«صنع في مصر»، هذا ليس مجرد شعار، ولكن دعوة للاعتماد على الذات، وليس للاكتفاء الذاتي، فهل هناك فرق بين الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتي؟!
هناك مفهوم خاطئ باعتقاد البعض أن الاكتفاء الذاتي هو دعوة الاعتماد على الذات، فالاكتفاء الذاتي غير ممكن، فعند إلقاء نظرة سريعة على العالم، لا توجد دولة تتوافر فيها كل الموارد الاقتصادية اللازمة لاكتفاء الدولة ذاتيًّا، أو حتى القارات، فإنها تفتقد الكثير من الموارد التي تحتاجها من الخارج؛ فالصناعات الحديثة توضح أهمية الأسواق الكبيرة وليس مجرد سوق صغيرة.

فلو نظرنا إلى مصر عند الدعوة للاكتفاء الذاتي ستكون أشبه بدعوة للحياة البدائية. ليس لصغر سوقها، أو لعدم توافر الموارد، لكن الاعتبار الأساسي هو التقدم الفني والتكنولوجيا، وأي دولة تحرم نفسها من هذا المورد الحيوي، تحكم على نفسها بالتخلف الاقتصادي، وبالتالي ضعف حريتها السياسية لضعفها الاقتصادي والعسكري.

فالاكتفاء الذاتي أمر غير وارد، ولكن الاعتماد على الذات أمر ضروري، ولا غنى عنه؛ بمعنى أن الدولة تعيش في حدود مواردها الذاتية، بمعنى أكثر تبسيطًا أن تستطيع أن تمول وراداتها من الخارج عن طريق صادراتها.
فالدعوة للاعتماد على الذات هي أيضًا دعوة لزيادة الصادرات.

استراتيجية التصدير ليست مجرد علاج لمشاكل ميزان المدفوعات، ولكنها اختبار لاستراتيجية متكاملة للتنمية الاقتصادية في عالم مترابط. بمعنى أن السلع والخدمات المصدرة تتطلب قدرة عالية على المنافسة العالمية من جانب وهو: أساس الكفاءة الاقتصادية، ومن هذا الجانب لا يوجد استراتيجية تصدير، ولكن استراتيجية كاملة، التصنيع، والإنتاج الكفء، والنجاح؛ وبالتالي تؤدي القدرة على فتح آفاق جديدة للتصدير وانتقاء عدد محدود من فروع الإنتاج، يمكن أن تنجح فيها بميزة نسبية.
استراتيجية التصدير سياسة طويلة الأمد، وليست إجراءات سريعة لعلاج عجز ميزان المدفوعات. بمعنى أنه يمكن تحقيقها في وقت قصير، ولكن تحتاج مدى طويل لتظهر نتائجها، وهذا لأنها تتطلب تعديل هيكل الإنتاج وتحقيق الكفاءة الاقتصادية، وهذه الأمور «لا تتحقق بين يوم وليلة».

استراتيجية التصدير مترابطة ارتباطًا قويًّا مع الاقتصاد الخارجي، فالتعامل مع العالم الخارجي ليس مجرد تعاملات سياسية، ولكنه يتطلب التعامل مع حقائق تكنولوجية، بمعنى أنها ترتبط كثيرًا مع الشركات متعددة الجنسيات.
ففي الواقع عند اختيار عدد من أنواع الإنتاج يعني اختيار المؤسسات التي تريد الدولة التعامل معها، والتي يوجد بها الأسواق التي تستطيع تصريف هذه المنتجات.

لا يمكن وضع استراتيجية تصدير واضحة فقط والانتظار لحين نجاحها، يجب استكمالها بالعديد من السياسات والإجراءات المكملة، سواء كانت سياسات اقتصادية «أسعار الصرف، تمويل مناسب، حوافز للتصدير، إعفاءات ضريبية»، أم سياسات توعية «تسويق، إعلام»، أم سياسات خارجية «معاملة تفضيلية لدولة معينة أو مناطق ذات حيوية»، أم سياسات استثمارية «بنية أساسية لازمة للتصدير، صناعات جديدة للتصدير»، أم سياسات تعليمية «مراكز تدريب»، يجب أن تكون هذه السياسات متناسقة ومتكاملة، بالإضافة للرعاية والاهتمام.

فمن الطبيعى أن مصر تنتقي الاستراتيجيات التي تريدها مع مراعاة عوامل الضعف والقوة بالنسبة لها، بالإضافة إلى ثقلها وموقعها الجغرافي، ودورها السياسي، ومواردها المتاحة، وقدراتها على التطوير التكنولوجي.

فاستراتيجية التصدير ليست عملية بهذه البساطة، ولكنها تخطيط على قدر عالٍ من الصعوبة المندمجة مع المهارة والحرفية؛ لأنه تخطيط فى إطار العلاقات الدولية المتغيرة باستمرار، وليس تخطيطًا في إطار اقتصاد محلي مغلق.

ومن أنجح التجارب هي التجربة اليابانية في أوائل الخمسينات، عندما اهتمت بالصناعات الإلكترونية، وقبل أن ينتبه إليها العديد من الدول الأخرى.

وأخيرًا فالتصدير ليس مجرد وضع سياسات أو تخطيط، ولكنه من الدرجة الأولى توفير للموارد المالية اللازمة المناسبة لتحمل التضحيات المناسبة. والتصدير ليس مجرد نزهة، ولكنه اختيار رئيسي، وككل اختيار يلزمه الكثير الأعباء على الاستهلاك المحلي لصالح التصدير. فبدونهم سيصبح التصدير شعارًا مثله مثل باقي الشعارات، سيختفي في طي النسيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد