لعب المناخ السياسي والاجتماعي دورًا سالبًا في تشكيل آليات وأساليب التنشئة الاجتماعية، وتشويه منظومة القيم الفاعلة، والنماذج الإدراكية التي تشكل وعي الأفراد وسلوكهم في المجتمعات العربية. فقد ساعد ذلك المناخ -في اليمن مثلًا- الذي اتصف بالتعددية واتساع مناخ الحريات بعد الوحدة على بروز عدد آخر من المدارس والمعاهد الدينية -إلى جانب المدارس الحكومية والأهلية- في عدد من المحافظات كالمدارس الصوفية والسلفية وغيرها.

لذلك تصادمت منظومة القيم التقليدية بالحديثة؛ مما أسهم في تكوين قيم واتجاهات جديدة لدى النشء نتيجة لتعدد مصادر التنشئة الاجتماعية التي تبلورت بعد تلك الحقبة الزمنية، ورسخت لدى بعض النشء عددًا من القيم والاتجاهات الاجتماعية اتسمت بالتحفظ والجمود، ونبذ محاولات التحديث والتطور، في مواجهة تحديات إصلاح الخطاب الديني في المنطقة العربية، لما من شأنه العمل على «تكوين رؤية منفتحة على العالم تتيح المنتج الذي يساعد على نقل وتوطين المعرفة، وتستوعب القيم والمهارات والمفاهيم والمعارف لمجتمع المعرفة».

ولعل من أبرز تلك التحديات ثقافة المجتمع العربي التي تحمل مجموعة من القيم، والعادات، والتقاليد، والأعراف، والمعايير، ونماذج السلوك التي تمجد قيم الذكورة، وبخاصة قيم البداوة القبلية، والعائلية، والطائفية، وتعيد إنتاجها عبر التوظيف الخاطئ للتنشئة الدينية في العديد من الأحوال في عملية توجيه وترشيد النشء.

فعلى الرغم من التحولات الاجتماعية الاقتصادية التي يشهدها المجتمع، فإن منظومة العلاقات الاجتماعية الجوهرية المحددة للنسق القيمي السائد، والمسيطرة حول المرأة ما زالت فاعلة في مجتمع ما بعد تلك التحولات، وعلى الرغم مما نلحظه من مظاهر تغير دور المرأة من حيث تعليمها وعملها، فإنها ما زالت محكومة بمنظومة من القيم التقليدية السائدة في تشكيل أساليب التنشئة الاجتماعية والدينية، وربما السياسية التي يخضع لها الفرد. ومما يزيد في إعادة إنتاج خطاب سلوكيات الأعراف التقليدية عوضًا عن المبادئ الدينية الصحيحة المستنيرة والمنفتحة على عصرها، هو نسبة الأمية الحضارية والدينية والفقهية مرتفعة بين الأسر بشكل كبير؛ مما يحول دون تحصين أبنائهم من خطاب الموروث الثقافي الشعبي الذي وظف الدين في العديد من الحالات لتعزيز بعض الجوانب المتخلفة في موروثنا الثقافي، ومنها حالة «الشكل» و«الجوهر»، ضمن «فلسفة الإسلام السياسي» وفقًا لفكر «ماركس» و«فيورياخ» بين المعتقدات الفلسفية والتقيد الصارم بالفتاوى الدينية.

إن معالجة تيارات الجمود الفكري والتشدد الديني الذي تعيشه بعض الجماعات المتشددة في المنطقة العربية، يتطلب سرعة الارتقاء بنظام التعليم الديني في مختلف مراحله، ويحتاج إلى تطوير مناهجه وطرق تدريسه، بتوسيع مجالات البحث العلمي «النظري» و«التطبيقي» لينسجم مع معطيات العصر، لصياغة نموذج معرفي مستنير يقر حرية البحث والتجريد، ويقبل الآخر، كما يستلزم أن تتبنى الأسر والفضائيات، وجميع وسائل الإعلام أنماط من التنشئة الاجتماعية تقوم على احترام التعددية الفكرية والمذهبية، وتأكيد العلاقة الجدلية بين المجال «التجريبي» والمجال «العقلاني»، والمجال «الديني» لتكون علاقة إيجابية تكرس حرية الفكر والتجريد والإبداع في إنتاج المعرفة. وذلك من خلال المؤسسات التثقيفية والتربوية، وتطوير التنشئة الاجتماعية التي يمكن أن تُسهم في «رسم خرائط معرفية جديدة»، تتيح لنا مواجهة تلك التحديات بفاعلية، بحيث تشمل التعليم بكل أنواعه ومجالاته، وإلى جانب التعليم، وفي علاقة تبادلية معه، هنالك أدوات التثقيف التي تتصل بتعميق «المواطنة» و«الحداثة»، لما من شأنه الإسهام في التخفيف من حدة كل أشكال التعصب الديني وغير الديني، بإشاعة ثقافة التسامح والحوار. وفاعلية أجهزة التثقيف لا تكتمل إلا بفاعلية أجهزة الإعلام الذي لا يهدف إلى الدعاية لحاكم، أو حزب، أو جماعة دينية، أو نخبة عسكرية، مستهدفًا تزييف وعي الجماهير.

كي تغدو كل تلك الأركان (التعليم والأجهزة التثقيفية والإعلام… إلخ)، من ضمن الأدوات الفاعلة في تحديد برامج «المسئولية الاجتماعية» لدى النشء والشباب، ودورها في خلق «ثقافة مجتمعية»، تعبر عن دورهم في مواجهة تحديات الحياة السياسية والعامة، في سياق تاريخي «محدد» و«متنوع»، من خلال أبعاد «الشخصية المتكاملة»، التي قد يتم توظيفها في سياق صورة «الذات» الراهنة، وهي في مجال تأسيس «هوية جديدة»، تستوعب التحول من المقاربة «التاريخية» للهوية إلى المقاربة «الإشكالية أو المشكلانية» Problematic، بحيث تكون مضمونة تلك الصورة، أو محتواها من وعي الأزمات العربية المعاصرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد