كعادتي اليومية بعد انتهاء العمل والعودة إلى المنزل لا أجد ضالتي سوى في الاتكاء على أريكتي في مكتبي ومتابعة البرامج الحوارية وما أكثرها، واليوم وأنا أتابع أحد اللقاءات التلفزيونية على فضائية “أنا الثورة” كان هناك لقاء مع وزيرة العمل وهي تتحدث عن ضرورة إصدار قانون يتيح للعمال مشاركة صاحب رأس المال في الربح، واقتراح من مقدم البرنامج بأن تكون نسبة الربح السنوية 10% من صافي الأرباح. وسط  معارضة قوية لرجال الأعمال وانقلاب قنواتهم المملوكة لهم على الحكومة ومعارضتهم لإصدار القانون.

 

دخلت بنتي ذات العشرين ربيعًا وهي تتمتم بأن هؤلاء الوزراء لا يدرون بهموم العمال ولا الكادحين وأن تلك الثورة لم تزد المصريين إلا همًّا على همهم، وأن لا ثورة إلا ثورة يوليو 1952 فهي من ناصرت الفقراء والعمال والفلاحين.

 

فقاطعتها بنظرة ثاقبة من تحت نظارتي الطبية مستغربًا من حديثها حتى داهمتني بسؤال استنكاري: من تلك، وما هي خبراتها، ومن الذي أوصلها إلى هذا المقعد الرفيع حتى تُنَظَّرَ علينا هكذا؟

 

قلت لها إنها ماهينور المصري وزيرة العمال، وأحد رموز ثورة يناير ولها تاريخ مشرف في النضال من أجل حقوق العمال والمهمشين. فقالت بثقة إن المذيعة “رولا منير” فضحتها على الفضائيات وقالت إنها كانت من نشطاء السبوبة وكانت تمول من الخارج لإسقاط الجيش المصري، وإنها من أوائل من أطلقوا شعار “يسقط حكم العسكر”، فكيف لنا أن نعقل أن تكون في الحكومة بعد انقلابكم على ثورة الثلاثين من يونيو وتجلس في اجتماعات المجلس جانب السيد المشير “عبد الرحمن الفولي”!!

 

قلت لها يا صغيرتي وقتها كنا في مخاض ثورة  قامت بالأساس ضد قيادات الجيش الفاسدة وليس ضد الجيش المصري العظيم الذي نكن له جميعًا كل الاحترام والتقدير، وأن الثورة في مهدها كانت تهتف بأن الجيش والشعب يد واحدة، ولكن مع سوء إدارة الجيش للبلاد خلال ثمانية عشر شهرًا غضب الثوار من قيادات الجيش ومن طريقة إدارة البلاد خلال تلك المرحلة الانتقالية، وطالبناه بأن يبتعد عن السياسة ويترك الحكم للمدنيين وأن يتفرغ لدورة العظيم في الدفاع عن مقدرات الوطن.

 

ثم إن ماهينور تلك التي لا تروق لكي كانت من أوائل من وقفوا في الشارع لفضح وزارة الداخلية فيما حدث لخالد سعيد أحد أهم الأسباب التي عجلت باندلاع ثورة يناير، كما أنها واحدة من أهم المدافعين عن قضايا العمال في مصر. لكِ أن تتخيلي أنني حينما كنت أشارك في أي تظاهرة لقضية عمالية لأي فئة كنت أجدها أول من تكون هناك تكتب اللافتات ويصدع صوتها عاليًا بشعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وكثيرًا ما سجنت ظلمًا ونضالها جعلها أيقونة لكل جيلنا.

 

فردت بحدة: تلك الكلمات من الممكن أن تنطلي على جيل التسعينات بينما جيلنا لا يعبأ بتلك الترهات لأن جيلكم كان مغيبًا وغير مطلع مثل جيلنا. لقد تركتم عقولكم لثلة من الفضائيات والصفحات الإلكترونية المضللة. نحن لم نعاصر ثورتكم حقًّا ولكن الإعلام يقدم لنا  دليل خيانتها وكفانا ما نشاهده من حلقات تليفزيونية مسجلة للأستاذ “أحمد موسى” والأستاذ “وائل الإبراشي” وثورتهم الإعلامية آنذاك، وذلك على قنوات “تحيا مصر” المتخصصة والتي تعاد لنا من أجل مجابهة محاولات تزوير التاريخ التي تعمل عليها تلك القنوات العميلة للأمريكان والتي تحاول تثبيت أركان نظام ثورة يناير بأي ثمن.

 

ماذا لو تركتم ثورة الثلاثون من يونيو تكمل تحقيق أهدافها كما وضعها السيد المشير الذي أجهزتم على أفكاره ومشاريعه التي لم تكتمل، وعلى رأسها جهاز العلاج من فيروس سي والمليون وحدة سكنية والعاصمة الإدارية!!

 

وهنا أفقت للحظات من غفوتي وأنا أقلب في صور ماهينور المصري وإسراء الطويل وأحمد ماهر وحسام البخاري وغيرهم من المناضلين القابعين في سجون الظلم. وانتابتني حالة من الذهول من هول ما سنلاقيه من قسوة التاريخ الذي صنعناه بأيدينا وبدمائنا أبيض ناصعًا كقلب شهدائنا ومعتقلينا ليكتبه أعداؤنا أسود قاتمًا ليشيطنونا أمام أحفادنا.

 

أين نحن من صناعة إعلام بديل يسطر تاريخ الثورة، ويعظم من رموزها الذين ضحوا من أجل مصر وحريتها وإلى متى ننتظر؟ فهذا هو حالنا حتى لو نجحت ثورتنا في الوصول إلى سدة الحكم طالما تركنا أدوات اللعبة في يد دولتهم العميقة الفاسدة. فنحن لم نحرك ساكنًا في السعي وراء إقامة مؤسسات إعلامية تشدو بصوت الثورة وأهدافها.. أفيقوا يرحمكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد