معلوم لدى الجميع، أن حقيقة السحر الذي يضر ويمرض الفرد، ويفرق بين المرء وزوجه حرام، وليس فيه من الحلال شيء، ولكن المقصود بالسحر في هذا المقام هو الاستعارة المكنية عن الابتسامة التي تسحر العقول، وتحمل في شُريانها المودة والمحبة، لتروي العلاقات، وتزيل العقبات في التعامل بين الأفراد والجماعات.

 

إشراقة روح وإطلالة نفس

 

فالابتسامة يا سادة إشراقة روح وإطلالة نفس، وصورة فؤاد صافٍ، وبلسم الألم، ودواء الأحزان، ووسيلة اتصال غير لفظية، تحمل في طياتها الكثير من الجمل والتعبيرات الصادقة، وتتغذى عليها النفس والروح؛ لتكون مصدرًا للفرح والسعادة لدى الإنسان؛ فتساعده في إنجاز الكثير من التعاملات التي تظلها المودة والرضا بين الطرفين، وترسم للإنسان صورة جميلة ومظهرًا حسنًا، فتخيل سيدي القارئ أن هناك شخصين يلبسان أحسن ما عندهم من الثياب، أحدهُم تُزين الابتسامة وجهه، والآخر متشائم يكتم ابتسامته ويبخل بها على نفسه وعلى غيره، فأيهما يكون أكثر تأثيرًا؟ وأيهما يكون أكثر سعادةً؟ وأيهما يكون أكثر إنجازًا لعمله؟ أيهما يكون أكثر اكتسابًا لأصدقائه؟ أعتقد أن كل ذي عقل يتفق في أن صاحب الابتسامة هو من يفوز، ويكون أحسن مزاجًا، وأفضل عيشًا، وأرضى نفسًا؛ فابتسامته لم تكلفه شيئًا، ولكنها ظلت في أذهان غيره زمنًا طويلًا.

 

الابتسامة واجب اجتماعي

 

الابتسامة سرٌ آسر، وسلطانُ قاهر، أدرك الطفل بفطرته البريئة سحرها الخلاب، الذي يستميل القلوب، ويأخذ العقول، ويؤثر في العلاقات، فيبثها من حين لآخر لينحني أمام إبتسامته أقسى الناس وأغلظهم، فيجبرك على مبادلته بالابتسامة، والهدوء النفسي، وهو لا يدرك شيئًا، فالطفل الصغير فطره الله وأعطاه الابتسامة لتكون سلاحًا يُسعد به نفسه، ويدخل السرورعلى غيره، فهي حقًّا المفتاح الأول للقلوب، واللغة الوحيدة التي يفهمُها جميع البشر بمختلف أعمارهم، من غير حاجة إلى ترجمة؛ فبها تتلاشى البغضاء، وتذهبُ الشحناء، وتنبعث المودة والمحبة في قلوب الجميع.

فيا سادة، إذا كان الله تعالى فطرنا على الابتسامة، والتبسم في وجه الآخرين، فلماذا نمنعُها عن أنفُسنا وعن غيرنا؟ لماذا نترك هموم الدنيا تتغلب علينا؟ وندع السعادة تذهب من أيدينا؟ لماذا نطفئ شعاعًا ساطعًا يُنير لنا طريقنا؟ لماذا نُضيع جمالًا أعطاه الله لنا؟ فالابتسامة تزيد الوجه بهاء وجمالًا، وتبعثُ في نفس الفرد القدرة على العمل الصالح، وتقربه من النجاح.

أما التشاؤم للحياة يُضيع على الإنسان قدراته ومزاياه، فالمبتسم للحياة أكثر سعادة لنفسه ولغيره، وقادر علي تحمل المسئولية ومواجهة الشدائد، ومغالبة الصعاب، والإتيان بعظائم الأمور التي تنفعه وتنفع غيره من الناس، ويقول أحد الكتاب «إن النفس الباسمة ترى الصعاب فتتلذذ بالتغلب عليها وتعالجها فتبتسم، وتقهرها فتبتسم، والنفس العابسة إذا رأت الصعاب استصغرت همتها بجانبها وهربت منها، وقعدت تسب الدهر والزمان والمكان، فلماذا يسب الدهر؟ وما الدهر إلا مزاجه وتربيته؛ فهذه النفس تريد النجاح بدون أن تدفع الثمن».

 

لماذا نبتسم؟ ولمن نبتسم؟

 

نبتسم لنسعد أنفُسنا وغيرنا، نبتسم لنقاوم ضغوط الحياة اليومية ونتغلب عليها، نبتسم لنزيل العقبات من طريقنا، نبتسم لنتصدق على أنفُسنا ونجمع الحسنات كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، نبتسم محبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نبتسم اقتداءً به والسير على سنته، فعن عبد الله بن الحارث قال: «ما رأيت أحدًا أكثر تبسُمًا من النبي -صلى الله عليه وسلم-» نبتسم لننير طريقنا ونتغلب على همومنا.

 

لمن نبتسم

 

نبتسم لأنفسنا؛ فمن حقها أن ندخل السرور عليها لتنال السعادة، نبتسم للطفل في مهده، والصانع في عمله، نبتسم للصعوبات التي تعترضنا، نبتسم إذا حققنا نجاحًا، نبتسم لأقرب الناس إلينا لإزالة المشاكل والحواجز الوهمية التي يضعها الشيطان.

مثال بسيط يوضح مدى تأثير الابتسامة وقدرتها في القضاء على المشاكل: «تخيل أن هذه المشاكل عبارة عن جبال من الثلج، والابتسامة هي حرارة الشمس، فإذا تصادمت الشمس مع الثلج تكون النتيجة معروفة وهي الذوبان، فكذلك المشاكل، ما إن أصابتها حرارة الابتسامة الصافية إلا وسارعت في الانقضاء، نبتسم لأصدقائنا وزملائنا، نبتسم لكل من نلقاه، فهؤلاء ليسوا مجبرين على أن يروا وجهك العبوس.

فالابتسامة سحرها حلال، ومعدنها نقي، وسماؤها صافية، وأرضُها خصبة، وجبالها لينة، وأشجارُها مثمرة، وبابها الحب، وحديقتها السرور، ونورها الإيمان، وجدرانها الأمان؛ فهي بحق قادرة على تخليص الفرد من اليأس الذي يصد النفس ويعبسُها ويجعلها في سجن مُظلم، فعلينا يا سادة أن ننثر البسمات يمينًا ويسارًا على طول الطريق فإننا لن نعاود المسير فيه مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد