بدا عليه الحذر والاهتمام البالغ بالمصطلحات التي تكلم بها خلال كامل أطوار المقابلة، اكتست بطابع التفسير والتبرير، فيما يبدو أنها محاولة لإنقاذ بلاده من مغبة غضب الشعوب العربية، ليست مقابلة في كرة القدم، إنما هي مقابلة تلفزيونية أجراها الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مع قناة الجزيرة القطرية بعد التصريحات المثيرة للجدل حول الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم.

المقابلة التلفزيونية التي أجراها إمانويل ماكرون مع قناة الجزيرة، ودامت 70 دقيقة حسب تصريح الصحافي الذي أجرى المقابلة للجزيرة قبل بثها، حيث اضطر قسم الإعداد إلى قصها وتقليصها إلى حوالي 50 دقيقة.

كل هذا الوقت الهائل الذي استغرقه الرئيس في حديثه مع الجزيرة إن دل فإنما يدل على توجس ماكرون وخوفه من تبعات المقاطعة الاقتصادية الشعبية التي تم المناداة بها عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، فالرجل ظل يفسر، ويفسر، ويفسر، بإسهاب شديد حتى أنه طلب من الصحافي الذي حاوره أن يطرح جميع الأسئلة بما فيها المحرجة، والتي تصنف على تلك الشاكلة حسب الصحافي نفسه.

الرئيس الفرنسي حرص بشدة على اختيار الوسيلة الإعلامية التي سيخاطب بها كل الشعوب العربية؛ لأنه يعرف جيدًا تأثير قناة الجزيرة وشعبيتها في العالم العربي، حرص الرئيس على اختيار الوسيلة لم يكن أقل أهمية من اختيار مضمون حديثه، فأراد منه أن يكون وثيقة اعتذار غير معلن وبشكل غير مباشر.

حديث ماكرون هذا على قناة الجزيرة جاء بعد موجة غضب شعبية ودعوات واسعة لمقاطعة المنتجات الفرنسية ردًا على الإساءات المتكررة لدين الإسلام ولنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى استنكار مختلف الهيئات الدينية الرسمية في العالم الإسلامي لنشر رسوم تسيء لرسول صلى الله عليه وسلم، على شاكلة هيئة كبار العلماء السعودية، دار الإفتاء الأردنية، والمجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، ومفتي سلطة عمان، هذا فيما تعلق بالشكل وسياق الحديث.

أما من ناحية المضمون فقد ظهر ماكرون مبررًا ومفسرًا لتصريحاته السابقة التي قال فيها إن فرنسا لن تتخلى عن «الرسوم الكاريكاتورية» (المسيئة)، وفسر ذلك بنبرة تدل على التراجع ومحاولة تدارك خطئه، وبرره أنه يقصد أن فرنسا لا تستطيع فرض قوانين تمنع من الإساءة لجميع الديانات لأنه جزء من حرية التعبير كما قال، وفسر ذلك بأن فرنسا دولة علمانية، وأن العلمانية تم تشويه صورتها وتحريف تصريحاته في العالم الإسلامي، وأن الصحف الفرنسية تنشر بشكل متكرر رسومًا لحاخامات يهود، وللكنيسة وغيرها، وأن من واجب فرنسا حماية الصحف وحرية التعبير من الاعتداءات الإرهابية. إن وفرنسا تتمتع بعلاقات طيبة مع مختلف الدول والشعوب الإسلامية.

إن المتمعن في تصريحات ماكرون الاستفزازية قبل أسبوع في نبرة تحد، وتصريحاته بعد مقابلة قناة الجزيرة، لا يخفى عليه التخوف الفرنسي من أزمة اقتصادية قد تصيب فرنسا جراء دعوات المقاطعة في الدول الإسلامية، وأن وضع فرنسا الاقتصادي في ظل وباء كورونا سيئ جدًا، فما بالك بفتح حرب اقتصادية مع الشعوب العربية ستستغلها دول أخرى منافسة لفرنسا اقتصاديًا وتجاريًا كالصين، وتركيا، وروسيا، وبعض دول الخليج.

الكثير يعلم إن فرنسا دون مستعمراتها السابقة سيكون مصيرها الزوال لا محالة، ولا تساوي شيئًا، لأن فرنسا تقوم بسرقة الثروات الباطنية للدول الأفريقية عبر التدخل في شؤونها الداخلية تحت غطاء الديمقراطية لتقوية اقتصادها دون حسيب ولا رقيب، كما أن فرنسا قد شرعت قوانين تجرم معاداة السامية، لكن في الوقت نفسه ترفض سن قوانين تدين الإساءة للرسول والإسلام، وربط الاعتداءات الإرهابية بالدين الإسلامي بشكل مقصود، ترى هل ستساهم مقابلة ماكرون مع قناة الجزيرة في تهدئة الشارع الإسلامي؟ وهل ستنقظ فرنسا من ظرف اقتصادي صعب؟ وهل ستنقظ ماكرون من خسارة الانتخابات المقبلة في فرنسا؟ خاصة أن عدد المسلمين الذين يحق لهم التصويت أصبح عددهم لا يستهان بهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد