مر شهر على قرار ترامب وأعرف الآن أنني لا أطمع في شيء ولا أخاف من شيء، وها قد تخلصت من أفكاري ومن عواطفي وصعدت إلى الحرية والتحرر، بوحشية سأقوم وأغامر لقد تخلدت القدس كحق البقاء فينا، تتعايش بنا وتشكل سيمفونية روحانية، هكذا هي حالة الفلسطينيين نحو التمرد تجاه الحاصل.

ولكن ماذا لو كنا عارين من الأفكار والعقلانية وتركناها على زاوية أخرى لوهلة فقط، ونتكلم عن الجمال والتقارب إليه في مدينة يجتاحها مصفوفات الجماليات، وكم كنا نرى السعادة في صور لأوراق تُكتب فيها أسماؤنا ويحملها شوق القدس لنا، وكم مصور تمنى التقاط أنفاس آلته التصورية لها، وكم من مصمم جسد روح جمال المدينة في عمله، وكم من كاتب أرهص كتاباته وزينها بها، وكم من قائد حاول عنونة اسمه بها، وكم من فقير خيّالٍ سرح وتأمل في حمايتها، وكم من مثقف نقد تصوراته وقابلها بإيمان، وكم من مؤرخ ربط لسانه صونًا لها! هكذا نظر الأحرار تجاه القدس فكرةً وروحًا، والقدس نفسها الآن تواجه انهيارها وغضبها في آن واحد.

تساؤلات الانهمام المعرفي للقدس وانعكاساته على الفلسطينيين

التساؤلات التالية شملت حالة بعض الفلسطينيين في ما نتج خلال الشهر تجاه القرار ما بين الاختلاط الشعوري بين الغضب والخوف والصمت الممزوج بالانفجار، وما بين الجمع المعلوماتي في باطن عقولهم وذاكرتهم، وكافة التساؤلات جمعت القضية ككل. السفر في اللاوعي لدى الفلسطينيين، تمحور بين الجنون اللطيف، وبين العقلانية المتطرفة، وطُرحت أسئلة يتنادى بها من خيال لخيال، أو بالأحرى في طيات السفر الخيالي بين أنفسهم لقصة التحرر الجديدة.

ألا يجب أن يتم طرح الأسئلة الأكثر انفتاحًا على الآخر المطموس والمنبوذ والمغيب من الجمع الفلسطيني؟
هل من الجيد أن نخلق في العقلانية حالة القدس شذوذًا ونقدًا وحشيًّا لكي نحمل سلوك النقدي الصحيح؟
كيف علينا الابتعاد عن مرتكزات السياسة (المشروع الوطني، الانقسام، المقاومة) كون أنها ضائعة، والولوج والتقرب إلى (التقدم، والحرية، والعمل، والعقل، والكفاح، والتحرر)؟

بين خيارات الفردية والجمعية، كيف نتعامل مع الآخر الفلسطيني حينما نصبح ليس نحن ما نحن عليه؟
كيف سيكون الاهتمام أو العناية بأنفسنا في ظل قرار الأمر الواقع، والاختلال في ميزان التحرر، والخصوصية بوسائل الكفاح، والنسبية لدى المجتمع الفلسطيني؟

هل يجب أن نتدرب ونتكيف على التفكير بجانب آخر غير الجانب الذي يتكرر دائمًا؟ ومن الذين يجب أن يتكيفوا، الساسة الذين سلموا المدينة أم الشعب الذي معظمه نيوليبرالي أو متأثر بها؟ وفي حال اخترنا أحدهما فإننا نستبعد الآخر، وهنا من جديد استحضرنا المنسي وأتت مسألة التهميش، وبذلك هل نحتاج لوعي اختلافي؟

هذه الأسئلة في ساحة الفوضى السياسية والاجتماعية الفلسطينية هي بناء لعقد جديدة، والهروب إلى الخارج، والاستيقاظ نحو التحرر، فكل تساؤل سيحمل إجابةً واحدة وهي التحرر، فالقدس هي ضحية الفكرة، وهي ضحية المشروع، وهي الضحية الأولى لكافة اختلاقات الاحتلال الصهيوني.

ومشكلة الاختلاف التي توجه إليها الفلسطينيون في معظم أفكارهم ليست مبررًا لسؤال «مع من سنحاور؟»، إنه تساؤل يعكس الوضع الذي نحن فيه من فرقة وتحاجم إشكالية التي نواجهها الآن، نحن نعيش وضعًا يتطلب من الفلسطيني طرح أسئلة نقدية تخص الذات قبل الآخر، فالمواجهة طويلة ولا تحمل تعجلًا مرحليًّا، فالآن علينا مواجهة الوضع والحالة عن طريق الاجتهاد الذي يبدأ بطرح أسئلة نقدية، وتطبيق الأدوار للكل الفلسطيني دون استثناء أحد واستبعاده، فالفكرة النقدية تتحول إلى سيطرة، ومنها تنطلق الرغبة بالأرض والتملك فيها، ويصبح حق العودة كالوحي بانعكاساتنا.

العرب والتأخير والهزيمة

مُنذ ميلاد مشروع الصهيونية وتأسيسه، كان للعرب تأخير واضح وأداة محددة يرتكز عليها الصهيونيون، وشهد التاريخ التخاذل تارةً والخيانة تارةً أخرى، حتى المثقفين في القرن التاسع عشر كانت بوصلتهم متوجهة إلى الاستعمار وليس إلى الصهيونية، إذ إن الاستعمار مجرد هيمنة فقط، والصهيونية هيمنة واقتلاع واغتصاب، كما أن القومية العربية لم تنجح قديمًا ولا حديثًا في التصدي للهيمنة، ويرجع ذلك إلى نظام القرابة العائلي الحاكم في الوطن العربي، فقد قام على عرقلة الاندماج للقومية الشمولية ومحاربة تسييس المجتمع العربي، فلا وجود لانصهار مجتمعي قادر على خلق نسيج سوسيولوجي للجماعات وحركات عربية تواجه ما تفعله الصهيونية من اقتلاع على الأقل. في كتاب المقاومة العربية في فلسطين لناجي علوش، وضح كيف أن ألييشوف حسم المعركة مع العرب، إذ إنهم كانوا منقسمين إلى أحزاب منافسة قائمة على مرتكزات اجتماعية وإيديولوجية تواكب السياسة الحديثة وتطوراتها، بينما البنية السياسية العربية والفلسطينية كانت ضالة ضائعة كشفت القصور والتفسخ للعرب في عام 1948.

الربيع العربي شعارًا، والربيع العبري ضمنًا. هكذا هو عنوان العلامة التجارية للحالة السياسية المتشرذمة التي عاشها الشارع العربي في الوقت المعاصر، الحالة من الممكن وصفها بـ«الفوضى الخلاقة» فما من عمود سياسي وليد جديد في العالم العربي إلا وتأصل بالسلام مع إسرائيل أو الصمت الممزوج بالتطبيع الخفي والاكتفاء بما يسمى بحلول مشاكل داخلية. في مراحل ما تشهده الثورات العربية على الحاكم وصناع القرار ما هي إلا بلورة صورة فاعلة لحيوية سلبية محاطة بالهزيمة المتجددة لبنية السياسية العربية والاجتماعية، فالتظاهرات السياسية العربية الداخلية أو حتى الخارجية، والتي تأتي على تعدد وتضارب الأهداف والخيارات، تقدم صورة غير عقلانية عن الوعي والواقع المفهوم، وتجعلها أكثر مأساوية ومتأخرة عن التظاهرات الاجتماعية أو التجمعات الإيديولوجية، من الصحيح أن الثورات تقدمت، ولكنها غرقت في تعرضها لسياسيات الدول المتقدمة المبنية على أهداف الصهيونية والمساعدة لها عبر ضغوط وإغراءات بطرق عقلانية، فتجسد نموذج خيارات الدول المتقدمة والسعي إلى مواكبتها، مما جعل التأخير يصل إلى أقصى حالاته، وخير مثال التنديد العربي فقط على قرار ترامب والرئاسة الأمريكية.

معظم الثورات العربية هددت الحال في تضخمه وحجب تضاريس الواقع فتحولت إلى خيالات لفظية فقط، فيجب على الثورة أن تصل إلى عقلانية تامة قادرة على سياسية قلب الواقع وسياسة الفعل ومواجهة العقبات، السر المكنون في التقدم الإسرائيلي في نقطتين فقط، الأولى لا وجود لحكم عسكري في بلد أنجزته ثورة صناعية وتقدم في البنيات الإيديولوجية والاجتماعية والسياسية، التي تكفلت بلحم كل الثغرات المستقبلية، والثانية أنها استطاعت أن تقيم هيكلاً ثقافيًا سياسيًا حديثًا ومتقدمًا نوعًا ما، بفضل نخبة سياسية عصرية، رغم أن حوالي 40% من المجتمع الإسرائيلي جاء من البلدان المتأخرة.

العرب سياستهم تشكو من عدمية حضور وعي عقلاني ومنطقي، ولم يتناسقوا مع التعارض المهيمن للقوى الإيرانية والإسرائيلية في المنطقة، فاختاروا خيارًا واحدًا أن إيران هي العدو، مما جعل عدمية وجود لاتزان عقلي لتكتيكات الخارجية للوطن العربي، التعارض مهم لمواجهة القوى الخارجية ولسد كافة الهجمات.

ميلاد فلسطين الجديد

وصلنا إلى حتمية مسدودة في طريق الأسلوب التحرري، فما تعاني البلاد العربية من لامبالاة وصدمة متصورة مسبقًا بالأصل، فعندما تتشكل فينا رؤية درامية من واقع محسوس تجاه ضياع القدس واضمحلال حق العودة وإسقاط باقي الحقوق، والغضب اللحظي الذي يغزو مخيلتنا، هذا من شأنه أن يفعم الفكر السياسي الفلسطيني بضرب من التوتر المأساوي، فيجعله عاجزًا بائسًا عن القبض على وعي مناسب أو مطابق للواقع، للخروج من الهزيمة الطويلة والانتصار الفعلي، فكفانا تنديدًا واستنكارًا وإلى آخره من أمور سببت تفسخًا وضعفًا في البنيان النفسي الجمعي فينا، ويكفينا من إدراك طفولي وطمس في التحليلات المشوشة المنحرفة في سياساتنا الفكرية. يجب أن نعي نقديًا نحو متطلباتنا التحررية، وأن نصل إلى مرحلة تحديث مجتمع عربي عامًا وفلسطيني خاصةً، علينا صناعة حركة تساهم في إعطاء المجتمع ديناميته وعقلانيته واتساقه واندماجه في الشر بأنه يولد القوى والخير والسعادة، في التمزق الذي يولد الاندماج، وعكس المفاهيم نحو التحرر، فاليوم القدس، وغدًا القاهرة، وبعد غد عمان.

نقد المكونات الفلسطينية:

نقد صناع القرار

جمعٌ غفير من البشر أمام شاشات التلفاز ينتظرون ردًّا ولربما خطابًا، يحمل ما بعد وبعد الحداثة تجاه قرار ترامب، وببساطته قال: «أمريكا منسحبة من مسار التسوية وخطة السلام»، وأعتقد أن الفلسطينيين حملوا همهم بشدة بعد خطاب الرئيس الفلسطيني، ولم يكن إلا دبلوماسية خاضعة أو بكلمة عربية عامية «خطاب مايع». السلطة الفلسطينية تعلم تمامًا أن أمريكا صادقت على نحو أكثر من 20 قرارًا ضدها وضد منظمة التحرير، ويكفي أنها عدت منظمة التحرير إرهابية، والآن السلطة لا ترى حلاًّ إلا «البحث عن راعٍ غير أمريكا». حقيقةً مقارنةً ما يبدو في الرغبة في بناء دولة فلسطينية كما يفعل أصحاب الرشادة السياسية في بعض مقولاتهم وما شابه ما هي إلا نوع من «الهواية» من فعل أفراد هامشين من إحساس المدينة الضائعة ولا يعنون شيئًا إلا أنهم أسهموا بتأثير مرحلي صغير جدًا، بل إن لا أحد منهم يتمتع بنظرة أصولية للتحرر إنما أمنيات مثلما آمنوا بترامب وفريقه ومدى قدرته على مساعدة الفلسطينيين.

نقد الأحزاب الفلسطينية

يأتي قائد الحزب ويقرأ قرار ترامب وما بعده من قرار الكنيست الحديث، وهو حظر التفاوض على مدينة القدس، ويقول إنه إعلان حرب. ولنكن بسطاء أكثر هل المشروع الصهيوني من بدايته لم يكن إعلان حرب؟ هذا البعد المثالي للفشل الحقيقي للأحزاب، كما أن الأجنحة العسكرية التابعة للأحزاب تمثل ردها فقط إما بالدفاع عن أبنائها، وهذا ما يستعمل في معظم خطاباتها الحاملة لإيديولوجيا الوسيلة فقط، ذلك عبر تحويل الجبهة من دفاع عن القضية إلى الدفاع عن منطلق فكري مرهون بأفراد سلطويين.

نقد المثقفين الفلسطينيين والعرب

رغبة المثقف العربي في لعبة أدوار صغيرة في الحكم جعل من قرار ترامب نتيجة وليس سببًا، ودائمًا ما يصاحب المثقف الغريزي وهو مثقف القرن الجديد بكثرة المعجبين بالقول بأن هناك عدوًا خارجيًا، كما أن المثقف الحالي يقع في مربع الردود العاطفية وبعضًا منهم التزم بالحيادية باسم السلام، وأنه صراع أديان لا ينتهي. وهكذا حمل المثقف الثقافة إلى السياسة ليتقرب ويمتلك جزءًا من السلطة والحكم، يجب أن نعيد تعريف المثقف ويربط السياسة وعدم انفلات الثقافة لكي لا تتشكل أزمة متكررة، الروح النقدية هي شأن المثقف كله، فهي شأن الحوار واللغة الجديدة.

نقد المجتمع المدني

ومرة أخرى ندوات واجتماعات هنا وهناك، وبالأجواء نفسها غير المجدية المعتادة. حقيقةً استثمر المانحون في منح ملايين الدولارات من أجل زرع فكرة الاستعمار الأولى وجعل المجتمع الفلسطيني يؤمن جدًا بأفكار الغرب ووضع مصطلحاتهم الجديدة بالمشاريع الفلسطينية، وبذلك علينا إعادة النظر نحو سؤال جديد يشكل إعادة تعريف للمجتمع المدني ومؤسساته ومراكزه وما مدى استشرافه لمستقبل فلسطين، وهل نحن بحاجة إلى إقناع الممولين بأن الحاجة الفلسطينية بعد القرار الآن تتطلب أشياء أخرى مثل الحرية والتقدم والكفاح، أم أننا نبني مجتمعًا لا يحدّه تفاوت ولا يحدّه طبقات أو مستويات سياسية؟

نحو استراتيجية لتحرر القدس وإحياء القضية بالوعي:

من أكثر الجمل التي استخدمها الإعلام العربي الشفاف والموضوعي في التعامل مع قرار ترامب هي «رب ضارة نافعة». مركز بيو للأبحاث، وهو مركز أمريكي في واشنطن يعمل في مجال أبحاث الشعوب، ظهر له بحث في عام 2016 أن الشعب الأمريكي متعاطف مع إسرائيل بمقدار 54% مقارنةً مع الفلسطينيين بمقدار 19% وأن 27% من الشعب الأمريكي لا يعلم بالصراع الذي بينهما، ولكن الفاجعة السعيدة هو أن الشعب الأمريكي بعد قرار ترامب ومرور أيام عليه أصبح يفهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وازدادت نسبة التعاطف مع الشعب الفلسطيني إلى ضعفين مما كان عليه. هذه النسب تفسر أن على المناصرين للقضية الفلسطينية الفهم تجاه العمل نحو نشاطات توعوية والتعريف الحقيقي بالقضية تجاه كل الشعوب والدول، خاصةً التي تقف وتناصر الاحتلال وتتمثل شريكًا له.

إذن يمكن القول بأن دور فلسطينيي الشتات خصوصًا الأكاديميين هو الدور الرئيسي والتحدي الطويل نحو تجديد الوعي وإلغاء الزائف، عبر نشاطات توعوية تجتاح كافة النظم التعليمية كالمدارس والجامعات، تعمل بالروح والنفس وتأسر الماضي والحاضر وتقابل بأنفسهم بتأسيس الذات والإيجاد المثالية للهوية الفلسطينية حسب الرواية الحقيقية لها.

ودور الشباب الفلسطيني خاصةً الأعضاء في الأحزاب الفلسطينية أن يعيدوا النظر تجاه الطريق من التبعية إلى الاستقلال، والتأمل في قضايا التجدد الفكري ذلك لأنهم يحملون انفتاحًا أكبر نحو الأفكار الموجهة والحاملة للإيديولوجيا التي هي بالأصل تعمل على نقد السياسة الثقافية. ودور الشباب الفلسطيني عامةً الآن هو استنهاض الوعي السياسي والتنشئة السياسية الصحيحة، وحمل الثقافة مشروعًا اجتماعيًا عبر غرس قيم النهضة والحداثة، وحل أزمة الوعي الإيديولوجي «أيديولوجيا الهزيمة» الموجود، والذي خلقه الاحتلال عبر حصار الهوية الفردانية وأحلامها، من خلال استخدامهم الإعلام الجديد وغير الموجه على الأقل.

إن تأقلم التحرر والكفاح مع الواقع المفروض، يتطلب التطور تجاه نشوب مقاومة وكفاح شعبوي ذي تمدد أصيل، كينونته «سلطة المعرفة»، إذ إن الإنسان لا يتحرر بالشعارات الوهمية أو معارك الأمنيات التي تتعارك بها السلطة والرشادة السياسية الفلسطينية، إنما يجب أن يتحرر ويتغنّى من خلال حمل رموز ومعان وأفكار وصور مفعمة تواجه المراحل الانتقالية على صعيد عدم توافق المصالحة واستبداد الاحتلال المتواصل.

قرار ترامب وفريقه تجاه القدس، وانتهاكهم خصوصية الفلسطينيين الداخلية، فتح أبواب تعيد إحياء القضية من جديد ولديها متسع حقيقي من الوقت للتفكير بوعيٍ أشمل، والعمل على أرض الميدان، وإلا سنجعله نكبة جديدة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد