يقالُ إن «الاعتياد يقتلُ الكثير من السحر»، لذا بعد مشاهدة سلسلة هاري بوتر لمراتٍ عدَّة، من الطبيعي أن تصبح التفاصيل الساحرة أخف وطأةً على ذهن المرء المأخوذ بشؤونه اليومية، ويغدو بالإمكان الالتفات إلى العناصر التي سنركزُ عليها لو كان الطرح أقل استخدامًا للخيال وحينها سنقعُ إلى عدة اكتشافات؛ أحدُها أن العلاقة الأكثر أهمية في هذه السلسلة هي علاقة الطالب بأستاذه سواء كان يُدَرِسُه تاريخ السحر الأسود والمشعوذين، أو تاريخ الوطن العربي وقادته، وأن القسم الأكبر من الأحداث يدورُ في مدرسة، سواء أكانت سحريَّة أم لا.

عالم هاري بوتر السحري لم يُبن على أنقاض العالم الذي نعرفه، بل اكتفت جوان ك. رولينغ بذكر أنه عالمٌ يوازي عالمنا، قد تختلفُ فيهما الوسائل لكن الغايات واحدة؛ فبدل السيارة هناك مكنسة طائرة. مما يعني أن جوان قد بحثت عن مكامن السحر في عالمنا، عن زوايا تشي به أو تملكُ مساحةً إضافية بإمكان الخيال أن يجري ضمنها. لذا يُنظرُ بكثير من الفضول إلى اختيارها لهذه الثنائية (طالب– معلم) لتكون إطارًا يحتوي موضوعًا كالسحر، أو -مع الأخذ بعين الاعتبار الإلهام ومزاجيته – في السبب الذي جَعَلَ هذا الإطار ناجحًا للغاية في تلك المهمة. فقد استطاعت أن تقدمُه بطريقة مناسبة تؤطره وتشذبُ عشوائية الاحتمالات التي يفرضها خلقُ عالمٍ جديد دون أن تحرمُه السبيل إلى المتعة، وأن تخلق التوازن الأمثل بين النظام والخيال الجامح، وفي ذلك شبهٌ لما تقوم به المدرسة لأي صبي أو فتاة بأن تُقَدِمُهم إلى عالمٍ جديد يختلفُ عما اعتادوه.

يدخلُ المعلم إلى حياة الطفل ويتعرضُ له بكثافةٍ يومية ويُطلَبُ منه أن يحترمه ويبذل الجهد لينال إعجابه، ويتعلم أن يثق به عندما يقفُ أمامه عند السبورة الخضراء بيده كتاب، وبالأخرى طبشورة، ليرافقه إلى عوالمٍ جديدة، ويمده بمعلوماتٍ بإمكانه الإيمان بها بارتياحٍ لا يُنَغِصُه تشكيك، وتنتقلُ هذه الثقة إلى الأهل فيأخذون بملاحظاته عن أداء طفلهم ونصائحه لتلافي هفواته، وبذلك يكون المعلم الطرف الثالث بعد الأهل الذي يجبرُ الطفل على التعامل مع مشاعرٍ معقدة مثل التقدير والاحترام والحب وغيرها.

تعد المقاييس الحديثة قدرة المعلم على التواصل مع طلابه على مستوى إنساني واجتماعي معين مؤشرًا على نجاح العملية التعليمية، تمامًا كنتائج الطلاب التي نستدلُ بها على كمية المعلومات التي اكتسبها الطفل خلال العام الدراسي. حيث ينطوي التعليم على جانبين، معرفي واجتماعي، ولتطويره تنبغي العناية بهذين الجانبين معًا؛ وبذلك ننتقل به من عملية تقوم على التلقين والإملاء وسلبية الطالب إلى عملية تُشبه التثقيف، فلا تكتفي بمد الطالب بالمعلومات فقط، بل تُدربه على توظيفها ضمن محيطه الاجتماعي باختلاف درجات تعقيده وتطوره وتزوده بالمهارات اللازمة للتكيف.

وهنا قد يأخذُ بعضهم على التعليم أنَّه عملية تشجعُ على النمطية وتقتلُ الإبداع والفردية وتصنفُ الأفراد في فئاتٍ على أساس غير عادل لكن حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطيةً ودعوةً إلى التغيير، وترحيبًا بالفردية سيكون على المرء إثبات نفسه كفردٍ في الجماعة في مرحلة ما من حياته، وسيخضع لإجراءاتٍ غير عادلة، وقوانين لا تعطي الكثير من الفسحة لإظهار فرديته، ويصنفُ على أساسها ضمن فئة يستحقُها أو لا يستحقُها قياسًا مع فرديته، هذا ما يُحتِّمهُ نظام الإنتاج المُعتمد والأنظمة الاجتماعية والثقافية القائمة والمتفق عليها في أي تجمع بشري، وغيرها من عمليات الحشد المعلنة أو غير المعلنة التي يتعرض لها الفرد باستمرار.

وبهذا السياق يكون التعليم وسيلة لتحضير وتدريب المرء على طرق النجاح والنجاة ضمن جماعته ولا يفترضُ بالضرورة اغتيال الهوية بل يمكن لمعلمٍ أو معلمة أن يساعدوا الطفل على اكتشاف مهاراته وإمكاناته؛ أي ما يميزه كفرد بعمليةٍ بسيطة تنطوي على قليلٍ من المراقبة، وإبداء الملاحظات، والثناء والتشجيع.

لكن سوء استثمار الموارد لا يقتصرُ على المعادن والنفط والتربة الّتي تغطيهم، بل يتعداهم إلى العلاقات الإنسانية، حيث تهملُ أو تستغلُ بطريقةٍ جائرة، وكذلك الأمر مع هذه العلاقة فإما أن تفقدَ الكثير من إمكاناتها وتستثمر بطريقةٍ سطحية روتينية، وإما أن تُرَكِزَ على سُبلٍ تنفي في إجراءاتها أن التعليم عملية تُفَضِّلُ الوسيلة على الغاية، وتعتمدُ على الغضب والترهيب والعنف اللفظي والجسدي، لتحصيل النتائج الآنية دون أيّ اكتراث لما قد يترتب عليها لاحقًا.

غالبًا ما يُترك أمر هذه العلاقة للاختلافات الشخصية لذا نجدُ من المعلمين من يحافظ على علاقة جيدة مع طلابه، إما لأنه استطاع اكتشاف فعالية ذلك، وإما لأنه يتمتعُ بشخصية جذابة تثيرُ اهتمام الطفل وفضوله لاختلافها عن نموذج المعلم الصارم التقليدي، ونجدُ كذلك من لا يبالي بالفكرة التي يمتلكها طلابه عنه، أو بالمشاعر التي تسيطرُ عليهم أثناء حصته. مثل هذا العنصر المهم لا يجب أن يُترَك للصدفة، بل ينبغي أن يكون الاهتمام به سلوكًا عامًّا يُدَعَمُ بالأساليب المُستخلصة من البحث العلمي الذي تناول هذه العلاقة، وحدد النقاط التي يجب الانطلاق منها، ودرس الاحتمالات والعقبات التي قد يتعرض لها المعلم أثناء محاولاته لإقامة علاقة إيجابية مع طلابه، كالفروقات الشخصية بين الطلاب في القدرات الذهنية، والظروف المختلفة المحيطة بالعملية التعليمية.

وكذلك إن العلاقة الجيدة والطيبة مع المعلم لا يجب أن تكون مكافأة وحكرًا على الطلاب المجتهدين والذين يظهرون الطاعة وحسن السلوك، بل يجب أن تكون موقفًا عامًا تجاه جميع الطلاب، ولتمييز المجتهد وتشجيع المتكاسل، على المعلم أن يبتكر أساليب أخرى.

مهما بلغت خصوصية هذه الصلة، فإنها كأي صلة إنسانيَّة أخرى، يحتاجُ الطرفان فيها إلى أن يشعروا بالاهتمام والاحترام والتعاطف؛ كي تثمر عن نتائج إيجابية، ولتزدهر ينبغي أن ترجحُ موازين القوى إلى الطالب، وأن يُمنح صوتًا يعبر به عن آرائه؛ أي أن تُبنى المساحات التعليمية وفقًا لاحتياجاته وتغذيتها. لاسيما أن المحافظة على هذه العلاقة الإيجابية يسهل مهمة المعلم أكثر من أي وسيلة أخرى قد يعتمدها لزيادة جاذبية العملية التعليمية، ويكثف شعوره بالإنجاز وبذاته، ويخفف من إرهاقه الفكري والجسدي وآثار الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها أثناء ممارسته لمهامه.

السحر في عالم هاري بوتر لا يقتصرُ على الأحداث والشخصيات، بل نجده كذلك في المشاعر والعواطف التي تصيبنا، كشعورنا بالأمان والارتياح حين يصلُ أحد الأساتذة لحماية هاري ورفاقه من أي مكروه حلَّ بهم، مهما كان عظيمًا، سواء كان هذا التدخل حضورًا معنويًّا على هيئة ذكرى تشاركها هاري معه، أو تعويذة تعلمها منه، أو حضورًا ماديًّا ملموسًا. مثل هذا السحر نجده في إحدى الشهادات الحية ضمن تقرير أعدته منظمة أنقذوا الأطفال بعنوان «ماذا يريد الأطفال في أوقات الطوارئ والأزمات؟ يريدون التعليم» لفتى في الخامسة عشرة من عمره من جمهورية الكونغو الديمقراطية، بقوله إن الالتحاق بمدرسته ساعده على التخلص من «روح القاتل»، التي اكتسبها بعد أن جرى تجنيده لصالح إحدى المليشيات المسلحة، وأخرى لفتى من جنوب السودان بأنه يشعر بالأمان في مدرسته أكثر من منزله.

في عالمنا المتسارع غالبًا ما يأخذ الأدباء على عاتقهم مهمة توجيهنا إلى البقع الخصبة الخضراء من حياتنا، فقد علمت رولينغ أن هذه العلاقة أرضٌ خصبة لغرس عالمٍ من السحر في عقول ملايين المعجبين، وخمنت أنها قادرة على حمل طاقات شعورية وحبكة من الأحداث لا تقدر على حملها أي علاقة أخرى. السحر في خطواته الأولى نية واستعدادٌ نمتلكهما، وهذه الثنائية هي إحدى المعابر التي تنقلنا إلى عالمٍ من السحر والجمال لو قدمنا لها ما تستحقه من اهتمامٍ وحُبٍّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سحرية, معابر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد