تخترق وعيك، تدخل إلى أعماقك، وتناقش أفكارك، ومعتقداتك، وتدير معركة فكرية بداخلك دون أن تلاحظ ذلك! السينما تلك الشاشة الساحرة التي تستطيع أن تأسر القلوب في ساعات، أبهرتنا منذ الصغر، تجعلك تنسى مشاغلك، وأوهامك الداخلية لتتحد مع صناع العمل، وتصبح جزءًا منه تتلاعب بمشاعرك تسلل إليك خطوة، خطوة، حتى يصير ما تشاهده جزءًا من معتقداتك، وأن بدا لك غير ذلك. السينما هي مرآة المجتمع تنقل قيمه، وثوابته، وتغير فيه ويغير فيها وفق مصلحة المجتمع، هي جزء من «الدبلوماسية الثقافية» لبلدان العالم، وهو ما اعتمدت عليه أمريكا عن طريق «هوليود» في نشر ثقافتها في كل أنحاء العالم. عن طريق تلك الشاشة تستطيع أن تأخذ المشاهد في رحلة لمناقشة قضية معينة، وتحاول إبرازها وعرضها على المجتمع، تستطيع من خلالها أن تحصل على إنعاش فكري في بعض الأحيان، وإن لم يكن هناك شيء ذا مغزى، ستخرج مبتسمًا ابتسامة تعينك على هموم الحياة. أما الآن أصبحنا في زمن «تشوه المصطلحات والقيم»، ندور في فلك الأرقام وحصاد الشباك، لا يهتم إلا القليل بمضمون الفيلم، انتقلت السينما من مضمون فكري معين إلى حاضنة لأفكار سامة غريبة عن المجتمع. ما كان يعتبر غير لائق ولن يعرض، أصبح الآن أمرا عاديا، وعلى المتضرر الانعزال عن المجتمع! نعاني من ثقافة «التهريج الشعبي» وهو الضحك لمجرد الضحك، وكتيرًا ما نضحك حتى لا نعتبر أنفسنا شواذا عن مجتمعنا! طغى علينا الانبهار بالصورة، ولا نلتفت إلى محتوى الفيلم، ونسي البعض أن السينما أداة خطيرة لبناء العقول ورقي الفنان، والمجتمع، ومع سيطرة لغة الأرقام أصبح الرقي والمحتوى في النسيان. قليل من الفنانين من لديه وجهة نظر وهدف، وقد يبتعد فنان عن مناقشة قضية تمس وجدان الشعوب ذريعة أنها لا تساعده علي الشهرة، ولا تساعد المنتج على استرداد أمواله، وأصبح الفن للشهرة والمال. ولا يمنعنا واقع السينما اليوم من رد الاعتبار إلى مفهوم السينما الحقيقي في زمن الفن الجميل، الذي كان يخطف العقل والقلب معا يهتم بالمتعة، والإثارة، بالإضافة إلى مناقشة قضايا المجتمع، الفن الذي ساهم في تغيير القوانين، وجعل اللهجة المصرية المسيطرة على أغلب البلدان العربية التي تتلاشى الآن أمام لهجات أخرى. نتذكر جميعًا فيلم «جعلونى مجرما» لفريد شوقي عن طريقة تم إعادة النظر فى القانون الجنائي المصري، أصدر  قانون جديد يقضي بإلغاء تسجيل السابقة الجنائية الأولى في الصحيفة الجنائية، وهو ما يمنح أي مجرم تائب فرصة للعودة لحياته الطبيعية. وفيلم «أريد حلًا» لفاتن حمامة  1975، من خلاله تم إعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية. والسماح للمرأة المصرية بحق الخلع، والتخلي عن زوجها بشرط التخلي عن جميع مستحقاتها المادية.وأيضاً فيلم «كلمة شرف» لفريد شوقي، وأحمد مظهر تسبب الفيلم في إعادة النظر للحالات الإنسانية للسجناء، واشتقاق قانون جديد يسمح للمسجون بزيارة أهله بضوابط محددة، خاصة الأفراد الذين لا يستطيعون الحركة وزيارة السجين. وعالميًاهناك أفلام ساهمت في تغير القوانين وفتح تحقيقات كانت مغلقة نتيجة ضغط الرأي العام مثل «rosetta» فيلم فرنسي بلجيكي تدور أحداث الفيلم حول فتاة مراهقة تهرب من والدتها المدمنة وتعمل في أحد المتاجر ، بعد عرض الفيلم حذر على أصحاب العمل تشغيل المراهقين بأجر أقل من الحد الأدنى للأجور. فيلم «super size» فيلم وثائقي يتحدث عن الوجبات السريعة، يأكل البطل من ماكدونالدز لمدة شهر كامل، وخلال هذا الشهر يزداد وزنه 15 كيلو جراما، وأصيب بالاكتئاب، وتليف الكبد، ونتيجة لتأثير الفيلم في العامة، اتخذت ماكدونالدز خطوات لمراعاة الطعام الصحي مع غيرها من مطاعم الوجبات السريعة. وفيلم«jfk» يتحدث عن اغتيال الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية «جون كندي» أثار الفيلم الجدل وتم تهديد المخرج بالقتل، ونجح في الإفراج عن الوثائق الحكومية التي وقعها كندي قبل اغتياله، وإعادة التحقيق في الحادث. السينماثقافة الشعوب تجمع بين المتعة والإثارة، تخطف الأنظار، والمشاعر لكن لا يمنع ذلك مطلقا من مخاطبة العقول، وهذا هو سر الفن الذي يبقى على مر العصور «نمبر وان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات