"كلمات " ماجدة الرومي

بينما أعبث فى صندوق الذكريات لا يطوف برأسي ثمة شيء ، أو يدفعنى فى البحث هدف معين بقدر ما هو فِكاك من واقع أشعر فيه بغربة؛ أتوق إلى انفصالٍ عنه؛ الوذ بمعتصم من دفء الماضي أو اجترار لعبق الذكري. فإذا بي أجد قصاصة بالية، مقطوعة بإهمال من ورقة صفراء كبيرة، كتبت عليها منذ ما يربو على الثمانية عشر عام تقريبا قصيدة لنزار قباني الذي حين عرف الشعر قال:

«ليس للشعر صورة فوتوغرافية معروفة وليس له عمر معروف، أو أصل.. ولا أحد يعرف من أين أتى، وبأي جواز سفر يتنقل.. المعمرون يقولون: إنه هبط من مغارة في رأس الجبل، واشترى خبزاً، وقهوة، وكتباً، وجرائد من المدينة.. ثم اختفى..» ويتابع قباني: ماذا قال سكان الشواطئ عنه وماذا قال أطفال المدينة ونساء المدينة، ومعلمو المدارس؟!وتأويل كل ذلك أنه ليس ثمة تعريف للشعر: «ليس هناك نظرية للشعر.. كل شاعر يحمل نظريته معه»

وهنا كان الأختلاف حين رأى نفسه سياسيا ثائرا تاره، وتارة أخرى محبا رساما ساحرا وليس شاعرا بالمعنى المفهوم الذي تحده التفعيلة والعمود من جهة وتقيده إشتراطات القصيدة من جهة أخرى. كان طائرا حر يضرب بجناحيه كيف يشاء وأنى يشاء فلذ تجد من غالى فى مدح ورفعه لأعلى عليين وأخر من حط من قدره وقال عنه ليس بشاعر أصلا.

وإن كان صاحب هذه السطور يرى أن نزار هو الذى أسال الحب خمراً يُسكر العاشقين، وسكب الهوى لبنا صائغا في كؤوسٍ لذة للقارئين، وغنتها ماجدة الرومي بصوتها الندي الذى نثر على الكلمات تعويذة ما فإبتعثتها لتنفض عنها ركام الصفحات، واستحالت الى شخوص تسعي وحكايات تملئ الفضاء من حواليك.

يُسمعني حين يراقصني

كم كان المطلع رائع و مباغت في الآن نفسه، حيث أخذ بتلابيب انتباهي آنذاك عن المذاكرة، مستدرجني إلى حيث أراد أن نصغي. يُسمع حبيبته التي لم تعد لتسمع شيئا سواه، حين يراقصها مسلوبة الإرادة ، تركت نفسها بالكلية بين يديه كريشة في الهواء، يفعل بها هو ما يشاء.

كلمات ليست كالكلمات

كلمات ليست كالكلمات العادية المؤلفة من حروف ولكن لها سحرية؛ عابثة بالوجدان ومداعبة للشعور ثم باغتني فجعلني انجذب انجذابا شديدا حينما قالت بصوت يلامس فيَّ شيء؛ محاولاً أن يحيه أو ينهض شعورا راقدا منذ عصور في سراديب نفسي:

يأخذني من تحت ذراعي

كانت المرة الأولي التي يفعلها حبيب لحبيبته، فالمعتاد أن الأم/الأب هو الذي يحمل طفله بهذه الطريقة ليتمكن من حمله، حرصا عليه، صورها نزار بقلمه كصورة بكر لم يطمثها شاعر من قبله، وجوّدتها ماجدة بروعة صوتها (السوبرانو) أعلى الأصوات النسائية مثل صوت (سيلن ديون ) غربيا وتقل عنهما قليلا يسمى (ميزو سوبرانوا )صوت(أسمهان)عربيا.

فتلك صوت له رنين على الرغم من أنه رزين كنسيم الربيع الدافئ ، الذي يغمر القلب ويستولي على الوجدان. ثم صعدت بنا إلى قمة المنحنى الإبداعي الصاعد

 يزرعني في إحدى الغيمات

كانت خاتمة للمقطع الأول مذهلة تترقي بنا من حالة إلى حالة، ومن إبداع إلى تجلي، في ذروة المتعة وأعلى درجات الانسجام فإذا بها تهتف لا تغني:

والمطر الأسود في عيني يتساقط زخات زخات

دفعتني من حالة الهيام دفعا شديدا ، وكأنها طردتني من حلم جميل ملقية بي في جوف بئر مظلم، ما الذي حدث؟!

مطر أسود في عيني

تعجبت ايما عجب من تلك النقلة الصادمة من حالة شديدة الصفاء والارتقاء في (ويزرعني – غيمات) الى حالة من الكآبة في (مطر- أسود) نقلة غير مبررة وقد أتفهم من باقي الأغنية حين قالت:

مساء وردي الشرفات

أنهما في المساء وكل المطر فى الليل أسود ، ولكن كيف بها على حالتها تلك أن تراه أسودا؟ بينما رات المساء ورديا شرفاته.

فكيف أيها الشاعر الكبير في الشطر الماضي زرعت الحبيبة في إحدى الغيمات بما يعني أن قدماها منغرستان في الغيمة كجذور، وجسدها باسق ممتد لأعلى كنخلة ؛ فأنىَّ لها أن ترى المطر الذي يسقط من بطن الغيمة لا من فوقها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد