ما أروع هذا الوطن الذي تساوي نقطة الدم فيه الدنيا ومن عليها! وما أعظم ذاك الشعب الذي ينتفض للحقوق والحريات حتى ولو كان صاحب القضية “كلبًا”!

اهتز الوطن بحكومته وداخليته وإعلامه بعد بث مقطع فيديو يظهر ضرب وحشي لكلب بمنطقة شارع الهرم حتى الموت. في لحظة ما تشعر أنك في ألمانيا مثلًا وتحيا في أمان وسلام تام أنت وكلبك اللطيف، وأنكما ستظلان طيلة حياتكما نور عين الحكومة الألمانية، وحين يمسكما سوء ستقوم من أجلكم الثورات.

لكنك سرعان ما تعود إلى الواقع وتنظر حولك وتجد أن هذا البلد الذي آلمه ذبح الكلب قد نزف فيه الآلاف من شبابه الدم حتى الموت. في سنوات قليلة بدأ إجرام الدولة بقتل خالد سعيد والسيد بلال في مسيرة إجرامية استمرت حتى المحامي كريم حمدي الذي عانى من التعذيب في قسم المطرية حتى الموت، وأظهر تقرير النيابة أن جسمه به كدمات وكسر في الضلوع وجرح خلف الرأس, بالإضافة إلى تأكيد ذويه بأنه تعرض لقطع في لسانه وخلع لظافر بقدمه اليمنى.

وما زالت آلة القتل مستمرة ونحن في انتظار الضحية التالية التي سيقودها حظها العاثر إلى الشرطة المكلفة أصلًا بحمايتها.
لكن لا بأس وانظر إلى نصف كوب الدم الممتلئ, فالخبر الأهم الآن هو نجاح الشرطة الباسلة في القبض على المتهمين بذبح الكلب, إذًا فقد حانت الفرصة لسيدات الروتاري والمجتمعات الراقية لتصدر المشهد من جديد.

تتصل مدام “ناني” – زوجة اللواء العظيم والمحلل الاستراتيجي الجهبز- بصديقاتها وتخبرهنّ بساعة الصفر التي سيتحركن فيها بسياراتهن الفارهة قاصدات نقطة التجمع التي ستبدأ فيها غضبتهنّ العارمة.

لقد كان اختيارًا ذكيًا منها فقد جعلت مكان انطلاق الثورة بالقرب من المتجر الشهير الذي تعتبر هي وصديقاتها أهم زبائنه, هذا يعني أن ثورة “الكلب” سيعقبها جولة تسوق لشنط جلد “النمر” باهظة الثمن في متجرهنّ المفضل.

تهتف مدام “ناني” وصديقاتها كالأسود – اعتبرهنّ أسود– ضد المجرمين السفاحين قاتلي الكلاب بلا إنسانية, لكن المشهد لا يدوم طويلًا فتظهر إحدى الفقيرات وتذكرهنّ بأن للبشر حقوقًا مسلوبة في هذا الوطن فلماذا لا يتظاهرن من أجلها؟!

تبًا لهؤلاء الفقراء الرعاع الذين جاءوا الدنيا كي يفسدوا على الأغنياء أصحاب الدنيا الأصليين حياتهم. إذًا لا بد من طردها حتى تنجح ثورة الكلب في تحقيق أهدافها المصيرية.

 

رحلت الفقيرة المسكينة باكية، ولكن ستبقى الأسئلة البديهية كالأشباح تطارد أبناء الطبقة الفولاذية الآمنة: أين أنتم من الذين قُتِلُوا غدرًا وراحت دماؤهم هدرًا؟

هل للكلب الذي تبكونه أمٌ تفتقده وزوجة تنعيه وأبناء يسألون عنه؟ أين الفقراء والعاطلون والبائسون من صراخكم؟ وماذا فعلتم لمن يتخيّرون طعامهم من بين أكوام القمامة؟ ومتى تتحدثون عن المصطفين بلا جدوى أمام مستشفيات التأمين الصحي باحثين عن علاج مجاني؟ ومتى ستغضبون من أجل المتزاحمين في عربات المترو وقطارات الموت المتهالكة؟ حين تكالب القتلة على الكلب المسكين علقتم قائلين “مائة كلب على راجل”، فما قولكم في شاب أعزل يجد نفسه في القسم بين أقدام مائة ضابط وأمين شرطة وعسكري يسحلونه ويعذبونه لأنه تجرأ يومًا وقرر أن ينصر مظلومًا غيره؟

 

أتفهم جدًا أن يسعى النظام لتضخيم مثل هذه الأحداث لما يعقبها من لهو للرأي العام وشغله عن كوارث أكبر.

لكن العجيب هو انجراف البعض خلف البوق الإعلامي من جهة, وجينات الرحمة الإنسانية التي ظهرت في أجسادهم فجأة من جهة أخرى.
بعد حادث ذبح الكلب بيومين قابلت جاري “عم محمد” عائدًا من صلاة الفجر وكان حريصًا على فتح نقاش معd حول قضية كلب شارع الهرم وإظهار غضبه من الإجرام الذي حدث معه.
أخبرته بعدها بسعادتي من موقفه الإنساني, لكن وجب عليّ أن أذكّره بأنني رأيته منذ أسبوعين تقريبًا يقف في الشارع ضاحكًا وهو يشاهد ابنه الصغير “أشرف” يربط أحد الكلاب بحبل من رقبته ويعذبه يمينًا ويسارًا حتى لفظ أنفاسه.
فما الفرق إذًا بين الكلب الذي قتله “شباب شارع الهرم” والكلب الذي قتله ابنك “طفل باب الشعرية”؟
كان المبرر منطقيًا للغاية, فقد أقنعني “عم محمد” بأن كلب باب الشعرية مجرد كلب ضال لا بواكي له ولا خير فيه, بينما كلب شارع الهرم دخل إلى ساحة المعركة مدافعًا عن صاحبه الذي أعطاه ثقته وطلب منه الحماية والأمان، فكان جزاؤه القتل على يديه وهنا تتجسد كل معاني الخسة والخيانة.
أحسنت يا “عم محمد”، إذًا فهكذا تورد لديك الإبل؟

فلماذا لم يكن هذا رأيك في رجل أعطاه قائده ثقته وحمله مسئولية حماية الوطن بأكمله فخان الأمانة، وألقى بقائده في السجن كي ينال عرشه؟

الآن فقط ظهرت للأرواح قيمة وللدماء مهابة وصارت الخيانة جريمة في عالمكم. المجد لكلب شارع الهرم فقد دخل التاريخ من أوسع أبوابه, ليس لطريقة قتله غير الإنسانية، ولكن لبواقي الأقنعة التي كانت تنتظره ليسقطها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد