تعلو أصوات المصريين في أوقات متعددة، بداية بالمظاهرات، ومرورًا بالمناقشات الحادة، ووصولاً إلى مناداة الباعة الجائلين هاتفين مدحًا في بضاعتهم. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فوجئنا بذلك الفيديو الذي بثته الجماعات الإرهابية لعملياتها في سيناء، ولكن ما كان مفاجأة أكبر هو التأييد الواسع والعريض الذي تلاقيه داعش في عقول كثير من المصريين باختلاف وعيهم وسنهم، فتجد منهم الشاب المتحمس، والشيخ فاقد الأمل، وتجد الشاب المهندس، والكهل العاطل عن العمل.

 

ولكن هنا يجب أن نتساءل: متى تسلل ذلك الفكر التكفيري إلى أذهان ذلك الشعب الذي يطلق عليه “متدين بطبعه”؟ وكيف يتسلل ومصر بها جامعة الأزهر رمز الوسطية، أو كما يحب مرتادوها أن يسموها؟ يتتبع المصريون في حكمهم على جماعة ما استراتيجية متفردة، وهي أن نسأل أولاً من صنعها؟ من يمولها؟ من يؤيدها؟ من يعارضها؟ وبالإجابة على هذه الأسئلة الأربعة يكون الحكم عليها. تتميز تلك الاستراتيجية بخصائص عدة، أهمها أنها لا تحمل المصريين عناء تتبع أفعال تلك الجماعة للحكم عليها فسؤال ماذا تفعل؟ غير مطروح، ولا يهم في تكوين وجهة نظر أو الحكم على جماعة ما.

 

بالإضافة إلى ان تلك الاستراتيجية مطلقة ومعروفة وشائعة بين أغلب المصريين، فإن كانت هذه الجماعة صناعة أمريكية بتمويل أمريكي وأمريكا تعارضها؛ فهي ولا بد جماعة معادية، وهنا نكتشف الميزة الأهم في تلك الاستراتيجية، وهي أنها لا تخضع للمنطق، وهزلية، وغير محايدة، وللكبار فقط؛ حيث يصعب على الصغار معرفة إجابات الأسئلة الأربعة، وغير موضوعية. ولأن تلك الكلمات تذكرنا ببرنامج باسم يوسف الممول من أمريكا والمصنوع في أمريكا والمؤيد من أمريكا نكتشف سبب انتشار تلك الاستراتيجية، ولماذا تحظى بهذا الكم من القبول لدى الشعب المصري.

 

من صنع داعش؟ يأتي هنا دور الصوت العالي، فكل واحد يريد أن يفرض رأيه فنسمع إجابات مثل: أمريكا، إيران، إسرائيل، ولأننا نؤمن بالرأسمالية نجد إجابات توضح اتحاد الدول المصنعة مثل: صناعة صهيو أمريكية، صناعة مشتركة بين إسرائيل وقطر. ولكن لماذا لم يتبادر إلى ذهن أحد أن داعش صنع في الصين؟ أم أن الصين متخصصة في فوانيس رمضان؟

 

من يمول داعش؟ هنا نكتشف المصري الفيلسوف حيث تجد أشخاصًا يجيبون بكل ثقة: أمريكا هي التي تمولهم لكي تحافظ على رواج سوق السلاح، وتجد آخر يدعي أن تركيا هي التي تمولها لسبب آخر، وإذا تمادينا في تلقي الإجابات سنكتشف أن عم عبده المكوجي هو الذي يمول داعش.

 

من يؤيد داعش؟ هنا يشكو المنطق لأنه يجد إجابات تخبرنا أن دولاً بعينها تؤيد داعش، في حين أن هذه الدول مشتركة في تحالف محاربة داعش، وهنا يظهر عقل أجاثا كريستي الذي يؤكد أن هذه الدول مندسة في هذا التحالف لتضمن لنفسها غطاءً، ولتضمن فشل التحالف عن طريق شن هجمات خاطئة. من يعارض داعش؟ هنا ينتحر المنطق إذ تجد أن دولاً ذكر اسمها في الدول المؤيدة لداعش تعاود الظهور كدول معارضة لداعش.

 

نموذج لطريقة الحكم: داعش صناعة أمريكة وأمريكا تمدها بالسلاح وتؤيدها، وأمريكا هي التي تقود هجمات تحالف محاربة داعش، وأمريكا دولة معادية لمصر وتحيك لها المؤامرات، وترسل إليها مساعدات عسكرية. إذن أنا أؤيد داعش.

 

أما الإجابة على السؤال الأول، وهو كيف تسلل ذلك الفكر إلى عقول المصريين فإجابته غاية في البساطة:

– عندما تخاذل الأزهر وتكاسل عن تبني موقف سليم، فضلاً عن أنه يتكاسل عن تبليغ منهجه والدعوة إليه أيًّا كان.
– عندما تخاذل القائمون على التعليم عن دورهم في تطوير المناهج، والحد من ظاهرة الانفلات الأخلاقي.
– عندما تخاذل القائمون على الصناعة عن الصناعة، وأصبحت كل السلع مكتوبًا عليها صنع في الصين.

 

ولأن داعش تقوم على مجموعة من الأفكار، ولأن الأفكار أصبحت سلعًا في ظل الرأسمالية، ولأن النظام الرأسمالي يتيح لأي جهة أن تنتج السلعة التي تريد وتطرحها في الأسواق لتنافس السلع المماثلة. نجد أن دعاية مثل “هيا أخرج الطاقة المكبوتة لديك. انضم إلى محاربي الدولة الإسلامية وستحصل على الآتي: كورسات وتدريبات قتالية، جزء من غنائم الانتصار، جوارٍ وغلمان، رؤوس مقطوعة تزين بها خيمتك. أما المفاجأة الكبرى هي: نل الشهادة ولك الجنة” تلقى قبولاً واسعًا.

 

متى نفيق من غفلتنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد