاوض في الشركات التي يقل عدد موظفيها عن خمسين موظفًا. بعد ثلاثة أشهر، كان ماكرون على موعد مع إصلاح اقتصادي ثانٍ، لكن هذه المرة على مستوى النظام الضريبي إذ أُعفي الأغنياء الذين تزيد ثروتهم على مليون وثلاثمائة ألف يورو من الضريبة على الأملاك المنقولة كالأسهم والسندات… عن طريق تحويل ضريبة التضامن على الثروة التي كانت تشمل الأملاك المنقولة وغير المنقولة إلى ضريبة على الأملاك غير المنقولة فقط (مثل الأراضي، الفيلات، الشقق..)، مع العلم أن هذا الإجراء الأخير كان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قد عبر سنة 2016 عن ندمه على عدم السير فيه إلى النهاية حين ترأس البلاد.

بعد هذه الإصلاحات التي منحته لقب «رئيس الأثرياء»، كان ماكرون على موعد مع إصلاح اقتصادي جديد في ربيع العام 2018، لكن هذه المرة الإجراء كان يهم الشركة الوطنية للسكك الحديدية التي يعتزم ساكن الإليزيه كسر هيمنتها على السوق عبر فتحه للمنافسة الحرة، وتحويلها إلى شركة مساهمة، وإلغاء الوضع الخاص لعمالها، وهو ما أدخله في مواجهة مع النقابات العمالية التي ترى في هذا الخطوة تمهيدًا لخصخصة الشركة المثقلة بالديون.

اتباع هذه السياسات، جعل البعض يصف برنامج ماكرون لتحرير الاقتصاد الفرنسي بـ«البرنامج التاتشري»؛ نسبة إلى رئيسة الوزراء البريطانية السابقة المحافظة مارجريت تاتشر، التي دخلت هي الأخرى في معركة كسر عظم مع النقابات العمالية عند قيامها بإصلاحات اقتصادية هيكلية، تضمنت خصخصة شركات القطاع العام وقد نجحت «المرأة الحديدية» إلى حد كبير في مسعاها.

سياسة الاندماج والانفصالية الإسلامية

في خطابه الذي أعلن فيه أن «الإسلام يعيش في أزمة في كل أنحاء العالم»، والذي لم يحظ فيه الاهتمام الإعلامي إلا بتلك الكلمات، ربما أهمل بعض المتابعين مضمون مشروع القانون الذي سوف يطرح للتصويت عليه في مرحلة أولى من قبل مجلس الوزراء في شهر ديسمبر (كانون الأول) القادم، وفي مرحلة ثانية من قبل مجلس النواب في ربيع العام القادم، وهو قانون يهدف إلى مقاومة «الانفصالية الإسلامية»، مع العلم أن هذا مصطلح مستعار من قاموس اليمين المتطرف.

هذا القانون المثير للجدل الذي نسج على مقاس المسلمين، تنص بنوده العريضة على تشديد الرقابة على تمويل المساجد والجمعيات الإسلامية، قطع أي صلة لدور العبادة الإسلامية بالدول الأجنبية، مثل إرسال الأئمة والخطباء من الجزائر والمغرب وتركيا إلى مساجد فرنسا، وعدم القبول إلا بالأئمة المدربين هناك ممن يتقنون اللغة الفرنسية ويعرفون قوانين الجمهورية. أكثر من ذلك، مشروع القانون قد يذهب إلى حد التضييق على تعليم اللغة العربية من قبل الجمعيات؛ لأنها قد تمرر أفكارًا تتنافى مع قيم الجمهورية والعلمانية الفرنسية، على حد تعبير مقترحيه، ولهذا يحاول ماكرون في هذا الصدد الدفع نحو تمكين التلاميذ ذوي الأصول العربية من تعلم لغتهم في المدارس الابتدائية والإعدادية الفرنسية.

سياسة خارجية عنوانها مواجهة تركيا والتحالف مع الطغاة

أتوقع أن الكثير منكم يتذكر كيف سطع نجم ماكرون بقوة من بيروت قبل حوالي الشهرين، وذلك لكونه الزعيم الغربي الوحيد الذي زار العاصمة اللبنانية بعد يومين فقط من مأساتها، واحتك بمواطنيها الغاضبين الساخطين على طبقتهم السياسية، وخطب بينهم مقدمًا لهم الوعود بحشد الدعم الدولي من أجل انتشالهم من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي غرقت فيها بلادهم.

أثناء هذه الزيارة، قدم الرئيس الفرنسي تصريحًا ربما لم ينتبه له الكثيرون، وهو تصريح يجسد إلى أي حد صارت تركيا تمثل هاجسًا بالنسبة لحاكم فرنسا، وذلك حينما قال «الموضوع الرئيس لاهتمامنا بلبنان هو الأخوة والمساعدة، فلو لم تلعب فرنسا التي تؤمن بالتعددية في لبنان، وبمصالح شعبها، سيظهر الإيرانيون والسعوديون، والأتراك وقوى أخرى بالمنطقة ممن يتدخلون بشؤون لبنان الداخلية، وبعض من هذه الدول، تعمل ضد الشعب اللبناني من أجل مصالحها الاقتصادية والجيوساسية».

في هذا الإطار، لا يخفى عنكم أن لبنان كان في ما مضى تحت الانتداب الفرنسي، وأن باريس طالما عدت نفسها حامية لمسيحيي الشرق منذ أيام الدولة العثمانية، وهو ما سمح لها بالحفاظ على علاقة خاصة بلبنان حتى عصرنا الحديث، سواء قبل انتهاء الحرب الأهلية في البلاد أو أثناءها أو بعدها.

بعد سنة 2010، عرف الملف اللبناني بعض التراجع في سلم اهتمامات صانع القرار الفرنسي لصالح الملفين السوري والليبي، خاصة في فترة حكم هولاند، لكن بلد الأرز عاد إلى دائرة الضوء من جديد على وقع انفجار بيروت، وهذه المرة من خلال مبادرة سياسية تقدم بها ماكرون، وهي مبادرة تقضي على المدى البعيد بإعادة بناء النظام السياسي اللبناني، وعلى المدى القصير بتشكيل حكومة تكنوقراط تكون أولويتها إجراء الإصلاحات الاقتصادية والمالية العاجلة.

لبنان الذي لم يكن تركيا طرفا في صراعاته طوال العقود الماضية، بات بعض المحللين اليوم يرون أنه قد يتحول إلى ساحة جديدة للتنافس بين تركيا وفرنسا في استنتساخ لما حدث في ليبيا، مع اختلاف السياقات المحلية. تصريحات الطرفين غداة زيارة كبار مسؤوليها إلى بيروت عارضين يد المساعدة الإغاثية والاقتصادية (إعادة بناء المرفأ والمباني المتضررة، الخدمات اللوجيستية..) أتت لتؤكد صحة هذه التوقعات، فبعد تصريح ماكرون الذي أشرنا إليه آنفًا، كان الرد التركي عليه سريعًا ومباشرًا على لسان الرئيس رجب طيب أردوغان حين صرح في خطاب بأن «ما يريده ماكرون وفريقه هو عودة النظام الاستعماري في لبنان».

غير بعيد عن شواطئ لبنان، بلغ التصعيد في شرق المتوسط بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى مستويات غير مسبوقة، وذلك على خلفية الصراع حول التنقيب على المحروقات وترسيم الحدود الاقتصادية البحرية لكل دولة. في إزاء هذا الصراع، اتخذت فرنسا موقفًا هو الأشد بين كل الدول الأوروبية على مستوى دعم اليونان والدعوة إلى موقف أوروبي صلب ضد تركيا بما يشمل حتى فرض العقوبات عليها.

إلى حد الآن، تجلت الخطوات الفرنسية في شرق المتوسط في إرسال سفن عسكرية إلى تلك المنطقة في شهر أغسطس (آب) الماضي، وإجراء تدريبات مشتركة مع اليونانيين بالقرب من جزيرة كريت، وفي إبرام صفقة أسلحة كبيرة مع أثينا تتضمن بيع 18 طائرة مقاتلة من طراز رافال، أربع فرقاطات بحرية وطائرات هيلكوبتر. هذا فيما يتعلق بالشق العسكري للصراع، أما فيما يتعلق بالشق السياسي، قام ماكرون في شهر سبتمبر الماضي بعقد قمة بجزيرة كورسيكا جمعت قادة دول الاتحاد الأوروبي الجنوبية (اليونان، قبرص، إيطاليا، مالطا، فرنسا، إسبانيا والبرتغال) بغرض تقريب وجهات النظر وتوحيد الموقف الأوروبي ضد تركيا على ضوء التطورات في شرق المتوسط.

في سوريا وليبيا، لا تبدو خطوات ماكرون منفصلة عن ما يجري في شرق المتوسط، خاصة بعد أن أقحم الرئيس الفرنسي بلاده في صراع جيواستراتيجي مع تركيا يمتد من القوقاز إلى شمال أفريقيا، وهو يبدو مصممًا على تحجيم دورها المتصاعد في منطقة طالما رأى الفرنسيون أنها حديقتهم الخلفية.

ففي سوريا، تتحالف فرنسا مع قوات سوريا الديمقراطية وعلى وجه التحديد وحدات الحماية الكردية، وذلك في مراهنة من باريس على استعمال الورقة الكردية ضد أنقرة، التي ترى في الوحدات الكردية الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني التي تصنفه تنظيمًا إرهابيًّا. في هذا الإطار، كانت فرنسا من أشد المعارضين لعمليات تركيا العسكرية في شمال سوريا ضد هذا التنظيم، مدعية أنها تقوض جهود الحرب على تنظيم داعش، وقد وصل الأمر بماكرون الى حد وصف حلف الناتو بالميت دماغيًّا بسبب تداعيات عملية نبع السلام التركية قبل عام.

أما في ليبيا، فقد تبنت فرنسا سياسة هي أقرب ما تكون إلى سياسة اللعب على الحبلين؛ وذلك بسبب الهاجس من تركيا بدرجة أولى. فعلى الرغم من اعترافها رسميًّا بحكومة الوفاق الوطني سلطة شرعية وحيدة في ليبيا، فآن باريس اصطفت وراهنت ضمنيًّا على اللواء المتقاعد خليفة حفتر لحسم الحرب هناك سواء من خلال إمداده بالأسلحة (ولو بطرق غير مباشرة)، أو الامتناع عن إدانة جرائمه وهجومه على طرابلس، وذلك في محاولة فرنسية لاستنساخ نموذج ديكتاتور ليبي من جنس أولئك الذين نصبتهم وما تزال في مستعمراتها الأفريقية السابقة.

في ما وراء ليبيا، تتخوف باريس من أن بلد المختار ليس سوى البوابة التي تسعى تركيا من خلالها إلى تعزيز حضورها في القارة السمراء، وهو ما قد يشكل في المستقبل البعيد مصدر تهديد لمصالح فرنسا الاقتصادية والجيوسياسية هناك، سواء تلك المتعلقة باحتكار شركاتها للمشروعات أو لاستغلال ثروات أفريقيا الطبيعية، أو بعلاقاتها الأمنية مع مستعمراتها السابقة.

غض الطرف عن الطغاة

في رهاناته المستقبلية على تعزيز حضور بلاده على المسرح الدولي، لا يبدو أن لدى ماكرون مشكلة في التعامل والتحالف مع طغاة من ذوي السجل الحقوقي الأسود، وهو في هذا المنحى لا يبدو متباينًا عن ترامب الذي يرفع شعار «أمريكا أولًا» ويرفض منح أي بعد حقوقي لسياسته الخارجية بحجة أن الولايات المتحدة لا يجب أن تكون شرطي العالم.

لكن إن كان الأخير يبدو منسجمًا مع نفسه إذ إنه لم يدع يومًا أنه سيكترث لمثل هذه القضايا قبل توليه الحكم، فإن هذا لا ينطبق على ماكرون الذي جعلت منه بعض وسائل الإعلام القائد الموعود للعالم الحر، خاصة في بداية فترته الرئاسية.

فهذا القائد الذي من المفترض أن يحمل راية الدفاع عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان حول العالم، أثبت أنه بعيد كل البعد عن تلك القيم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالديكتاتوريات العربية، حيث لا يجد ماكرون حرجًا في فرش السجاد الأحمر وبيع الأسلحة والامتناع عن انتقاد السجل الحقوقي لأنظمة استبدادية، مثل أنظمة الإمارات والسعودية ومصر وغيرها.

عندما طلب منه انتقاد سوء أوضاع حقوق الإنسان بمصر، حيث يقبع 70 ألف سجين سياسي ومعتقل رأي وراء القضبان، ويموت المئات منهم سنويًّا بسبب الإهمال الطبي، صرح ساكن الإليزيه علنًا بأنه «لا يود إعطاء دروس في حقوق الإنسان لضيفه عبد الفتاح السيسي».

في الآن نفسه، تواصل الإمارات والسعودية تصدر قائمة مشتري السلاح الفرنسي وذلك بالرغم من مشاركتهما المباشرة في الحرب اليمنية وغير المباشرة في الحرب الليبية، وتورطهما في إرتكاب جرائم حرب، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في تلك البلدان. رغم ذلك، بدا ماكرون غير مهتم على الإطلاق بالتقارير الأممية التي تدين نظامي الرياض وأبوظبي، ولم تهمه إلا الأرباح التي سوف تجنيها شركات السلاح الفرنسية قبل كل شيء.

حتى فيما يتعلق بسوريا حيث ارتكبت جرائم مروعة بحق المدنيين من قبل نظام الأسد خلال العقد الماضي، كان ماكرون صاحب المقولة الشهيرة بأن «بشار الأسد عدو الشعب السوري، لكنه ليس عدو فرنسا، عدونا الأول هو داعش»، وهو ما يشير ضمنيًّا إلى احتمال قبول ماكرون التعامل والتفاوض مع هذا الديكتاتور الدموي، وإلى عدم اكتراثه لدماء آلاف الأبرياء التي سفكت طالما أنها ليست دماء فرنسية أو أوروبية، وهو ما يجعله في هذا الجانب متبنيًا مرة أخرى للأطروحات اليمينية الشعبوية التي يدعي مناهضتها.

الذاكرة الاستعمارية

إذا ما انتقلنا إلى مسألة الاعتراف والاعتذار عن الجرائم المرتكبة في مستعمراتها السابقة، سو نجد أن ماكرون لم يحد كثيرًا عن سياسة أسلافه في رفض تقديم أي اعتذار رسمي، وفي الاكتفاء بالتعبير عن الأسف حيال ما حصل من انتهاكات. فرغم تعاونه على مستوى إعادة رفات مقاومين جزائريين، وإقراره بأن الاستعمار الفرنسي للجزائر كان جريمة ضد الإنسانية، وبأن فرنسا أقامت نظامًا للتعذيب أثناء سنوات الحرب، وتقديمه اعتذارًا في هذا الصدد إلى زوجة المناضل الفرنسي الشيوعي موريس أودان، الذي قتل تحت التعذيب سنة 1957، فإن الاعتذار الرسمي لم يشمل بعد الجزائريين.

الرئيس الفرنسي بسلوكه هذا يبدو وكأنه يسير على خطى مقولة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي التي أدلى بها لدى زيارته للجزائر سنة 2007: «أنا مع الاعتراف بالوقائع، وليس مع الندامة. الندامة مفهوم ديني، ولا مكانة لها في العلاقات بين الدول…، لم آت هنا لجرح المشاعر، ولا لطلب الصفح، فتلك أحداث تاريخية، والتاريخ جزء من الماضي. أما الآن، فلنبن المستقبل». نعم ماكرون مستعد للاعتراف بالجرائم والشعور بالأسى عليها، لكنه ليس مستعدًّا لطلب الصفح عنها من الضحايا.

غير بعيد عن الجزائر، وبالتحديد في تونس، كنا في الصيف الفائت على موعد مع لائحة برلمانية تقدم بها ائتلاف الكرامة لمطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائمها الاستعمارية. وبالرغم من أنها لائحة لا قيمة قانونية لها لأنها في آخر المطاف هي ليست بمشروع قانون، فإن فرنسا لعبت دورًا في الكواليس لإجهاضها والضغط من أجل منع إقرارها في مجلس النواب، وهو ما حصل بالفعل. وهذا إن كان يؤكد من أمر، فهو أن فرنسا غير مستعدة لمواجهة ماضيها ولا لتقديم أي تنازل، حتى وإن كان القبول بمجرد لائحة يتيمة في أحد برلمانات مستعمراتها السابقة، ولسان حال كل حكام فرنسا إلى الآن يبدو وكأنه يردد «لننظر إلى الحاضر والمستقبل، ودعنا من نبش الماضي».

مثلما ترون، هكذا كانت سياسات ماكرون الداخلية والخارجية طوال الثلاث سنوات ونصف الماضية، نحن لم نضف كلمة افتراءً عليه ولا اخترعنا قصصًا من وحي خيالنا، بل هي كلها وقائع يمكن لأي حد منكم أن يتأكد منها بنفسه إن أراد تخصيص بعض الوقت للتعمق فيها.

لكن يبقى السؤال الأهم، في محاولاته المستميتة لإرضاء الجمهور اليميني وتحويل دفة النقاش بعيدًا عن القضايا الاقتصادية والمعيشية، هل تكون الحسابات السياسية الخاطئة هي من تقود ماكرون إلى التخلي عن قيمه الليبرالية شيئًا فشيئًا بالتوزاي مع تأجيج معركة هووية ومجتمعية سوف يكون هو أكبر الخاسرين منها، سواء من حيث تقديمه خدمة مجانية لليمين المتطرف، أو أيضًا في فقدانه جزءًا مهمًّا من خزان أصوات الطيف الوسطي الذي أوصله في يوم ما إلى ذلك المنصب الرفيع؟ هذا ما سوف تكشفه لنا الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد