شارك أحد الأصدقاء فيديو على «فيسبوك» للدكتورة نوال السعداوي بعنوان «نوال السعداوي: يجب تغيير نصوص القرآن الكريم فتغيير الخطاب الديني يستلزم تغيير الثوابت»، ليعلق أحد الأصدقاء عليه «فين عبد الله المُفحم يرد عليها»، والإشارة هنا إلى الشيخ عبد الله رشدي.

لم يكن تعليق صديقي مفاجئًا بالنسبة لي؛ لأنه ينتمي إلى زُمرة الأصدقاء الذين يعتزون بأنهم تلاميذ للشيخ عبد الله رشدي، بل يتماهون مع منهجيته في النقاش، ويتبنون أفكاره، ويعدونه المُناظر (الشبح) الذي لايقوى أحد على الصمود أمامه، حتى ولو كان هذا عن طريق الاستخفاف بالآخرين، ودفعهم إلى الخروج عن طورهم بالزج بهم دائمًا إلى خانة المتهم، متذرعًا بهدوئه وثباته الانفعالي الذي يحسد عليه، وهذا على وجه التحديد ما ينال استحسان تلاميذ المُفحم، ويدفعهم إلى تخيل أن هدوءه هذا راجع إلى قوة حجته، وليس إلى نرجسيته وتعنته، فهو بالنسبة لهم سيف الدعوة ودرعها، فما يرتأيه هو الصواب بعينه، دون أن يحاولوا وضع أفكاره أو آرائه على مائدة الحوار، وكيف يناقشون أفكاره، وهو في نظرهم المتخصص الفاهم العالم بظواهر الأمور وبواطنها.

لا أعلم إذا كان سبق لك الدخول في مناقشة مع تلاميذ المُفحم أم لا، فإذا كان سبق لك التحاور معهم، ربما تتفق مع ما ورد في السطور السابقة أو مع بعض ما ورد على الأقل، أما إذا لم تجرب الدخول في المناقشة مع أحد تلاميذه، فعليك أن تبحث عن مُناظرات المُفحم، حتى تعلم كيف يتحاور تلاميذه مع الآخرين، وذلك لأنهم يتأسون به حتى في ابتسامته الصفراء التي تنطق بأنه هو المُفحم الذي لا يستطيع أحد مساجلته، فمثلًا؛ إذا تحدثت مع أحد منهم حول جرائم التحرش الجنسي ستجد تلاميذه يحاولون تسويغ التحرش الجنسي بعبارات من قبيل «ماهي اللي لابسة كده»، و«دي نازلة من بيتها مخصوص عشان يتم التحرش بيها»، وأخرى من قبيل «دي ملهاش راجل يحكمها»، والغريب أن هذه العبارات تنطلق من أفواههم وهم يتتبعون ضحيتهم بعيونهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء غض النظر، أو ترك خلق الله في حالهم، أو تذكير أنفسهم بأن هؤلاء الفتيات اللاتي يجري التحرش بهن لهن حرية الاختيار في ملابسهن مثلما لهم حرية الاختيار في ملابسهم، وأن عباراتهم هذه بجانب أنها اعتداء على خصوصياتهن وحريتهن في الاختيار، بمثابة تنصيب أنفسهم قضاة، فيوصمون هذه بقلة الحياء لمجرد أنها ترتدي ملابس لا تتسق مع ثقافتهم، ويشيدون بحياء الأخرى لمجرد أنها ترتدي ملابس تستقيم مع ثقافتهم، فتشعر من عباراتهم هذه بأن حياءهم (راكب) بصورة خاطئة، فالحكم بالنسبة لهم على أن الآخرين عندهم من الحياء أو يفتقرون له يرجع إلى مظهرهم الخارجي فقط، في حين أن الاعتداء على حريات الآخرين، وانتهاك خصوصياتهم هو الحياء بعينه.

وأنا أثق بأنك لن تجد غرابة فيما نقلته عن آرائهم بشأن جرائم التحرش الجنسي، إذا كنت من المتابعين لأستاذهم، فأستاذهم سبق له أن شبه المرأة بالعربية المفتوحة، وحين اعترض أحد المتابعين على هذا التشبيه، رد عليه ساخرًا «شكلك سايب عربيتك مفتوحة»، ولكن الغرابة فعلًا في تبريرهم لما قاله حين (رمى) كلامًا على الدكتور مجدي يعقوب في وقت كان يُكرم الدكتور مجدي على أعماله الإنسانية، وذلك حين قال «العمل الدنيوي ما دام ليس صادرًا عن الإيمان بالله ورسوله فقيمته دنيوية بحتة، تستحق الشكر والثناء والتبجيل منا نحن البشر في الدنيا فقط، لكنه لا وزن له يوم القيامة، ‏ومن السفاهة أن تطلب شهادة بقبول عملك في الآخرة من دين لا تؤمن به أصلًا في الدنيا»، فإذا حاولت أن تستفسر من تلاميذه عن الجدوى مما كتبه؟ وعن المناسبة؟ وعن الأسباب التي تدفعه لأن يكتب مثل هذه الكلمات؟ سيردون عليك قائلين «وهو الدكتور عبد الله رشدي ناقص شهرة ولا فلوس»، فبجانب أنه لم يحصل حتى الآن على درجة الدكتوراة حتى تضاف إلى اسمه، فإنهم لا يعلمون أن شهرته هذه حققها من مناظرته مع الأستاذ إسلام البحيري، ومن مثل هذه الآراء الجدلية، بغض النظر عن شخص إسلام البحيري، وما إذا كنت تتفق مع ما يقوله أو تختلف، أو تستخف دمه، أو تسثقله مثلي، فإذا باغتهم وقلت لهم إن الدكتور مجدي يعقوب قدم للإنسانية ما لم يقدمه مليون شخص مثل الشيخ عبد الله، سيقولون لك إنسانية إيه (ك*م الإنسانية)، هنا لن تجد نفسك إلا أن تقول لهم، لو كانت الأديان السماوية بتعاليمها السمحة تحتقر الإنسانية لكنت أول المتمردين عليها، فبمجرد تفوهك بهذه العبارة، سيتحقق مرادهم المتمثل في استفزازك، وستظهر على وجوههم الابتسامة الصفراء التي تضاهي ابتسامة أستاذهم.

أما إذا كان لك صديق من تلاميذ المُفحم، ستجده يأخذك على جنب في وقت من الأوقات حتى يطلعك على قصة فتاة أو فتى هرب من أهله المتدينين بالديانة المسيحية، وذلك رغبة منه في اعتناق الإسلام، وأنه حين وقع في براثن أهله تفننوا في إهانته، لكي يردوه إلى الديانة المسيحية، ولكن حين تقول لهم إنك بالمصادفة تعرفت إلى صديقة اعتنقت الديانة الإسلامية هي ووالدها، وتزوجت مسلمًا، ولم تتنصل منها والدتها، بل حتى الآن تساعدها في رعاية أبنائها، سينظرون إليك نظرة تنطوي على «أنت كذاب.. أنت بتخرف».

وهذه النظرة لن تختلف كثيرًا عن النظرة التي سيرمقونك بها إذا حكيت لهم عما حدث للسيدة الكريمة سعاد ثابت بل غالبًا ما ستجد تلاميذ المُفحم يشيحون بوجوههم عما تعرضت له حين جرى تعريتها والاعتداء عليها بالضرب وحرق منزلها من قبل دواعش مصريين، وذلك في قرية الكرم بمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا، فبالرغم مما تعرضت له السيدة السبعينية من مهانة تغطي العالم، فإنها حتى اللحظة الراهنة لم تحصل على حقها، وذلك لأن كما قالت «بص يا بيه القضية اتلعب فيها، كل الأطراف منهم والشهود منهم.. واحنا غلابة يا بيه.. هنروح لهم فين.. حقنا راح في الرجلين».

لن تدفعهم واقعة هذه السيدة (اللي فوق دماغنا من فوق) أو الوقائع المماثلة لها إلى مراجعة حساباتهم، وذلك لأنهم ينتمون إلى مدرسة التعاطف والتضامن مع الحق الذي لا بد أولًا قبل أن نمنحه أن نرجع إلى حسابات أخرى سواء أكانت دينية أو عرقية أو أيديولوجية.

مثلما أن واقعة السيدة الكريمة في الغالب لن تحرك في قناعاتهم ساكنًا، عادة ما لا تنال الآراء الصادرة من الأزهر الشريف رضاهم، وذلك بصفته جهة مسيسة على حد مزاعمهم، على الرغم من أن أستاذهم في كل وقت وحين، يذيل منشوراته و(تويتاته) بعبارة الأزهر قادم، فلم يسلم علماء الأزهر الشريف من السب والقذف، حين صرح بأننا لا ينبغي أن نسوغ جرائم التحرش الجنسي بملابس المرأة، ولم يسلم أيضًا علماء الأزهر من الوصم بالردة والكفر، حين صرح أيضًا بأن القطع بأن شخصًا بعينه لن يدخل الجنة وسيدخل النار من قبيل التألي على من وسعت رحمته كل شيء، وحين ترد على اتهام الأزهر الشريف بأنه مسيس، بأن المُفحم تخَرج فيه، سيتملكهم الصمت والارتباك للحظات، قبل أن يقولوا لك إن المشكلة ليست مع المُفحم بينما مع الدين الإسلامي، وأن أساتذة المُفحم يقولون ما تريد السلطة والرأي العام أن يسمعه، ففي هذه الحالة لن تجد نفسك إلا أن تغض طرفك عنهم وتوجه كلماتك إلى الشيخ عبد الله قائلًا: يا فضيلة الشيخ طالما أن مُريدينك يقتفون آثارك اقتفاء أعمى بهذه الطريقة، فنرجو منك أن تقول لهم إن الدفاع عن تعاليم الدين الإسلامي لا يقتضي بالضرورة (تطليع دين الآخرين) بما فيهم دين كاتب هذه السطور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد