في زنازنهم ظلمة القبور، وفي تعذيبهم يموت الضمير، ويتحول السجان إلى شيطان لعين لا يعرف سوى السب والشتم اللئيم، وفي شهوتهم، وكأنهم حيوانات تثور، وطعامهم يجرح الحلوق، وكأنه حنظل وزمهرير هم أصحاب السلطة والنفوذ المزعوم، فلا يوجد في سجونهم فرق بين ظالم ومظلوم، بين عاقل ومجنون، بين رجل وامرأة أو حتى طفل ومسن، يكفي أنه وجد في زنازنهم حتى يمارسوا ما يحلو لهم، بدون شفقة، ولا رحمة، فالتعذيب هو هوايتهم ورائحة الدم والجثث المتفسخة، هواؤهم يتحول كل شي في زنازنهم لعدو عند المعتقلين، حتى الهواء والطعام والماء وحتى النوم يصبح عدوا.

ملف المعتقلين ليس بالأمر الجديد، ولا الترتيب الحديث بين ملفات النظام المجرم، مجرد أن تعرف مكان السجن ليتكلم الواقع عن نفسه، فسجن تدمر الصحراوي، وهو كاسمه صحراوي، من أشهر وأسوأ السجون السورية عبر حكم الأسدين (بشار وأبيه حافظ). التاريخ يعيد نفسه ففي عام 1980 وعام 2011 ففي الثمانينات ارتكب الأب المجرم سبع مجازر، وجعل من صحراء تدمر، مقابر جماعية للمعتقلين بتهمة الإسلام، وحضور دروس شرعية بأساليب تعذيب فظيعة ومختلفة نهايتها الموت، حيث كان يصل عدد الموتى المعتقلين حوالي 250 معتقلا، وجميع أوامر الإعدام بتوقيع من وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس كانت مساحة الزنزالة أربعة أمتار وأكثر من مائة شخص في غرفة ينعدم فيها حتى الهواء والماء والخبز، وبدون إضاءة وتعذيب ورائحة الدماء والجلود المتفسخة من التعذيب حاضرة.

هذا كان أحد السجون والسجن الأكثر شهرة وقسوة ( صيدنايا)، الصندوق الأسود، مجزرة تم التعتيم عليها منذ عام 2008، وفتح الملف 2015 في ظل الثورة السورية كشفت الحقيقة كان السجن يضم مئات المعتقلين، وأغلبهم (الإسلاميين)، وفي نهاية 2015، أصبح عدد المعتقلين 1200 معتقل تقرييًا، إضافة إلى عشرات المعتقلين في فترة الثمانينات.

علي خير بك، اسم لن ينساه المعتقلون من الإجراءات التي اتخذها مدير السجن منع الزيارات والمبالغة بالعقوبات وأساليب التعذيب وقطع الكهرباء لعدة أشهر. ففي 2008 كان السجن يمر بمرحلة صعبة؛ مما رفع موجة الاحتقان بين السجناء وإدارة السجن بعد مداهمة قوى الأمن للسجن في جولة تأديبية فوجئ السجانون بخروج الأمور عن السيطرة لم يتخيل أحد ما حدث هرب علي خير بك، وحاجز الخوف لدى السجناء بدأ بالانكسار، فلا شيء يخسرونه سوى قيودهم.

طالب قيادي بالتيار الإسلامي لقاء بشار الأسد، معولين على أن اللقاء سيلبي مطالبهم، وسرعان ما توصل السجناء بالاتفاق مع الدولة لإنهاء التمرد، وشمل إنهاء الإجراءات التعسفية، وفتح الزيارات، وتحسين ظروف الاعتقال، وإعادة النظر في المحاكمات، ووافقت الدولة على المطالب التي شكلت صفقة شخصية لعلي خير بك.
وفي مارس (أذار) 2008 شهد السجن حالة من الفوضى والتساهل الزائد لحركة السجناء لتنقل الصورة إلى القيادة بأن السجن لم يعد سجنًا، ولا بد من الانتقام، وجاء يوم الحسم مارس (تموز) 2008 اقتحام الشرطة العسكرية السجن فجرا، لكن الهجوم فشل، وسرعان ما سيطر السجناء على أفراد الشرطة من جنود وضباط؛ مما دعا الدولة للاستنفار وفرض طوق أمني وعسكري حول السجن؛ ليبدأ إطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع، ومن ثم اشتعال النار في السجن، وما أن انقشع الغبار حتى باتت الكارثة قتلى بصفوف السجناء وأفراد الشرطة، ويقدر العدد بين الثلاثين، إضافة إلى الجرحى.

 بنفس اليوم تم عزل علي خير بك، وتعيين العميد طلعت محفوظ، وتم الاتفاق على تسليم المحتجزين من شرطة وضباط مقابل إخلاء الجرحى والمصابين إلى المستشفى تشرين العسكري، وبدأت أزمة جديدة تعرض المصابين لجولات من التعذيب والاضطهاد حتى منهم من مات تحت التعذيب وهم بالمستشفى.

 بدأ صبر الدولة ينفذ من صمود السجناء إذ أطبقت حصارا كليا على السجن وقطعت المواد الغذائية التي أبقتها بشكل متقطع، ومن ثم قطع الماء والكهرباء، واستمر الحصار أسابيع لدرجة أنهكت السجناء، وبعدها أحضرت الدولة عددا من الرافعات والتركسات، وفي أعلاها قناصات واستهداف السجناء بشكل عشوائي واحد تلو الآخر 21 ديسمبر 2008 حضر رئيس شعبة المخابرات صهر بشار الأسد آصف شوكت ليخبر بقرار الدولة بإخلاء سجن صيدنايا إلى سجن عدرا المدني خرج السجناء على دفعات، عدا عشرين شخص رفضو الخروج، ولكن الدولة اقتحمت السجن لتمشيطه، فقتلت عددا منهم واعتقلت الآخرين، عندها انتهى التمرد في سجن صيدنايا، بعد أن دام تسعة أشهر متواصلة حسب تقرير منظمة العفو الدولية وهيومان ووثائق ديكياليكس أن عدد القتلى يتراوح بين ستين ومائة قتيل تقريبًا.

 إن النظام السوري ومحققي النظام يدركون أشد الإدراك أن النساء بريئات من تهم الإرهابيين الذين يصفونهن بها، وهؤلاء النسوة يتلقون أشد وأحقر وأقذر أنواع المعاملات من السجانيين؛ فأصبح عدد المعتقلات مرعبا، ولا يتخيله عقل، ولا وجدان، حيث وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2011 نحو 18500 امراة في السجون، وتحدثت عن حوالي 6580 اعتقال تعسفي تعرضت له المرأة في نفس الفترة، كما كشفت إحصائية لتنسيقات الثورة تعرض 1500 فتاة للاغتصاب بالسجون، وأجرت مقابلات مع منظمات حقوقية ودولية بملفات وأرقام سرية لملاحقة النظام السوري أمام العدالة الدولية.

إذ روت إحدى الفتيات بلقب مستعار (نور): هناك شقة في حمص، وكان بعض الشبان يحرسونها، وكان بداخلها 15 فتاة معتقلات تشرف عليهن امرأة، وظيفتها أن تهيئ الفتيات المعتقلات لتقدمهن كهدايا لشخصيات على الأغلب أنهم ضباط للأمن، حيث يتم نقل الفتيات لـ(فرع فلسطين) التابع للمخابرات العسكرية السورية، حيث يتم داخل الفرع أبشع وأقسى أنواع التعذيب من ضرب واغتصاب وصعق بالكهرباء والإبر التي تشل الحركة قبل الاغتصاب، وكان الضباط يأمرون العساكر أيضا بالاغتصاب، وعندما كانوا يمتنعون، يقولون لهم إنه أمر عسكري.

كما استخدموا الجرذان والقطط في عملية التعذيب والاغتصاب حتى طال التعذيب لقمة العيش، فالخبز اليابس هو الوجبة الرئيسة والوحيدة التي لا تؤكل حتى يقوموا بالبول عليه، وإجبار المعتقلين على أكله. أهم ما حصلته نور خلال فترة اعتقاله هو اسم الضابط المجرم باسل حزقلي (أبو عاهد)، الذي طالبت المنظمات الدولية لملاحقته (مجرم حرب).

 أسوأ ما تتعرض له المعتقلات التعذيب الذي يبدأ بالشبح وينتهي بالإجهاض وإجبار النساء على الاعتراف الكاذب بممارستهن جهاد النكاح وبث شهاداتهن على وسائل الإعلام. اللواء جميل الحسن ينقل المعتقلات السوريات من سجون النظام إلى لبنان في باصات مغلقة ومحمية، حيث يتم وضعهن بمراكز سرية في الناحية الجنوبية بمستودعات تحت الأرض وكل 48 ساعة تنقل 300 سجينة ويتم اغتصابهن من الحزب الشيعي الشيطاني. بغض النظر عن التعذيب الجسدي والنفسي، فإن مخلفات هذه الأشياء وخيمة على النسج الاجتماعي السوري واستخدامهم كورقة للضغط لتبادل الأسرى.

 كما سرب المصور الذي كان يعمل لدى النظام ضمن فريق الطب الشرعي 45 الف صور يظهر من خلالها العنف الممنهج من النظام ضد المعتقلين في أقبية وسجون النظام حيث ذكرت الصحيفة (ديلي ميل) أن هذه الصور جمعت بين عامي 2011 و2013 من خلال عدسة usb وذكر المصور أنه كان معرض لنفس التعذيب، لكنه استطاع الفلات من أيدي النظام والاتصال مع المعارضة السورية هذه الصور عرضت على مقر الأمم المتحدة نيويورك عام 2014 وهي نفس طرق التعذيب التي كان يتبعها حافظ الأسد، ويذكر المصور أنه حضر متنكرا إحدى جلسات الأمم المتحدة ليظهر الصور التي توضح آثار التعذيب والوخز بأعقاب السجائر والضرب بكبلات الكهرباء وعيون مقلوعة على أجساد أشخاص بمختلف الأعمار.

 الصحيفة استهلت السطور الاولى من التقرير قائلة إن صور التعذيب تظهر حقيقة الرئيس السوري الذي تدافع عنه روسيا وتطالب الغرب بدعمه كجزء من دعم الحكومة البريطانية الرافضة للضربات الجوية الروسية على سوريا، ووثقت منظمة العفو الدولية ظروف وفاة نحو 18 ألف معتقل خلال خمس سنوات مشيرة إلى روايات مرعبة عن التعذيب التقرير كان بعنوان (المسلخ البشري) عمليات شنق جماعية وإبادة ممنهجة في سجن صيدنايا، ويوجد أكثر من مائتي ألف شخص بين معتقل ومفقود في سجون النظام عام 2011، دعت منظمة العفو الدولية الأمم المتحدة للتحقيق من أعدام 113 ألف معتقل في صيدنايا.

 اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن آلاف الصور التى تم تسريبها عن المعتقلين قضوا تحت التعذيب داخل سجون الحكومة في سورية تشكل أدلة واضحة على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

 مع كل أشكال التعذيب يحرم المعتقل حتى من حقه وحق أهله بقبر له ليقوم النظام بتجميع الجثث ورصفها كأعواد الكبريت وحرقها بدرجة حرارة عالية ليتحولوا إلى رماد أو بأفران الغاز أو حتى المتاجرة بأعضاء المعتقلين وبهذه الطريق لا يبقى، ولا أي دليل للتعذيب، عدد الجثث تقريبًا باليوم 150 معتقلا.

 العالم لا يتحرك لمحاسبة مرتكب هذه الهلوكسات الأشد بشاعة من هلوكاس النازية الهتلارية ألف مرة؛ لأن الضحية عربي، وليس أوربيا أو يهوديا. المجتمع الدولي شاهد على جرائم النظام، وشريك له لن يتخذ بحقهم أية عقوبة طالما روسيا ستستخدم حق الفيتو للمرة المليون. إرادة الشعوب هي نقطة الخلاص والحسم، ومن الضروري للإرادة أن تكسر جدران السجون، وتفك القيود المانعة إلى طريق العدل والسلام والحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد