أصبح الكل في العالم، سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، يعرفون كلمة الجهاد، حتى أصبح هذا اللفظ مرادفًا للإسلام يستحضر كلما ذكر الأخير.

أنا لن أدخل في تعريف الجهاد وذكر ضوابطه وأسسه، لكن لدي بعض الأسئلة التي يجب أن تطرح بهذا الشكل وعلى فئة كبيرة من الناس، فقد لا نختلف حول وجوب الجهاد لدى المسلمين ولكننا نختلف جدًا حينما ندخل في التفاصيل، في مثل من نجاهد ومتى وكيف وبمن وتحت أي راية؟ كلها أمور سوف نختلف فيها بالضرورة.

ولا شك أيضًا أن الكثير من الناس يعرفون أن الجهاد نوعان: جهاد طلب، وفيه آيات كثيرة منها المحكم قطعي الثبوت والدلالة، ومنها أيضًا المتشابه وفيها الناسخ و المنسوخ، وفيها من يقصد به فترة زمنية معينة، وفيها من أتى لأجل قوم معينين أو حادثة ما. يعني حكاية كبيرة تتطلب تفسيرًا للقرآن ومختصين في علم الحديث وعلماء دين، ومع ذلك سوف يختلفون ولن نصل إلى فكرة واحدة، لأن الانطلاق سيكون عبر الولاء للجماعة أو الفرقة أو الشيخ أو الذاتية أو الاختلاف الموجود أصلًا لدى الناس أو لأي شيء آخر.

لكن حينما نأتي إلى النوع الثاني من الجهاد وهو جهاد الدفع، قد نتفق كثيرًا فيه، ولن يكون لنا ذلك الاختلاف حول جهاد الطلب.

أيضًا لنسهل الأمر تمهيدًا للسؤال، سوف لن أتحدث عن جهاد الجماعات، مثل القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام التي يصطلح عليها باسم داعش، ولن أتحدث أيضًا عن جبهة النصرة ولا عن أي جماعة أخرى مسلحة مهما كانت، بل وأكثر من هذا لنسلم أن هذه الجماعات كلها على خطأ وأنها لم تفهم الجهاد كما يتحدث عنه الإسلام.

بالمختصر أي أننا لن نتحدث عن جهاد الطلب ولن نعطي الحق لأي جماعة مسلحة أخرى، فقط نتحدث عن جهاد الدفع، هذا الأخير الذي يعني بكل بساطة: الدفاع المشروع عن النفس والمال والعرض والأرض حينما ينتهكون من طرف أيًا كان، يعني هنا أن الإسلام يجيز لك استخدام القوة لأجل أخذ حقك لأنه ببساطة حقٌ اغتصب ويجب أن يسترجع (يعني مفيهاش علم كبير!).

السؤال هو: بعد أن استثنينا في حديثنا جهاد الطلب وكل الجماعات المسلحة، أين هو دور الجيوش النظامية للدول الإسلامية في الدفاع؟ والدفاع فقط عن الأراضي التي تستباح من طرف المعتدي؟ بل السؤال الأكثر دقة: أين هي الجيوش النظامية للدول الإسلامية التي يجيز لها الإسلام الجهاد بل ويأمرها بدفع العدو وقتاله لأجل استرجاع الحق في كل أرض اغتصبت وعلى رأسها فلسطين؟

يقول أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه الجميل المفيد: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم: إن من أسباب تأخر المسلمين هو البخل بالمال لنصرة الإسلام والجهل وفساد الأخلاق والخوف والفزع من العدو.

وهذا ما ينطبق حقًا على رؤوس جل الدول الإسلامية، خوفهم من العدو وبخلهم بالمال وفساد أخلاقهم وجهلهم هو الذي جعلهم يشترون السلاح لأجل التباهي وليس لأجل النصرة. وإذا كان كلامي ليس صحيحًا فما يمنع رؤوس هذه الدول من إرسال جيوشها التي وجب عليها القتال لأجل دفع الصائل؟

لا تقل لي يجب أن ننشئ جيلًا وأن تنشئة الأجيال أهم من نقد الحكام، وأنه يجب إصلاح النفوس أولًا قبل كل شيء. سأجيبك بنعم ومعك كل الحق، لكن يجب أن تقال كلمة الحق على الأقل وصفًا، فالحكام سبب الجهل وسبب الذل وسبب الخوف وسبب المهانة وسبب الاستكانة، انظر يا أخي إلى فلسطين، لماذا لم يتم الدفاع عنها ورفع الصائل عنها وهو مشروع، بل هو واجب سيسأل عنه كل حاكم لأن بيدهم القوة التي سلمنا في حديثنا أنها تكون لهم فقط باعتبارهم جيشًا نظاميًا.

يقول سيد قطب رحمة الله عليه: إن هذه الجيوش العربية التي ترونها ليست للدفاع عن الإسلام والمسلمين وإنما هي لقتلكم! ولن تطلق طلقة واحدة على اليهود. دعك من سيد قطب ودعك من تاريخه وحتى مع الإخوان، لكن كلامه يصدق واقعًا وهو فعلًا كما قال، هذه الجيوش لن تقاتل لأجل الإسلام ولن تقاتل لا طلبًا ولا دفعًا.

فأقول للذين يدافعون عن الحكام ويستميتون دفاعًا عنهم، أجيبونا لماذا لا تتحرك الجيوش أو على الأقل لماذا لا نسمع أصواتهم للدفاع عن قضايا الأمة حينما يصيب الأمة خطب ما؟ لا تقل لي إنهم أدرى وهم يمتلكون حق الرد ووقته، ففلسطين منذ الأربعينيات محتلة ولم نسمع لهم همسًا. اعذروني لكن دفاعكم عنهم فساد بعينه ولو كانت نيتكم الحفاظ على الأمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد