دعتني من هي عزيزة على قلبي إلى مشاهدة الفيلم السينمائي (محبس) من إخراج اللبنانية صوفي بطرس، في سينما نابلس فلسطين، وأشارت إليَّ أن الفيلم يعكس واقع العلاقة اللبنانية السورية ويعالجها بنمط كلاسيكي، فقررنا الذهاب، متأملًا بأن أراه بعين الحب والعشق، وخاصة أنه يتحدث عن علاقة حب تجمع شابًا سوريًا بفتاة لبنانية، فقدت خالها في الحرب الأهلية اللبنانية السورية، وهو ما جعل والدتها تيريز، وهي زوجة رئيس البلدية، تعيش في ماض أليم، لا يمكنها تجاهله أو حبسه، مخلفًا لها حقدًا كبيرًا تجاه السوريين، وهنا تكمن قضية الفيلم الأساسية ومحوره.

سأختصر حبكة الفيلم بمقولة (حماتو ما بتحبوا)، وهنا تكمن المشكلة الأكبر في علاقة أبدية بين شاب وفتاة يحبان بعضهما البعض؛ إذ بعد عشرين عامًا، لم تتخطَ تيريز، والتي تسكن في قرية جبلية لبنانية، موت أخيها بقنبلة سورية، وتنشغل بالتحضير لزيارة الخطيب المرتقب لابنتها الوحيدة الذي يأتي بصحبة عائلته لقضاء ليلة في منزلها، وعند وصول الضيوف الذين طال انتظارهم عتبة منزلها، تكتشف أنهم سوريون، وتصر على أنّ هذه الخطبة لن تتم مهما حدث.

وبالبحث في معجم لسان العرب عن معنى اسم محبس خاتم خُطْبة أو زواج، وهو حدث الفيلم، وفيما المِحْبَس: مَكَانُ الْحَبْسِ، السِّجْنُ، وهو ما حبست تيريز نفسها عن الآخرين وبقيت مع تاريخها الماضي.

عند الانتهاء من مشاهدة الفيلم، أصبت بخيبة لوقت قليل، لاعتقادي المسبق بأنني سأشاهد لقطات رومانسية بين الشاب والفتاة، إذ لم يشعرني بمعاني الحب السامية التي تجسّدت في نصّ الفيلم، والتي عمَد الفيلم إيصالها، ليتبين في النهاية بأن الحب يسمو على كل روافد العنصرية، التي لا معنى ولا مبرر لها، كما كنت متمنيًا بأن يكون مشهد الشهيد الشقيق لتيريز وإطلالته بالفيلم وحديثه مع شقيقته عبر صورة مُعلّقة في سائر زوايا المنزل، وخاصة أن المشهد غير حقيقي بالنسبة لي، وكنت أفضل أن يأتي عبر التخيلات التي تحدث أثناء النوم، وخاصة أنها وسيلة تلجأ إليها النفس لأشباع رغباتها ودوافعها.

ولكن عند كتابتي للمقال تشوقت أكثر لمشاهدة الفيلم مرة أخرى، لما فيه من معاني إنسانية وصورة فنية وسيناريو جرئ، فوجدت انعكاسًا للواقع الأليم عرضت بطريقة كوميدية، ورسالة مؤثرة تبعث لوجدان المشاهد، وموسيقى عكست معاني الفيلم، وأغنية – جعلتني وحبيبتي آخر الحضور من فرط ما رأتها جميلة – شكّلت ملخصًا آخرًا له، بصوت المخرجة بطرس.

الأغنية الختامية للفيلم، وشارة الفيلم (يمكن) هي رسالته بأنه علينا الإيمان بأنه مهما حدث فإن الحب يشفي، والفيلم بما يتضمن من أحداث بأن الحب قد يكون شفاءً للقلوب من كل الجروح. الفيلم وأحداثه تقول بأن الحب يكسر كل القيود، فهو طاقة إيجابية تستطيع أن تقاوم آهات الماضي، وأن تعزل الماضي عن الحاضر، ويجعلنا نتقبل الآخرين باختلافاتهم الفكرية، الثقافية، المجتمعية، والدينية.

وما يمكن قوله بأن الفيلم نقلنا إلى ذاتنا وعائلتنا، ومجتمعنا العربي، ففيه تشابه إلى حد كبير في واقعنا المحلي في كل دولة عربية، أن يقبل المدني بالريفي وأن يقبل الريفي بالمدني، وأن يقبل الفقير بالغني، وأن يقبل الغني بالفقير، وأن يقبل المسلم المسيحي والعكس، وأن يقبل السوري اللبناني والسوري باللبناني، فأمام سيطرة الطائفية والفئوية والجهوية الضيقة التي سمحت للفكر (الداعشي) بالانتشار والتغلغل في مجتمعاتنا، علينا أن نزرع في أنفسنا الحب وقبول الآخر، وأن نسمو بأفكارنا، ونحن بشر نخطئ ونصيب في أفعالنا وأعمالنا، ولكن أمامنا توبة القبول بالآخر، فلا يمكننا محاربة الفكر الضال، إلا بتغيير منظومة التفكير والتربية بشكل جذري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد