في النهاية قرر الشوباشي إلغاء “المليونية” المحكوم عليها بالفشل سلفًا، مرجعًا ذلك إلى أسباب واهية – كحجة البليد – من خوفه على الفتيات وعدم التقدم بتصريح أمني، ولم ينسَ أن يهاجم المجتمع المتخلف الذي لم ينضج فكريًا وثقافيًا بعد.

تتزايد الهجمات في الآونة الأخيرة على الثوابت الدينية والقيم الأخلاقية ويتبارى كل خارج عن الدين والعرف أو “متزلف” إلى الهجوم، الذي ربما يكون السيسي نفسه هو من شجع عليه بدعوته لثورة دينية لتصحيح المفاهيم، فإذا بالسفينة تحمل كل جاهل وحاقد ومنحل، قد وجد منها فرصة ثمينة لإخراج قبيح ما عنده، ومنها مهاجمة شريف الشوباشي للحجاب وسبه للمحجبات ودعوته لما أسماه بمليونية خلع الحجاب.

مما حدا بالسيسي في كلمته الأخيرة إلى التفصيل في الأمر خاصة بعد الجدل الكبير الدائر في المجتمع حول الحجاب بعد تلك الدعوة والاستنكار الجماعي للشعب المصري لمثل تلك الدعوات، فأوضح السيسي أن مقصده من تجديد الخطاب والثورة الدينية هو التجديد المنضبط من أهل العلم وعلماء الأزهر خاصة وليس من غيرهم.

وعلى الرغم من أن السيسي لم ينعت هؤلاء صراحة، إلا أن مفهوم الكلام ذم واضح واستنكار أن تخرج تلك الدعوات ممن لا يحسنها، ومؤخرًا رد إبراهيم عيسى – بغضب – على هذا الكلام مستنكرًا أن يكون هو أو غيره قد تحرك في الموضوع من جراء دعوة السيسي، بل قضية تجديد الخطاب الديني كانت همه وهم غيره منذ زمن مستشهدًا بكتابات البعض كجمال البنا وغيره.

ركب شريف الشوباشي الموجة و”زاط في الزفة”، فمن شريف الشوباشي؟
نتحدث عن شيء من حياته ولاشك أن سيرة الإنسان دالة على شخصيته.
تعلم الشوباشي في فرنسا في الفترة من عام 1950 وحتى عام 1960، ثقافته فرنسية النشأة، فكانت اللغة الفرنسية هي الأساس الذي تتعامل وفقه جميع أفراد أسرته.

عمل في منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة المعروفة باسم “اليونسكو” في فرنسا خلال الفترة من 1980 وحتى 1985، تمكن من الحصول على منصب مدير لمكتب الأهرام بفرنسا لفترة طويلة جدًا من الزمن، وصلت من عام 1985 وحتى 2002.

وذكر البعض أنه قضى أكثر من عقدين من عمره في فرنسا، كما أخذته الحياة والعمل في أوروبا فلم يحضر جنازة والده ووالدته.

فليس بمستغرب أن تخرج تلك الدعوات من رجل عاش في فرنسا الإباحية معظم حياته، فقد درس بها ما يقارب العشرة أعوام، ثم عاش بها عمرًا.

فلا عجب لأن مصدر تلك الدعوات المستهجنة أصلًا هو الغرب، فمنذ أن ثاروا للتخلص من سلطان الكنيسة وإبعاد الدين عن الحياة، ونجحت تلك الثورات التي اشتعلت شرارتها الأولى في فرنسا، وانتقلت إلى بقية دول الغرب، وانتصرت، وهم يسعون إلى تصديرها لكل العالم، وقد نجحوا بالفعل بعد ذلك خاصة بعد احتلالهم الدول العربية والإسلامية، فقد فرضوا بعضها على الشعوب المقهورة بالقوة.

ففي عصور الظلام والاحتلال والقهر انتهجت تلك الدول المنتصرة سياسات متعددة في فرض نظمها وفلسفتها ودينها الجديد، وأرادت صبغ العالم وعولمته.

ولما انسحبت ودحر الاحتلال ونالت تلك الدول ما يشبه استقلالًا، تغيرت سياسات العولمة، فبدلًا من البطش والقوة الغاشمة تحولت إلى اللعب من وراء الستار وتصدير حفنة من أبناء تلك الشعوب ممثلة لها في الحكم وفي نشر الثقافة، فصنعت نخبًا حاكمة تحكم تحت إمرتها، وكذا نخبًا ثقافية تعلموا في أراضيها ثم عادوا ليبثوا ما افتتنوا به في بلادهم.

فقد نجحوا في أن يتخذوا لنا عدوًا جديدًا من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولاشك أن هذا العدو أنكى من غيره وأشد لسعًا.

وفيما يخص قضية الحجاب والمرأة تخصص قاسم أمين فدعا إلى ما أسماه بتحرير المرأة وألف كتابيه “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة”، وهو بدوره سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا لمدة أربع سنوات، وقرأ في تلك الفترة لكبار المفكرين الغربيين أمثال: ماركس، ونيتشه، وداروين.

وبطبيعة الحال لم يكن خلع البرقع وإظهار الوجه والكفين هو ما يرمي إليه في كتابه بالدرجة الأولى، وإن كان قد تناوله بالبحث وذكر أقوال الفقهاء في إظهارهما، ولكنه كان يرمي بالدرجة الأولى “الحجاب الأكبر” وهو إخراج المرأة من بيتها، إذ كانت المرأة في ذلك الوقت لا تخرج من بيتها ومن العيب أن يرى سوادها الغرباء حتى إذا تاجرت أو شهدت واختصمت في محكمة أو تزوجت، راكبًا في ذلك بعض الأمور التي هي من حقوق المرأة التي لا تنكر وإنما حال بين ذلك عادات المجتمع آنذاك إذ كانت تعاني قهرًا اجتماعيًّا نابعًا من العادات والتقاليد الموروثة المرتبطة في أحيان كثيرة بالفهم الخاطئ للموروث الديني.

ثم جاء دور سعد زغلول وزوجته التطبيقي، حيث كونت الأخيرة جمعية “الاتحاد النسائي” تتبنى مبادئ ” تحرير المرأة”، ونجحا فعلًا في إخراج المرأة في ثورة سعد زغلول، لتصل ذروة الأمر حينما عاد سعد من أوروبا في موقف مشهور، كان ثمة احتفال في الإسكندرية وسرادق للرجال وآخر للنساء، فتوجه إلى سرادق النساء وخلع برقع صفية فخلعت النساء براقعها في مشهد هزلي.

مرت الأيام ووصل السفور غايته في فترة الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، ثم عاد الناس إلى دينهم وأخلاقهم.

ويأتي الشوباشي اليوم نتيجة لـ “التطور الطبيعي” إلى خلع ذلك الغطاء الذي على الرأس أيضًا، ولكن ليس الزمن كالزمن وليس الحال كالحال وليس هو سعد أو قاسم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد