صحيح أن الحديث عن اتحاد فعلي يجمع الدول العربية ويترجم مصالحها المشتركة لا يتجاوز مجرد خطبة عصماء يلقيها رجل السياسة عبثًا بقلوب المستمعين وتلاعبًا بمشاعرهم فتسُر الجماهير بما سمعت وتأسر العيون بما رأت فلا يفارق السياسي الجماهير الحالمة حتى يخلع جبة الوحدة ويلبس رداء الشقاق بمجرد انتهاء الخطاب، إلا أنه من الواضح أن هذه القضية كانت ولم تزل تلهم الأجيال التوَاقة للانعتاق المؤمنة أن الاتحاد أساس الرخاء، وأن قضايا الوطن العربي وآلامه كبيرة لدرجة أن لا تستطيع تحمل أعباءها دولة واحدة بمفردها ومن هنا جاءت فكرة إنشاء اتحاد يجمع دول المغرب العربي.

حلم عالق بذاكرة الشعوب المغاربية

إن الناظر في عبر التاريخ وما حمله لنا من أحاديث يرى أن هذا الاتحاد لم يكن مجرد رغبة عابرة أنتجها وضع سياسي سيطرت عليه النزعة القومية في مرحلة ما بعد الاستقلال، فقد كان لزاما على دول المغرب العربي لملمة شتاتها وتضميد جراحها وتوحيد الجهود في مواجهة القضايا الكبرى مثل قضية التنمية وقد شاء هذا الحلم أن يصبح حقيقة من خلال إبرام اتفاقية إنشاء «اتحاد المغرب العربي» التي جمعت دول المغرب العربي الخمس يوم 17 فبراير (شباط) 1989 وهي تضم خمس دول وهي (الجزائر، المغرب، ليبيا، تونس، موريتانيا) لكن يجب الإشارة أنه لم يكن لهذه الاتفاقية أن ترى النور إلا بفضل التاريخ المشترك والكفاح الذي خاضته حركات التحرر الوطني في دول المغرب العربي خلال فترة العشرينات من القرن الماضي وتوحيد الجهود بينها، والذي توَج بنيل الاستقلال.

هياكل حاضرة بالغياب

تضمنت اتفاقية إنشاء المغرب العربي مجالس ولجان من شأنها أن تبرز دول المغرب العربي كلاعب بارز على الساحة الدولية. فمن أبرز هذه الهياكل مجلس الرئاسة الذي يضم رؤساء الدول المغاربية حيث يجتمع الرؤساء لحل الخلافات السياسية والمسائل العالقة كما يساعد على وضع سياسة اقتصادية إقليمية هدفها تنمية المنطقة المغاربية اقتصاديًا واجتماعيًا أما مجلس وزراء الخارجية فقد كان بإمكانه صياغة سياسة موحدة على المستوى المغاربي، لكن تباين سلم الأولويات للدول المغاربية والتحديات المختلفة جعلت هذا الحلم الكبير يتحطم على صخور الواقع الأليم.

حلم كبير استفاق على واقع أليم

لا شيء يعبر عن واقع اتحاد المغرب العربي أكثر من المثل الشعبي المصري «صباح الخير يا جاري، أنت في دارك وأنا في داري»، فهو المثل الذي يعني الاقتصار على السلام، وتبادل عبارات المجاملة، فلا تنشأ بين الجيران خصومات ولا مناوشات لقرب ذلك من الراحة وبعده عن الشقاق. وهو ما حدث إثر تأسيس الاتحاد الذي لم يتعد لقاءات المجاملة بين بلدان المغرب العربي والبيانات الهشة وتبادل القبل الجافة بين الزعماء وتناست هذه الدول الأهداف التي دعا إليها اتحادها والحلم الذي أيقضته في شعوبها وما كان يمكن تحقيقه بفضل هذا الاتحاد لولا غطرسة حكام المغرب العربي حينًا وإمعانهم في تعميق الخلافات بينهم حينًا آخر مما جعل العلاقة بين هاته الدول هشة متصدعة يحكمها مفهوم المصلحة الوطنية لا مفهوم مصلحة الاتحاد المغاربي، وقد ينتبه القارئ أننا قد أسرفنا في انتظاراتنا من الاتحاد المغاربي وتناسينا أبرز مسائله العالقة.

 مشاكل مزمنة وصراع متواصل

إن الجرح الذي تركته قضية الصحراء الغربية والخلاف الذي اندلع بين المغرب والجزائر وموريطانيا والذي تحول إلى نزاع مسلح اتخذ شكلًا مباشرًا وغير مباشر خلق مشاكل قوضت هذا الحلم ولعلَ عدم بحث الزعماء عن حلول للخلاف وعدم تكلَفهم مشقة الجلوس على طاولة الحوار لحل الصراع لم يزد الطين إلا بلَة إذ بقي النزاع عالقًا دون تسوية أو حل، وهو ما يجعلنا لا نتفاءل بتحول هذا الاتحاد إلى قوة واعدة إذا لم تسع دول المغرب العربي لتجاوز خلافاتها، ولكن الإضافة إلى توتر العلاقة بين أعضاء الاتحاد بسبب قضية الصحراء الغربية يجب أن نشير إلى أنَ العلاقة بين تونس وليبيا فهي ليست أفضل حالًا من العلاقة بين هؤلاء، فلا يخفى على المتابع للشأن السياسي توتَرها منذ صعود معمر القذافي وإبرام اتفاقية الوحدة بين الدولتين في يناير (كانون الثاني) 1974 حيث إن الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة تراجع عن تطبيقها، وهو ما سبب توترًا بين الدولتين لم يهدأ إلا بداية من التسعينات، لكن هذا الصراع عاد من جديد خلال الثورة الليبية إذا تشهد الحدود التونسية الليبية توتَرًا دائمًا بسبب الصراع في الداخل الليبي وحرب المحاور التي تدور داخله.

الحرب في ليبيا… المرآة التي تعكس مدى هشاشة الاتحاد

إن المتابع للشأن السياسي يدرك قصور الاتحاد المغاربي عن اتخاذ موقف واضح من هذه الحرب التي جلبت الويلات على الشعب الليبي، فليبيا هي إحدى الدول الخمس المكونة للاتحاد المغاربي أبرزت عجز الدول المغاربية على المستوى الدبلوماسي، حيث لم تستطع هذه الدول عن عقد اجتماع قمة أو اجتماع مجلس وزراء الخارجية للقيام بدور الوسيط بين الفرقاء السياسين وإنهاء النزاع العسكري الدائر فالاتحاد الذي ولد ميتًا خير لعب دور المتفرج وفاقم عجزه الدبلوماسي على حل الخلافات بين دوله الأعضاء وضعفه على مستوى الاستجابة للرهانات المطروحة ليواصل مسيرة الهروب للمجهول والفشل على كل المستويات والذي تواصل على مدى 30 عامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد