العائد إلى مؤلفات الفلاسفة والمفكرين كالعائد إلى منبع الخير ومصدر الفوائد، صحيح أن الكثير من هذه الأسطر التي نراها تركة «جليلة»، لها ظروفها وشروطها التي كتبت بها وفيها، لكنها تعد كنوزًا من التجارب، هي قادرة على صياغة الحاضر واستشراف المستقبل كذلك، لو أنها قدّرت حق القدر، وجرى التعامل معها تعاملًا فعّالًا أيضًا.

من هؤلاء المفكرين نجد على سبيل المثال لا الحصر، المفكر والفيلسوف السويسري: جان جاك روسو (1712-1778)، ورغم حياته المتذبذبة، بين الفقر واليسر، بين الحرية والارتباطات الاجتماعية، بين العلم والجهل، فإنه تمكن من تخليد اسمه في تاريخ التفكير بوصفه مفكّرًا ملهَمًا وملهِمًا للكثير من التيارات الفكرية الفلسفية، خاصة في مجالات التربية والتعليم، ومجالات الحركة الاجتماعية وأصول الاجتماع البشري، أو التنظيرات السياسية المختلفة، إذ تبقى أفكاره بمثابة الكنز الاستراتيجي لكل جيل طامح نحو بناء مجتمع ثقافي متوازن.

من اللحظات المهمة في حياة روسو هي تلك المسابقة التي أقامتها أكاديمية ديجون سنة 1749، وقد أطلِقت المنافسة لكافة الراغبين في البحث ضمن موضوع سؤال: هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق أم إلى إصلاحها؟ طبعًا تلقف روسو السؤال مقررًا الاشتراك في هذه المسابقة، عاقدًا العزم على إثبات أن الفنون عبر تقدمها موازاة مع العلوم هي منبع بلاء البشر، وهي السبب الرئيسي في اضمحلال الأخلاق وانحلالها، إذ قاده عمله الفكري هذا نحو الفوز بجائزة المسابقة عن جدارة، وبروز اسمه بين المفكرين الباريسيين آنذاك.

يقول روسو: «العلوم والفنون أفسدت الأخلاق، وأوجبت شقاء الإنسان، فالترف والحضارة من نتائج العلوم والفنون، وهما علّة فساد الأخلاق». (جون جاك روسو، العقد الاجتماعي، دار تلانتقيت- بجاية، 2018، ص: 11)

يرافع روسو مرتديًا عباءة المحامي للدفاع عن فكرة أن الحالة الطبيعية للإنسان هي الأمثل في الحياة، وبتسرب مظاهر الفنون إليها، جعلها هذا تتحوّل من صورتها الهادئة إلى صورتها الباذخة، وهذا بدوره قد عزز ثقة الإنسان بعمقه، مكرسًا له وهم أنه قادر على تسيير العالم حسب هواه، ضاربًا كافة القوانين الوجودية في هذا الكون في مقتل، مما جعله يوسع دائرة غروره، ويندفع دون دراية منه باتجاه مزيد من فقر وقهر الضعفاء، مما يجعل التوازن الاجتماعي يختل، فتسود الرذائل بين كافة فئات المجتمع الواحد.

يعتبر روسو العلوم الأدوات التي تؤسس التجسيد الفعلي لكافة مظاهر الطغيان الناتج من حب الشهوات والانسياق باتجاهها؛ لأنها تعد الوسائل الواقعية التي تساعد الإنسان على فقدان إنسانيته.

لقد عاش روسو مراهقة مضطربة باضطراب حياته القاسية في صغره، قادته هذه الظروف نحو منزل «مَدَام دُوفَارِنْز»، تلك المرأة التي وفرت له الملجأ والحضن الدافئ على فترات، وهنا عاش التناقضات بوضوح، إذ كان يفقد حريته عندما كان يرتبط روحيًّا واجتماعيًّا بهذه السيدة حينًا، وكان يجافيها عبر فراقه لها فيكسب حريته العتيقة، لكنه يفتقد رغد العيش الذي كانت توفره له هذه السيدة النبيلة أحيانًا أخرى، إلى أن عاد ذات يوم، فوجد قلبها قد تعلق برجل آخر.

مع مَدَام دُوفَارِنْز تعلم روسو الاستقرار الاجتماعي، وتعرف إلى ما تجلبه الفنون والعلوم من بذخ، لأن مدينة «أنسي» سنة 1729 كانت منبعًا حضاريًّا بامتياز على مستوى أوروبا كلها، وخلال هذه الفترة، أدرك روسو مدى سطوة الفنون والأدوات التي تنتجها العلوم على اختلافها وهيمنتها على سلوك الإنسان، ومدى سحرها الذي كان وما يزال يوجه الإنسان نحو نبذ الجمود التلقيني الذي تقوم عليها المبادئ الأخلاقية الجافة؛ لولا مَدَام دُوفَارِنْز لما فاز روسو بتلك الجائزة، لأنها هي سبب نقله من الشارع القاسي المنحط، إلى فضاء الثقافة ومنتجات فنون ذاك العصر.

ما يزال صراع الفنون/ العلوم مستحوذًا على الساحة العالمية حتى يومنا هذا، إذ إننا لو افترضنا أن فيسبوك نتيجة لعلوم كثيرة متداخلة مع الفنون المعاصرة، هو نتيجة علوم الكهرباء، وعلوم الرياضيات من خوارزميات معقدة، إضافة لعلوم انصهار المواد من خيمياء، إلى علوم الفيزياء، كلها اصطلح عليها بعلم الصبرنة، واعتمادًا على علوم التصميم من الجرافيك وغيره، كل هذا الخليط العلمي وبالتحالف مع حاجة الإنسان إلى التنفيس عن نفسه، تلك التي حوصرت بضغوط هائلة نتيجة لتسارع الأحداث، والرغبة في التفاخر أمام أكبر عدد من البشر بمظاهر المعيش الفخم، أنتج لنا مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك!

يمكننا أن نصنف فيسبوك من مكتسبات السيدة دُوفَارِنْز المعاصرة، لكنه وبالمقابل سهّل انتشار الأفكار المتطرفة، تلك الأفكار التي تعلمها روسو من شوارع جنيف، وتخلى عنها في بيت مَدَام دُوفَارِنْز، لقد أعادت مواقع التواصل الاجتماعي إشكالية الأخلاق إلى السطح، وأنشأت حوارًا محتدمًا عن جدوى تلقين الأجيال المبادئ الأخلاقية في المؤسسات التعليمية التقليدية من مدارس وجامعات، بينما كل طفل من أبنائنا يحمل هاتفًا نقالًا في جيبه، يستطيع من خلاله الدخول إلى فيسبوك، هذا الموقع الذي له القدرة على محو كافة الدروس اليومية التي تلقاها هذا المستخدم القاصر بكبسة زر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد