يعتبر التكامل الإقليمي من أهم مميزات الألفية الثالثة؛ وذلك نظرًا للفوائد الكبيرة التي أصبحت تحظى بها الدول في إطار التكامل في شتى المجالات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، كما أن العولمة تعتبر أحد أهم ظواهر القرن، وذلك نظرًا للتغييرات الجذرية التي أحدثها على المستوى الدولي في مختلف المجالات الاقتصادية، السياسية، والأمنية، الاجتماعية والثقافية. فقد أصبحت التحديات كبيرة أمام الدول، بحيث لم يعد بالإمكان لأية دولة أن تواجهها لوحدها، فلذلك توجهت معظمها إلى إقامة تكتلات إقليمية فيما بينها ومن بين التكتلات التي عرفتها المنطقة المغاربية، نجد اتحاد المغربي العربي الذي ظهر سنة 1989.

فقد كانت الأوضاع الداخلية التي عرفتها كل دولة من دول الاتحاد على حدى، والعوامل الخارجية من أهم الأسباب التي أدت إلى تصور اتحاد مغاربي، فبالرغم من توفر كل مقومات التكامل، إلا أن مشروع اتحاد المغرب العربي لم يحقق أهدافه بعد سنوات قليلة من تأسيسه، وذلك لعدة أسباب سياسية، اقتصادية وأمنية وأخرى قانونية.

فاليوم أصبحت الرهانات أكبر، خاصة مع تنامي ظاهرة العولمة، وظهور فاعلين جدد على المستوى الدولي، فلذلك يجب إعادة التفكير في تفعيل اتحاد المغرب العربي من أجل مسايرة التحولات الراهنة، والتحديات الأمنية الجديدة في الإقليم المغاربي.

يمكن أن يعتبر عجز الدولة القطرية من العوامل التي عجلت بالبحث عن البديل المغاربي، وهو قيام الوحدة المرجوة، وذلك راجع لعجز النهج القطري عن تحقيق تطلعات الشعوب بالنسبة للتنمية الشاملة، وصيانة الاستقلال الوطني، وحماية الأمن الوطني والقومي. وهو ما جعل الشعوب يشككون في قدرة الدولة القطرية على حل المشاكل التنموية في ظل الصعوبات والتهديدات المختلفة التي تصادفها سياسة التنمية.

فكان من الطبيعي أن تتجه دول المغرب العربي إلى بناء مؤسساتها السياسية والإدارية وإقامة قاعدة صناعية تكريسًا لمبدأ السيادة على ترابها، وهكذا إذا أخذت الدولة القطرية تتجسد في منطقة المغرب العربي، واتبعت كل دولة سياسة تنموية خاصة تتماشى ورغباتها، بل راهنت بإقامة مشاريع تحقق التنمية الشاملة بصفة انفرادية، وهو ما جعل شعوبها تنتظر الكثير منها، بل تلبية ما حرمه عليه الاستعمار، فأخذت على عاتقها مشاكل البناء والتنمية، وعلى الرغم من تحقيقها لعدد لا بأس به من الإنجازات، فقد صاحب كذلك خيبة أمل، وتزايد الشعور بأن الهياكل القطرية أصبحت تحد من أسباب التقدم بحجة أن شرعية الدولة القطرية قامت أساسًا على ترسيخ دعائم الاستقلال من السيطرة الاستعمارية.

يتمثل هذا العامل في تعثر العمل العربي على مواجهة الأخطار الخارجية التي تهدد الأمن العربي، لا سيما بعد أن تبين عدم قدرة العرب في عدة لقاءات فعالة تعمل على تطبيق معاهدة الدفاع المشترك، بل وصل النظام العربي في عقد الثمانينات من القرن الماضي إلى مفترق طرق هام. حيث سادة الانقسام والتصدع، وذلك عقب المصالحة بين مصر وإسرائيل التي توجت بالتوقيع على اتفاق كامب دفيد في سنة 1978 والمعاهدة المصرية الإسرائيلية في سنة 1979. فهذه المعاهدة كانت امتحانًا عسيرًا للنظام العربي الذي كاد بنيانه ينهار على من فيه.

ثم انفجار الاوضاع في المنطقة بما عرف بأحداث ثورات الربيع العربي التي زادت الأمور تعقيدًا وانقسامًا، وزيادة عن ذلك الأزمة الخليجية التي زادت إيران قوة مما كانت عليه سابقًا، وتضعف الدول العربية في هذا الخصام مع بعضها البعض، وإضعاف الدول العربية يعني إضعاف المشروع الوحدوي العربي؛ لأنها تقف متحدة أمام المخطط الإيراني في المنطقة، وبالتالي لن تخدم مصالح هذه الدول، بل تخدم مصالح إيران في المنطقة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا. ومن جهة أخرى، لا يبدو أنها مجرد عاصفة في فنجال عارضة، ولا هو سحابة صيف عابرة لا يعتد بها، بل هو حسب كل القرائن والمؤشرات، أزمة مستحكمة تكمن وراءها أسباب عميقة، ولها أبعاد متعددة، وقد تكون لها تداعيات كبيرة.

وما قد يزيد من تفاقم هذه الأزمة واتساعها في المقبل من الأيام، كونها قد اندلعت ضمن سياق إقليمي ودولي مضطرب وبالغ التعقيد، يتسم على وجه الخصوص باحتدام الحرب الباردة بين الدولتين. ومن خلال كل هذا أصبحت منطقة المغرب العربي مهددة مباشرة بالعديد من الأخطار الخارجية فثورات الربيع العربي التي زادت الامور لها ضمن العوامل الأساسية، وفي ظل وضع عربي متمزق ومتناحر، ولعل في إعادة تفعيل الاتحاد تعويضًا جريًا لمواجهة مختلف الأخطار التي تهدد منطقة المغرب العربي نتيجة لتعثر النظام العربي الجماعي؟

فثورات الربيع العربي كـانت نقطة تحول جوهري في ميزان القوى الإقليمي. في السابق كان هذا النظام يعتمد في تعريفه وقواعده وتفاعلاته على مستوى الفاعلين التقليديين، أي الدول. اليوم نجد أنفسنا أمام فاعلين جدد من غير الدول، كالجماعات الإرهابية الخطيرة، وعصابات الجريمة المنظمة والأذرع المسلحة وأقليات والإثنيات غير الخاضعة للدولة، علاوة على تواجد تنظيم القاعدة وداعش في المنطقة المغاربية، وهو ما يجعل ميزان القوى عرضة للتبدل. وفي هذه الوضعية المتسمة بالسيولة إلـى حـد كبير، تلجأ كل الأطراف الإقليمية والدولية والعابرة للإقليم المغاربي إلى السيطرة وزيادة قدرتها على التأثير.

تعتبر مشكلة الصحراء الغربية من القضايا المهمة والحيوية التي شغلت عددًا من الدول الإقليمية في منطقة المغرب العربي واحتلت مكانتها في الحياة السياسية لدول المغرب على المستوى الرسمي والشعبي بكل معطياتها المحلية والإقليمية والدولية٠ فهذه القضية قد لعبت دورًا سلبيًا مباشرًا في إخفاق اتحاد المغرب العربي، حيث إنه قام دون تسويتها وعرقلته في العديد من المرات. فمع تسارع الأحداث الدولية في العالم، تزايدت الآراء حول ضرورة إيجاد حل لهذه القضية التي يعد تقرير المصير هو الحل السليم لإنهاء آخر مستعمرة في القارة الإفريقية.

أما في الجانب الاقتصادي، فأكدت بعض الدراسات أن ثلثي مبادلات البلدان المغاربية تم مع الاتحاد الأوروبي، وأن فقط 1% من حجم المبادلات التجارية تتم مع بقية دول العالم. إذ تتكون الصادرات المغاربية من البترول والغاز الطبيعي والفوسفات والحديد وبعض المواد الغذائية وفي المقابل تستورد فيه سلع التجهيز والمواد.

النصف مصنعة، تبلغ حوالي 60% في ليبيا، 6% في المغرب، 52% في الجزائر، 5% في تونس و4% في موريتانيا، وهو الشيء الذي يدل على تبعية هذه الدول للاتحاد الأوروبي.

ومن هنا يمكن القول بأن الاقتصاديات المغاربية ظلت مرتبطة بالدول الصناعية إلى درجة أن أصبحت تستورد في شتى المجالات، وهو الشيء الذي أعطى للدول الصناعية قوة كبيرة في مجال المنافسة، حيث أصبحت دول الاتحاد المغاربي هدفًا استراتيجيًا لتلك الدول القوية اقتصاديًا.

فدول اتحاد المغرب العربي تؤكد أن اختلاف مصادر التهديدات الأمنية التي يعرفها إقليم المغرب العربي الواقع شمال إفريقيا وجنوب المتوسط بسبب الجغرافيا السياسية لهذا الإقليم ودورها في ظهور مثل هذه التهديدات هذه الجغرافيا التي جعلت للعديد من الجماعات الإرهابية المتطرفة كتنظيم القاعدة وصولًا إلى داعش في بلاد المغرب العربي خصوصيتهم، فالجبال والصحارى الشاسعة خلقت لهم مجالًا واسعًا للانكشاف الجغرافي والمناورة والاختباء والقرب الجغرافي من أوروبا جعل الجماعات الإرهابية في المغرب العربي أكثر قدرة على التواصل مع جماعات أخرى متطرفة في أوروبا ينتمي إليها الكثير من ذوي الأصول المغاربية، بالإضافة إلى الهجرة غير الشرعية التي هددت جغرافيتها من وإلى هذه البلدان قد ساعد الإقليم أيضًا في ظهور العديد من العمليات كالتهريب والمخدرات وتجارة البشر وانتقال بعض الأوبئة ومشاكل التلوث التي أصبحت تهدد هذا الإقليم بعد سنوات من العشرية السوداء وعدم الاستقرار السياسي والأمني.

ضف إلى ذلك في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعرفها المنطقة المغاربية، إما بسبب انهيار أسعار النفط وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، وفقدان القطاع السياحية مكانته في السوق الوطنية والدولية كمصدر للتنمية المحلية نتيجة تنامي ظاهرة الإرهاب.

كما يعرف إقليم المغرب العربي ظاهرة الإرهاب بشكل كبير لوجود عدة وعوامل أو دوافع أدت لظهور مثل هده التشكيلات منها الاستبداد المحلي و الطغيان الأجنبي وما ينجم عنهما من توتر وشعور بالظلم والمهانة؛ ضف إلى لك بالرغم من التمرد التي تتسم بها قطاعات من الشباب والمراهقين، بل تحول تمردها إلى ممارسة أشكال تقليدية من الجنوح والانحراف لتشرد في الانتقام من المجتمع عبر الانخراط في لعبة الإرهاب، لأنها ترى نفسها مهمشة فكان الإرهاب هو الوسيلة للتعبير عن أفكارها كذلك الاقتناع الفكري بوجوب العمل على التغيير بمنهج عنفي تعرض الكثير منهم إلى ظروف وأحوال اجتماعية خانقة مكنت صفو حياتهم، حيث حرموا حق العمل الشريف في بلدهم فظلوا عاطلين عن العمل فاقدين لمصدر رزق شريف في ظل حراك اجتماعي لا يرحم، فما وجدوا أمامهم أنسب من الانضمام إلى حرية مساحة للتعبير عن مكنوناتهم وغيرها، والتي يمكن تكون سبب في ظهور هذا التهديد.

وتبقي التحديات المربطة بالأمن وفق رؤية مغاربية تراعي بالدرجة الأولى مصالح شعوب المنطقة٠ فمع تدهور الأوضاع الأمنية في منطقة المغرب العربي بفعل الثورات في كل من تونس، وليبيا التي تعرف انفلاتًا أمنيًا كبيرًا، وتهريب كميات كبيرة من السلاح عبر الحدود مع تونس والجزائر، ونتيجة تزايد مخاطر الهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات على الحدود الجزائرية – المغربية، وتصاعد مشكلة الجماعات الإسلامية المتطرفة في جنوب دول المغرب العربي، كما أن هناك تزايدًا في اختطاف الرهائن من طرف الجماعات الإرهابية في كل من ليبيا ودول الساحل الإفريقي، وتصاعد الحركات الإسلامية، ونزعة التطرف في تونس، كل هذه التحديات من الممكن أن نؤدي إلى التدخل الأجنبي في مالي وليبيا مرة أخرى.

فمن خلال تعرفنا لأهم الرهانات الإقليمية والدولية التي تعرفها منطقة المغرب العربي، وتقديمنا لأهم التحديات التي تقف أمام دول الاتحاد وكذلك الملامح الكبرى التي ينبغي التركيز عليها لتفعيل التكامل المغاربي، نستخلص مدى أهمية التكامل وضرورة أخذه بصيغة تتماشى مع مختلف المتغيرات الداخلية والإقليمية، فالتحولات الداخلية التي تعيشها كل دولة من دول الاتحاد قد تكون حافزًا في بعث التكامل المغاربي نحو النجاح، أو هاجسًا له، وبقاء كتكتل محتشم في ظل التبعية الخارجية، ولكن يبقى ضرورة إرساء مقاربة مغاربية مشتركة لمحاربة التهديدات الأمنية التي تستهدف دول المنطقة في ظل التطور الأمني الخطير الذي تعرفته مالي وليبيا، مقترحًا إعداد وبلورة تصور مشترك حول التحديات الأمنية بالمنطقة من خلال تعزيز الترابط بين الدول المغاربية، ووضع التعاون العملياتي في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد