تاريخ السحر مرتبط بتاريخ الحضارة البشرية في بداية حضارته، والإنسان يتجه للسحر لمحاولة السيطرة على الطبيعة المخيفة من حوله، والتي وجد نفسه لا حول له، ولا قوة أمامها، ومن هنا صار الساحر موقرًا مبجلًا من باقي أفراد المجتمع الذين يلجأون إليه في كل مأزق شديد، ولم يكن هذا اللجوء خاصًا بالعامة فقط، بل امتد للطبقة الحاكمة كذلك، ومن ثم اكتسب الساحر مكانة سياسية إلى جانب مكانته الاجتماعية.

والسحر مذكور في أماكن عدة في الكتاب المقدس والقرآن بالإضافة إلى الأحاديث، لذا لا نستطيع بأي حال إنكار وجوده أو قصره على الفترات البدائية من حياة البشر، ولكن المشكلة تقع في تعريف هذا السحر ومدى قدرته على السيطرة على حياة البشر، ثم كيفية الحماية منه.

الحقيقة أن البحث عن تعريف محدد للسحر اتضح أنه مجهود مضن، هذا لأن التعريفات تباينت بين الأئمة طبقًا للاتجاه الفكري لكل منهم، ولكن ما خلصت إليه هو أن هناك مدرستين عامتين في التفكير في السحر، الأولى تقول بأن السحر حقيقي، وتتبنى تعريف «ابن قدامة» وهو أن السحر هو «عزائم ورقى»، وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه»، وهذا التعريف يشار إليه بأنه التعريف الشرعي للسحر، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة تسخير الجن، (كنت قد كتبت مقالًا يعرض رأيًا مغايرًا للمفهوم العام للجن، ولكني لن أتعرض لهذا الرأي في المقال الحالي)، أما المدرسة الثانية فتؤكد أن السحر ليس حقيقيًا، وإنما هو وهم وخداع، وتتبنى هذه المدرسة تعريف «فخر الدين الرازي» الذي يقول أن السحر هو «كل أمر يخفى سببه ويُتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع»، وهذا هو التعريف اللغوي لكلمة «سحر»، السؤال الآن هو أي هاتين المدرستين هي الصواب؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب علينا العودة إلى القرآن والسنة لنرى أي هذين النوعين من السحر ذكر فيهما.

قلنا سابقًا إن السحر ذكر في القرآن والسنة في مواضع عدة لا تسمح مساحة المقال الصغير الإحاطة بها جميعًا، ولكن في النهاية وبتمحيص دقيق نستطيع أن نخلص إلى أن أبرز المواضع التي ذكر فيها السحر تدور في سياق ثلاث قصص بعينها هي التي سنتناولها فيما يلي.

قصة سحرة فرعون

كلنا نعرف هذه القصة عن ظهر قلب، وهي قصة موسى الذي جاء فرعون يدعوه إلى الله ويريه آيات الله من معجزات عززه بها كما في قوله «وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ. وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ» (الأعراف: 104-108)، فلما رأى فرعون هذا نصحوه أن يدعو كل ساحر عليم في البلاد؛ ليتحدى بهم موسى كما تتابع سورة الأعراف في قوله «قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ. قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ. وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ». (الأعراف: 109-114)، ثم جاءت المواجهة كما يلي «قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ، وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ» (الأعراف: 115-118).

الآن دعونا نحلل نوع السحر الذي أتى به سحرة فرعون في هذه الآية والحقيقة واضحة جدًا إذا تمعنا في جملة «سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ»، فالعين هي إحدى الحواس التي ترى الظواهر ومعنى أن هذه الحاسة هي التي سُحرت أن السحر الذي قام به سحرة فرعون هو نوع من الخدع البصرية أو الوهم البصري، ذلك لأنه لو كان سحرًا حقيقيًا يؤثر في القلوب والعقول والأبدان، كما يقول التعريف الأول للسحر الحقيقي الذي ذكرناه فكان الأولى أن يقال «سحروا قلوب أو عقول أو أبدان الناس» أو حتى «سحروا الناس» وكفى، ولكن الله اختار الأعين تحديدًا لربطها بهذا السحر حتى تصبح المسألة واضحة. وقد تكرر هذا المعنى أيضًا في قوله «قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى» (طه: 66)، مرة أخرى نجد الإشارة إلى الوهم والخديعة في كلمة «يُخَيَّلُ».

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لو كان هناك وجود حقيقي للسحر، ألم يكن بقدرة سحرة فرعون الإتيان به وهم أعلم أهل الأرض وقتها بالسحر وأشهر السحرة في التاريخ بدلًا من الاعتماد على خدع بصرية؟

قصة سليمان وهاروت وماروت

نبي الله سليمان آتاه الله من النعم الكثير وأيده بمعجزات عديدة منها تسخير الجن، وحاول الرافضون لنبوته ادعاء أن مصدر معجزاته هذه هو السحر وحاشاه، فدليلنا الأول هنا هو أن سليمان لم يكن ساحرًا ولكنه سخر الجن، إذن فتسخير الجن له لم يكن سحرًا، ومن قال هذا فقد تجنى عليه بمثل ما تجني أهل الكتاب من اليهود عليه واتبع ما تتلو الشياطين، كما في قوله «وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ» (البقرة:102)، وتفسير ما تبقى من هذه الآية صعب لأنها حيرت الكثيرين، ولكن دعونا نحاول على أي حال.

الواضح من الآية هو أن الشياطين علموا الناس السحر، وهذا لم يختلف عليه المفسرون، ولكن ما اختلفوا عليه هو إن كان ما أنزل على الملكين سحر أم شيء آخر، ويمكننا فهم هذا من أداة العطف التي تفيد أن الشياطين يعلمون الناس السحر» و«ما أنزل على الملكين»، ومن هنا نجد أنه منطقي أن نصنف السحر، وما أنزل على الملكين كشيئين منفصلين، وإذا تابعنا الآية نجد أن ما يفرق بين المرء وزوجه هو هذا الذي أنزل على الملكين، وليس السحر. مشكلة هذا التفسير أننا لا نعرف ما هو هذا الشيء الآخر الذي يعلمه الملكان، ولا توجد إشارة أخرى إليه من قريب أو بعيد.

يوجد تفسير آخر أقل إقناعًا، وهو أن «ما» في «ما أنزل على الملكين» هي ما نافية، وليست ما بمعنى «الذي»، أي أنها تنفي أن يكون السحر نزل على الملكين، ولكن هذا التفسير يفشل في توضيح سبب قول الملكين «إنما نحن فتنة» وهما يعلمان الناس.

إذن بالعودة إلى الفهم الأصلي بأن ما أنزل على الملكين هو السحر فعلًا، فالآية لا تذكر أي شيء عن نوع هذا السحر ودليلنا الوحيد على ما يفعله هذا السحر هو أنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا قد يحدث عن طريق أشياء عديدة منها النميمة على سبيل المثال، والتي نستطيع اعتبارها من «سحر» الكلام طبقًا للتعريف اللغوي للسحر. الخلاصة أن الآية لا تؤكد أو تنفي وجود السحر الحقيقي الذي لا ينتمي للخدعة أو الوهم.

اختلف العلماء كذلك في طبيعة الملكين «هاروت وماروت»، فهل هما ملكان فعلًا أم رجلان صالحان أم شيطانان؟ القائل بأنهما ملكان يعتمد على ذكر كلمة «ملكين» والقائل بأنهما رجلان صالحان يعتمد على كلمة «أنزل» التي تعني أنهما كانا على الأرض بالفعل، وأنزل عليهما التعاليم كما أن اسميهما لا يشبها الأسماء المعروفة للملائكة، وفي الحالتين فهاروت وماروت من الأخيار، ولكن كيف يكونا من الأخيار وفي نفس الوقت يعلمان الناس ما يضرهم؟ الواقع أن الرأي الذي أعجبني في هذه المسألة كان رأي أستاذ «بسام جرار» الذي قال أنهما كالصيدلي الذي يعلم الناس الوقاية من السموم عن طريق تعليمهم تركيب السم؛ كي يعرفوا كيف يواجهوه، وبالمثل قد يكون هاروت وماروت مندوبين من الله لتعليم الناس الوقاية من السحر الذي يتطلب تعليم السحر كخطوة أولى، ولكن لأن من يتعلمه يمكن أن يفتن به فهما يذكران أنهما «فتنة» قبل أن يعلما أحد. أما القول بأنهما شيطانان فمستبعد لأن الشيطان الذي يعلم الإنسان ما يضره لا يقول قبلها أنه «فتنة»، لكن المهم أن أيا كانت طبيعة هاروت وماروت، فهذا لا يخبرنا أي شيء عن طبيعة السحر الذي جاءا به أو الذي جاء به الشياطين، ولا يستبعد كونه مجرد تعليم خدع لغواية الناس.

نقطة أخيرة علينا الانتباه إليها قبل أن نغادر قصة سليمان، وهي أن معجزات الرسل والأنبياء هي مخصوصة لهم دون غيرهم من البشر، فلم نسمع أبدًا عن إنسان عادي خرج من النار سليمًا دون أية وقاية، أو عن إنسان يستطيع إخراج ناقة من الصخر، وقد كانت إحدى معجزات سليمان كما ذكرنا سابقًا هي تسخير الجن، فلو أننا اقتنعنا بأن للسحر وجود حقيقي يستطيع به الساحر تسخير الجن فنحن إذن نخالف المبدأ السابق ونجرد سيدنا سليمان من هذه المعجزة العظيمة.

انتهت مساحة المقال ليؤجل باقي الكلام إلى المقال القادم بإذن الله والذي سنعرض فيه القصة الثالثة التي تناولت قضية السحر، وهي قصة الرسول مع كفار قريش، وفيه نتحدث عن واقعة سحر الرسول الكريم، ثم نأتي للجزء الأهم وهو: كيفية حماية نفسك من السحر بصورة فعالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السحر
عرض التعليقات
تحميل المزيد