محمود بدر؛ ذلك الشاب الذي قفز إلى الأضواء فجأة في نكبة الثلاثين من يونيو؛ ليقود حملة ممولة من حيث لم نكن نحن المصريين نعلم وقتها، أسموها «تمرد»، ضد رئيس منتخب، ببنود طغى عليها الكذب، والافتراء؛ لتقود مصر في نهاية المطاف لما آلت إليه أمورها من «تشرد».

شارك بدر في مشهد الانقلاب باعتباره ممثلًا لشباب مصر، ثم في دستور 2014، ثم نائبًا بمجلس الشعب، ورجل أعمال يقيم مصنعًا حكوميًّا للأغذية المدرسية، بشراكة وزارة الزراعة، مع وزارة التربية والتعليم، على أرض أصدر رئيسه الذي انقلب لأجله قرارًا، بتغيير غرض استخدامها من الإنتاج الزراعي إلى المنفعة العامة.

أصبح محمود بدر خريج «أكاديمية مودرن» رمزًا للشاب المصري الوطني المكافح العصامي، الذي بنى نفسه «بنفسه»، وصار مسموع الكلمة، فلِم لا يُعلم الأجيال التاريخ، ويترك بصمته؟!

كتب بدر على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» تغريدة ملهمة، لكل من يريد أن ينسلخ من تاريخه، يقول بدر: «عرفوا العيال يعني إيه التتريك، وإزاي أمهر الصناع والزراع طلعوا عالأستانا، وأجبروهم يسيبوا بلدهم، علموهم إنه كان اسمه الاحتلال العثماني مش الفتح العثماني لمصر، علموهم إن الأتراك سرقوا خيرنا، وعمالنا، وإننا قاومناهم كمحتلين زي ما قاومنا كل احتلال جيه على بلدنا» ويذيلها بهاشتاج #الاحتلال_العثماني_لمصر.

وأقول، إن كل بلد ترى في نفسها القوة؛ تريد أن تتوسع على حساب مجتمعات ضعف حكامها، واهتراء إدارتها منذ قديم الأزل؛ فتزيد مكاسبها، ويتسع نفوذها، وتحكم سيطرتها.

ولكن أتعلم يا بدر أسباب ضم مصر للدولة العثمانية غير ما ذكرت؟! هل تعلم أن مماليك مصر فتحوا بلاطهم للمتمردين ضد الدولة العثمانية، وهل تعلم أن المماليك منعوا مرور الجيش العثماني من أراضيهم لمواجهة المد الشيعي الصفوي؟ وهل تعلم أن جيش المماليك بعد انكساراته أمام البرتغال جعل من مصر مطمعًا ومرتعًا، وهل تعلم أن من حكموا مصر من العثمانيين كانوا مسلمين مثلك؟، وتصدت جيوش إمبراطوريتهم للحملات الصليبية في فتوحات وصلت للعمق الأوروبي، وحتى أسوار فِييَنَّا؛ فحموا العالم العربي من الاحتلال لمدة أربعة قرون كاملة؟، هل تعلم أن جيوشهم تصدت لحملات برتغالية، وأوروبية على الشمال الأفريقي، وشكلت صداعًا مزمنًا للغزاة؟، هل لديك أدنى فكرة أن تلك الجيوش وصلت إلى الهند وإندونيسيا؟، وهل تدري أن ذلك الضعف، والترهل، والظلم، والفشل الذي تتحدث عنه أنت وغيرك ما كان إلا في القرن الأخير من عمر الخلافة التي امتدّت ستمائة عام؟ ولا يعقل أبدًا أن تستمر خلافة فاشلة كل هذا الوقت!

هل تعلم يا بدر أن السلطان سليم الأول حين استقدم الصناع، والحرفيين المهرة إلى الأستانة؛ ليقوموا ببعض الأعمال أمرهم بالعودة بعد ثلاث سنوات، ولكنهم ماطلوا للبقاء؟؛ فأصدر فرمانًا لإرغامهم على العودة؛ مفاده أن من يعارض أمر السلطان سيتم إعدامه، ولكن من وضعوا المناهج التي درستها ذكروا الذهاب، ولم يذكروا العودة.

ثم إني أسألك؛ ما رأيك في عقول المصريين الزاهرة التي بسبب نظام تذوب فيه حبًا؛ يسعى الشباب الآن إلى الهجرة، غير طامحين في العودة، وتركوا المجال للعظماء أمثالك، ولعلماء الكفتة؟!

وبمناسبة أن الأتراك سرقوا خيرنا، أتدرى يا بدر أنه في أسوأ مراحل العثمانيين بمصر، أغلق الملك فاروق منجم السكري بعد أن علم أنه يحتل المركز الثاني في جبال الذهب على مستوى العالم؛ ليحفظه للأجيال القادمة!، وبفضل انقلاب يوليو صرنا لا نعلم عنه إلا أنه صار ترتيبه العاشر، فهل نعزي هذا النقص إلى المصريين أم الأتراك؟

معلومة صغيرة أود أن أضيفها إليك أيها الشاب؛ فمصر لم تقاوم فاتحًا عربيًّا إسلاميًّا من قبل، سواء كان تركيًّا أم حجازيًّا أم عراقيًّا. ربما يكون المصريون جاهلين، أو غافلين، أو أميين؛ ولكنهم كانوا وما زال منهم من يملك الإسلام بوصلة له، يتوجه بقلبه حيث يستقر عقربها، فمَنْ واجه الزحف العثماني لم يكن المصريون، بل كانت جيوش المماليك.

وإن أردت الحديث عن الاحتلال العثماني، إذًا فلتؤرخ لنا أيها «البدر» لاحتلال الخلافة الراشدة، والأموية، والعباسية، والمملوكية؛ ولتسهب وتعلمنا حتى تفرغ للعثمانية؛ فهناك من يحتاجون إسهاماتك التحليلية العميقة؛ ليحطموا كل صرح ارتفع في تاريخنا الإسلامي في عيون براعمنا الصغار .

وبمناسبة الحديث عما يجب أن نعلمه لأبنائنا؛ فإن الممسوخين الكبار في تاريخ الانقلاب السابق، علمونا أن الملكية عصر الظلام، وأن الملك كان خائنًا متواطئًا مع الإنجليز، بل وكان زير نساء، وأنه قتل الجنود في فلسطين بصفقة أسلحة فاسدة؛ قلبوا المفاهيم، وعلمونا أن الانقلاب مرادف للثورة، علمونا أن روابط القومية هي الفيصل، ومحوا رابطة الدين.

نسبوا إنجازات عصور ولت إليهم، وألصقوا كل نقيصة بمن هم ليسوا من مجلس قيادتهم، حولوا نكسة إلى موقف عظيم مهيب مشرف، تباكوا على من فرط في الأرض؛ لتنكمش مصر حجمًا، ولتقزم مكانة، علمونا أن الحرب لاسترداد الأرض شرف، فحاربنا ومتنا، وعند النصر باعوا رفاتنا، واليوم رسخوا في الأذهان أن كلمة خلافة هي مفردة شائنة، لا يصح نطقها، تخص فقط فئة قالت ربي الله؛ فخوّنوها.

صارت الخلافة محض تاريخ رجعي، وقد بتنا نترحم في عهودهم على أيام الجاهلية، وشهامة أبي جهل؛ فخرجت أجيال من بين ظهرانينا، لا تدري معنى الولاء، ولا الانتماء، ولا يعوا ما معنى أن الشرف مع الموت أفضل من الحياة مع العار، أجيال آذانها أقماع تتلقى دروس الخسة من إعلام موجه، ومن تاريخ مزيف، ومن مناهج مدرسية منقحة؛ لخدمة تاريخ حكام الأمر الواقع، ومن مؤرخين ذوي ماضٍ «مشرف» في دعم المذابح، و«ألقاب» سطرها التاريخ.

كل نظام غير شرعي يفرخ جيله الخاص، من بيض أرملته السوداء، فيأتي هذا الجيل باعتباره عصيرًا للممسوخين الكبار؛ ليكمل المسيرة، ويشوه التاريخ الحديث؛ طمعًا في رضا فرعون اليوم، وما قد يغدق عليه به من خيرات، ولكنه لا يدرك أن فرعون لا أمان له، ففي لحظة قد يقطع يديه وأرجله من خلاف، أو يصلبنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

coup, Egypt, history, politics

المصادر

تغريدة محمود بدر
القصة الكاملة لمصنع محمود بدر
تاريخ مصر العثمانية
سليم الأول
عرض التعليقات
تحميل المزيد