«التراث الفلسطيني»، تُرى ما قد يتبادر إلى ذهنك حين تسمع هذه الكلمة؟

قد تفكر في المسجد الأقصى ومصلاه القبلي وقبة الصخرة المشرفة، وقد تفكر في الحرم الإبراهيمي الكائن في الخليل، أو أطلال القصور الأموية في القدس المحتلة وغيرها من أرجاء فلسطين، وربما حتى تفكر في المنسف والمسخن والمقلوبة وغيرها من الأطعمة الفلسطينية المأثورة.

قد تفكر في كل هذا أو غيره، لكن من المؤكد أنك لن تفكر في «بالستين بوست» كجزءٍ من التراث الفلسطيني المأثور.

في التاسع عشر من يونيو/ حزيران الماضي، استقبل الملك سلمان محمود عباس في جدة، كالعادة لـ «التباحث حول القضية الفلسطينية والقضايا الإقليمية، وتقوية أواصر التعاون بين الشعبين… إلخ»، وغير ذلك من تلك الأسطوانة التي لا يملون على ما يبدو من إنشادها على آذاننا.

وفي مستهل الزيارة قدم محمود عباس رسمًا لقبة الصخرة في إطارٍ ذهبي ونسخةً مؤطرة من عددٍ قديم لصحيفة «بالستين بوست» الصهيونية كجزءٍ من التراث الوطني الفلسطيني!

محمود عباس، الحاصل على دكتوراه في تاريخ الصهيونية من كلية الدراسات الشرقية في جامعة موسكو؛ يقدم نسخةً من جريدة أسست للصهيونية، ومثلت أفكارها في فلسطين كهديةٍ قيمة وتراثٍ عبق استحق من علو شأنه أن يُقدم إلى جانب لوحةٍ لقبة الصخرة المشرفة!

«بالستين بوست»، «جروزليم بوست» فيما بعد، جريدة صهيونية أُنشئت في عهد سلطة الانتداب البريطاني؛ لتتحدث عن لسان الصهيونية، وتدعو إلى غايتها بإقامة وطنٍ قومي لليهود على الأراضي المقدسة.
في فبراير/شباط 1948، قامت الحركة الوطنية في فلسطين بتفجير مقر الجريدة في القدس كردٍّ على أفكارها المعلنة وتمثيلها للدعوات الصهيونية، وأيضًا كرد على أسلوب عمليات التفجير والسيارات المفخخة الذي اتبعه الصهاينة في تلك الآونة.

هل كان محمود عباس يعلم؟

بالطبع كان يعلم، وإلا فإن الرجل لا يعلم شيئًا عن الموضوع الذي حصل فيه على درجة الدكتوراه، عوضًا عن تاريخ بلاده وكفاح شعبه الذي على ما يبدو أن عباس لا يأبه له كثيرًا.

تتوالى سقطات الرجل واحدةٌ تلو أخرى، وهو لا يجد غضاضةً في سقطاته الكثيرة، بل ويعيدها على مسامع الحاضرين في حال لم يسمعوه جيدًا.
والرجل سقطاته لا تُحصى في الواقع، بدءًا من كونه مهندس اتفاقيات أوسلو مع العدو الصهيوني، التي أسست للتخلي عن خيار البندقية، والقبول بسياسة الأمر الواقع التي يتقنها الإسرائيليون جيدًا، وصولًا إلى مواقفه من الانتفاضة والأحداث الدائرة في القدس، وتصريحاته بخصوص رفضه الكفاح المسلح ومعارضته للانتفاضة، وأحاديثه الودية الدافئة مع مسؤولين وصحفيين إسرائيليين، وتصريحاته المتتابعة التي تتغزلهم دائمًا، وتقدم تنازلات بالجملة.

لا أملك حقًّا إلا أن أُسيء الظن بالرجل، وكل المسارات التي تتخذها أفعاله لا تقودني إلا إلى ذلك، وكل مساراته السياسية توحي بأنه وزيرٌ في حكومة الاحتلال، وليس رئيسًا للسلطة الفلسطينية وممثلًا عن الشعب الفلسطيني، ومتحدثًا باسمه وباسم قضيته، لأن القضايا على ما يبدو قد اختلطت، وكذلك التراث فصار محمود عباس يرى صحيفةً صهيونية على أنها تراثٌ ثمين يجب الاحتفاء به وتقديمه كهديةٍ ثمينة أيضًا.

ربما لو أتعب الرجل نفسَه قليلًا بالذهاب إلى بلدته ومسقط رأسه صفد في الداخل المحتل، والتقط حجرًا من قارعة الطريق لكان أثمن وأغلى وأقيم بكثير من تلك الورقة القديمة التي اختارها محمود عباس من أرشيفٍ ما كائن بمقر المقاطعة، أو ربما من إحدى سلال القمامة في القدس القديمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد