فرنسا وبالذات ما بعد الثورة الفرنسية لها مكان الصدارة في الثقافة والعلوم والآداب وعاصمتها باريس هي عاصمة النور والتنوير. وما حدث بالرغم من فداحته وإساءته هو جزء تكرر من قبل في علاقة تأرجح مسارها في التاريخ بين غزل حينًا، وأحيانًا غزوات. وسنتحدث هنا عن الغزل، لا عن الغزوات حتى نفتح أبواب الإعجاب والتسامح والتصالح، وربما الحب أيضًا.
الغزل يصل إلى حد العشق والهيام بالمحبوبة سيدة القصر من عشاقها وخدمها، حيث هي رمز الشياكة والدلع والمُودة في ملابس النساء والرجال التي تخطف الأبصار، كما هي أيضًا رمز الدلال في الفنون، والآداب، والحرية، والتنوير المفتوح بغير قيود. ومن تجليات هذه الأزمة أنها أفرزت مجموعة من الفئات ترتبط كلها بفرنسا أو بأتباعها، وهي فئات بعضها مرئي ومعروف، وبعضها كان مستترًا غير مرئي.

1. الفرانكوفونيون

فرنسا بنجومها ورواد الكتابة، والفكر، والأدب، والفلسفة فيها، يحظون باهتمام النخب لدى فئة من المثقفين الفرانكوفونيين اهتمامًا يتجاوز الشهرة ليصل حد ذوبان العبد في سيدته أو العاشق في المعشوق، ومن ثم فهي الملهم والقدوة والمرجعية العليا. ولذلك تجد المثقف صاحب الرأي المسموع والكلمة النافذة، والضيف المستمر في الندوات الثقافية والفضائيات يدعم حديثه بذكر واحد، أو أكثر من أدبائها ومفكريها، فولتير، وأوجست كونت، وجان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وألبيرت كامو، ورينيه ديكارت، وشاتو بريانو، ولامارتين، وجان جاك روسو، مع تجنب ذكر اثنين فقط من هؤلاء هما: فيكتور هوجو، وروجيه جارودي، لأسباب ليس هنا موضع مناقشتها.

وتتردد أسماء هؤلاء الأعلام على ألسنة المتحدثين تدعيمًا لرؤيتهم كنوع من الدلال الفكري والاستعلاء الثقافي بمناسبة، وأحيانًا بغير مناسبة، وكأنها إظهار لشهادة الصلاحية بأن المتحدث من النخبة، وأنه من فئة المتحررين والتنويريين. وهؤلاء فيما يتصل بالأزمة الحالية لا تعنيهم رسالة، ولا يعنيهم رسول، ولا يؤمنون بمقاطعة، ولا مظاهرة، ويرون الأمر أهون بكثير من غضب، وحماس، الغوغاء. هم أيضًا يرمون خصومهم في الثقافة والانتماء بكل نقيصة، ويرون أن هؤلاء التراثيين والظلاميين أعداء التنوير هم سبب التخلف والجهل.

2. فئة المخذلين والمتخاذلين

من تجليات هذه الأزمة أنها أفرزت مجموعة من المتخاذلين لا يكتفون بخذلان دينهم ونبيهم، وإنما يخذلون أمتهم لأنهم لا يريدون أن تستيقظ لها همة، أو تتحرر لها إرادة، أو يستقل لها قرار، وهؤلاء يجتهدون أن يربطوا كل حركة أو كل سعي في هذا الاتجاه بإذن ولي الأمر، ولا مانع لديهم من السكوت على أي سخرية برسولهم أو إهانة واتهام لدينهم أو حتى إعلان وفاة الأمة بكاملها ما دام ولي الأمر طويل العمر فخامته وسموه في عافية وأمان، وهؤلاء «كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ» لأنهم «لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ»[1].

3. «الذباب الإلكتروني»

وهي فئة مستأجرة تمارس نشاطها في السوشيال ميديا بأسماء وهمية وتعمل وفق أجندة من جندوهم، وهؤلاء كان وضعهم عجبًا حيث مهمتهم الأولى تشترك مع الفئة السابقة في تخذيل الأمة عن نصرة دينها ونبيها، وتصوير إرادتها بأنها أقل من أن تفعل شيئًا، وحتى لو قاطعت وامتنعت فسيكون امتناعها عن السلع البسيطة التي لا تؤثر ولا تشكل ضغطًا على الفرنسيين.

4. «فئة المطبلين وأصحاب الصاجات»

وفيهم إعلاميون ومحللون ومحرمون وهم تبع لأعداء الربيع العربي في القنوات المملوكة لأشخاص ودول بعينها، وهؤلاء دائما في الجانب الآخر من قضايا أمتهم ودينها وقيمها.
الفئة الأخيرة مبالغة منها في خدمة سادتها وإمعانا منها في المكايدة السياسية وطمعا في تأليب دول الغرب وتخويفها من خطر التيار الإسلامي ادعت وأشاعت في محاولة يائسة بائسة من محاولات الوقيعة بين قيادات الغرب والتيار الإسلامي أن غضبة الأمة لنصرة دينها ونبيها من تدبير الإخوان المسلمين فنسبت إليهم شرفًا لم يدعوه، وبذلك أثارت السخرية والغثيان معًا، حيث اتضح أن صاحب حانة في المغرب ونظيرًا له في المهنة يسكن جرز الباهاما أيضًا امتنعا عن بيع الخمور الفرنسية استجابة لتدبير الإخوان! ولولا أنها ستكون واسعة بغير حدود لقالوا عمن نصروا رسول الله ﷺ في تلك الأزمة انحازوا له وقاطعوا البضائع الفرنسية من أجله لأنه ﷺ إخوان.

البعض نظر إلى سطح محيط العالم الإسلامي فوجدوه هادئًا لا أمواج فيه ولا عواصف، فظنوا أن الأمة تحت النهب المستمر، والظلم المستمر، والاستبداد والقهر المستمر، قد أصابها الكبر ولها ذرية ضعفاء، وقد شلت إرادتهم فذابوا في سلطان الحكم المطلق، ونسوا دورهم وتاريخهم ورسالتهم، ووهنت قواهم، وانحسر رباطهم بدينهم ونبيهم، فلا ضير من التجاوز معهم في أغلى وأعز ما يملكون ولا مانع من التجربة.

فجاءت تصريحات – فخامة الرئيس – ماكرون فحركت بعض الأعماق فهبت رياح عاصفة دفعها وجدان مليار وسبعمائة مليون مسلم مملوء ومترع بحب نبيهم ﷺ غضبة شعوب الأمة تجاوزت بعض قادتها حين مست كلمات السوء شخصية نبيهم العظيم ﷺ، وبعض الزعامات أدركت بذكاء سياسي سباق في بداية الأزمة أن الأمر جد لا هزل، وأن إرادة الأمة لا يمكن أن تكبت أو تصادر، فسارعت بالتماهي مع إرادة شعبها، وبادرت بالمواقف المشرفة، وبعض الزعامات سكتت سكوت البكر، لكن هبة الشعوب فضحت صمتها وتخاذلها، وأدركت الزعامات الصامتة المتخاذلة أنها انفصلت عن شعوبها، وأن شرعيتها على المحك، وأن فضيحتها بجلاجل، فصدرت تصريحات خجلى، ولعلها استأذنت ماكرون قبل خروجها إلى الإعلام لتصرح في استحياء بالحض على عدم المساس بالمقدسات! وفي نفس الوقت بإدانة التطرف رعاية للعيون الخضر والشفاه الباسمة.

ربما لا يعرف فخامة الرئيس أن شعوبنا المسلمة ليسوا فرانكو فونيين، ولكنا نحب فرنسا. نحب البرفانات ذات التأثير الخلاب الذي ينعش الأجواء، ويرطب المجالس الجافة، ويحرك مشاعر الحب ويجذب الأنوف والأنوثة معًا. نحب سيارات البيجو، وبوجاتي ورينو والستروين. ونحب فولتير كما نحب ابن سينا، ونقرأ لفيكتور هوجو، وروجيه جارودي، وشاتو بريانو، وأوجست كونت، وجان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وألبيرت كامو، وديكارت. ونستمتع بروائع لامارتين في قصائده، وجان جاك روسو كما نحب أمير الشعراء شوقي، والعقاد، والرافعي، وابن خلدون. لكن محمدًا ﷺ بالنسبة لنا هو الحب كله، والعدل كله، والخُلُقُ كله، والصدق كله، والطهر كله ونحن قد أمنا به ولم نره، وصدقناه ولم نلتق به، وأحببناه ملء قلوبنا وحياتنا ولم نعش معه، ولم نجاوره في المسكن، أو نرافقه في سفر، ومع ذلك فهو وحده من ينفرد بعرش قلوبنا، ونفتديه بأمهاتنا وآبائنا، بل بحياتنا كلها، وحاجتنا إليه كحاجتك – يا فخامة الرئيس- إلى الهواء لتتنفس، وكحاجتك إلى الروح لتعيش. وهو ﷺ حي في قلوب كل المؤمنين به على وجه الأرض، حي بقيمه، حي فيهم بكتابه وسنته الطاهرة، وسيرته الشريفة، حي بمنهجه في قلوب وعقول المليار وسبعمائة مليون مسلم – وإن لم يطبقوه. هل تتصور يا فخامة الرئيس؟ فمن فضلك يا فخامة الرئيس لا تكررها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد