في 2011 دخل العالم العربي مرحلة سياسية جديدة بعد انتفاضات شعبية ضد الأنظمة المستبدة التي كانت تسعى إلى تكديس أموال شعوبها في الحسابات السرية والجبايات الضريبية في كل ربوع المعمورة، من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية وتوزيع أفضل للثروات على كافة مكونات المجتمع. المغرب الكبير لم يشكل الاستثناء في المنطقة، بل كان مصدر إلهام، خاصة وأن الشرارة الأولى للربيع العربي انطلقت من تونس قبل أن تنتقل إلى دول أخرى. وقد كان من نتائج الحراك دخول المنطقة فيما يسمى بالفوضى الخلاقة بسبب تآمر قوى خارجية على إنجاح الانتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي لإرهاب شعوب أخرى عن الخروج إلى الشارع. مما وضع تحديات جمة أمام دول المنطقة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار لعودة الحياة اليومية للمواطنين لطبيعتها. في هذا المقال سنتطرق إلى أهمية الاستقرار في المنطقة والتحديات التي تهدده.

الاستقرار الذي ينعم به المغرب حاليًا يعد رأسَ مالٍ غير ماديّ يظهر دوره جليًّا على مستوى استقطاب الاستثمارات الأجنبية في منطقة مضطربة. فدول الإقليم التي تعد منافسة للمغرب على مستوى جذب الاستثمارات تعاني من مخاض ما بعد الربيع العربي. فبعد القمة المغربية الخليجية وتعهد الخليجيين بمساعدة المغرب على جميع المستويات يمكنه أن يستفيد من مليارات هذه المماليك لتطوير اقتصاده وتوفير فرص الشغل للشباب. خاصة المليارات التي ستخصصها السعودية للرؤية الإستراتيجية 2030 لتنويع اقتصادها فيما يتعلق بتحويل صندوق الاستثمارات العامة إلى أكبر صندوق سيادي في العالم بأكثر من تريليوني دولار. والجانب المتعلق بتحفيز الشركات بالاتجاه نحو العالمية باستقطابها للاستثمار داخل المغرب والتصدير للأسواق الأوروبية والأفريقية.

لكن المغرب عانى وما زال يعاني من محاولة قوى خارجية المسّ بهذا الاستقرار باستعمال ورقة قضية الصحراء، إذ دخل الملف هذه المرة في مرحلة حرجة ومفصلية، شهدت تطورات متسارعة ليست كسابقاتها، حركت الدبلوماسية المغربية في جميع الاتجاهات ووضعت جميع الاحتمالات على الطاولة قبل أن تدخل القضية إلى مسارها العادي المعهود، على أساس أن يبدأ مسلسل الضغط من جديد عند اقتراب موعد تجديد مهمة بعثة المينورسو السنة المقبلة. وقد صدر تقرير أمني إسباني في هذا الشأن، ربط فيه الإسبان بين تكوين دولة جديدة في الصحراء باحتمال سقوط الملكية في المغرب ودخوله في الفوضى وعدم الاستقرار، مما يهدد مصالحهم وأمنهم القومي والأوروبي ككل، مما يفسر رفض إسبانيا فرض أي عقوبات أو ضغوط على المغرب بخصوص هذا الملف. في السياق نفسه، يشير المسؤولون المغاربة من حين لآخر إلى أن الصحراء قضية وجود وليس قضية حدود.

من جانب آخر، أدى انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية إلى تحويل الفائض المالي في الميزان التجاري الجزائري إلى عجز خطير يهدد السلم الاجتماعي. إلا أن هذا الانخفاض في الأسعار ستتمكن الخزينة العامة من تجاوزه على المدى القريب والمتوسط باستخدام احتياطاتها من العملة الصعبة واللجوء إلى الاقتراض في حال نفادها. لكن لن تستطيع تحمله على المدى البعيد لكونها تعتمد كليًّا على صادراتها من الطاقة الأحفورية. أما قضية الطوارق في شمال مالي فهي تشبه إلى حد كبير قضية الأكراد في الشرق الأوسط؛ فالأكراد يتوزعون على عدة دول (العراق- سوريا- تركيا- إيران). في حين أن الطوارق ينتشرون في مناطق متجاورة في كل من ليبيا وموريتانيا والجزائر والنيجر وبوركينافاسو. وبالتالي، فأي مكاسب سياسية لحركة تحرير أزواد بشمال مالي ستؤثر على الجزائر والدول الأخرى في نفس المنحى. نفس الشيء بالنسبة لقضية الأمازيغ في منطقة القبايل فكلما حققوا مكسبًا – الأمازيغ – في الجزائر أو المغرب تتم المطالبة به تلقائيًّا في الدولة الأخرى. وقد يكون فيها الانتقال السياسي عسيرًا بسبب الصراع بين أقطاب السلطة العميقة من جيش ومخابرات وغيرهما، حول مَن له الحق في اختيار خلف الرئيس المقعد والذي نتمنى له الشفاء العاجل، السيد: عبد العزيز بوتفليقة، فهو لم يعد يستطيع حتى التحكم في أطراف جسده فما بالك بتدبير شؤون شعب بأكمله. فالجميع يعترف له بما قدمه للجزائر من تضحيات في سبيل استقلالها وها هو يفني عمره في خدمتها. لكن مرضه وعجزه يلزمانه بتسليم مفاتيح قصر المرادية من أجل مصلحة الشعب الجزائري عوض جعل البلد أضحوكة أمام العالم على غرار الصورة التي نشرها وزير فرنسي أثناء لقاء جرى بينهما حديثًا.

عسكريًّا، احتمال الدخول في حرب شاملة مع المغرب لا تبقي ولا تذر، بخصوص قضية الصحراء تظل مستبعدة رغم انسداد أفق حل القضية، لتمسك المغرب بالحكم الذاتي باعتباره أقصى ما يمكن تقديمه وتمسك الجبهة التي تدعمها بالاستفتاء. فخرق إطلاق النار ونشوب الحرب بينهما لن تتدخل فيه الجزائر بشكل مباشر لأن المغرب لن يستهدف أراضيها، فحسب الخبراء لن تكون الحرب إلا أشبه بلعبة قنص واستهلاك للذخيرة الحربية في المنطقة العازلة نظرًا لصعوبة اختراق الجدار الأمني المغربي المحصن بالألغام وبرادارات عسكرية متطورة.

بالنسبة لتونس التي كانت بعد السنوات الأولى من عمر الثورة يضرب بها المثل، تحولت بعد الهجمات المتكررة للجماعات المتطرفة إلى مرتع لإرهابٍ خرب قطاع السياحة الذي يعد قطاعًا حيويًا للبلد. وأصبحت المشاكل التي أدت إلى الثورة أكثر تأزمًا وبدأت رقعة التحركات الشعبية تزداد مهددة بذلك المسار الديمقراطي التونسي.

أما فيما يتعلق بليبيا، فهي الأخرى لا تزال تعاني من الانقسام رغم توقيع اتفاق المصالحة بمدينة الصخيرات المغربية وتكوين حكومة وفاق وطني، إلا أنه كما يقال «إرضاء الجميع غاية لا تدرك» وقد صح القول إلى حد ما على الفرقاء الليبيين، للأسف. فرغم حساسية المرحلة إلا أن كل طرف يريد أن يخرج بأكبر قدر ممكن من المكاسب، بعد أن تذوقوا حلاوة السلطة التي حرموا منها عقودًا. ليبيا حاليًا تحتاج إلى مليارات الدولارات لبناء أسس دولة حديثة. لذلك، فإن أي تبديد لمدخرات النظام السابق التي تم استرجاعها، سيضيع على الليبيين فرصة لا تعوض، إذ إن مداخيل النفط حاليًا متدنية في ظل الانخفاض الحاد للأسعار، ولا تسمح بتحصيل ما هو مطلوب لإنجاح المرحلة. كما أن من يحاول إفشال حكومة الوفاق وإخراج البلد من عنق الزجاجة، سيقدم ليبيا في طبق من ذهب إلى الجماعات المتطرفة ويمهد لتدخل أجنبي مباشر لمحاربة ما يسمى بالإرهاب لتدمير أي حلم في بناء دولة مستقلة تضمن الازدهار والعيش الكريم للمواطنين.

ختامًا يجب أن نشير إلى أن المغرب الكبير لو استطاع التوحد لتمكن من الحصول على مكاسب إستراتيجية من الجار الشمالي وفرض مجموعة من شروطه على فرنسا وإسبانيا، عوض التودد لهما مقابل صفقات هنا وهناك. فتركيا تمكنت من الاستغلال الأمثل لأزمة اللاجئين لتمكين مواطنيها من الدخول إلى أوروبا بدون تأشيرة والاستفادة من امتيازات منطقة «شنغن». لكن للأسف، فالدول العربية لا تجيد إلا تأزيم مشاكلها الداخلية والصيد في الماء العكر، ونادرًا ما تتمكن من حلها دون المطالبة بتدخل أطراف غربية للوساطة. وهذا يُظهِر جليًا ضعف الجسم العربي ووهنه الذي يحتاج سنوات عجافًا للعودة لموقعه الضعيف أصلًا على مستوى العلاقات الدولية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد