في عالم موازٍ وفي كوكب شبيه بالأرض: يومـًا رأى طفـل مشهدًا عجيبًا لا يصدق، حيث رأى قضبان الحديد تتحرك إن تحرك القطار وتتوقف إن توقف! فقام من توّه مسرعًا يسأل والده عن هذا المشهد الغريب الذي أبصرته عيناه، فكان رد الوالد العاجز عن التفسير: يا بني إن القضبان لا تتحرك إنها ثابتة! فلم يقتنع الطفـل برد والده المبرر ثم قام لينظر مرة أخرى وليعيد التجربة.

فبينما القطـار يسير إذ بالحديد أيضًا يتحرك! أمر عجيب!

قامت الفكرة في عقل الولد وبدأ يسأل الكثير عنهـا من أساتذة ومفكرين، والكل يقـول له: القضبان لا تتحرك وإنما يُخيل إليك بينما هو يرى العكس تمامًا. فمرت الأيام والفكرة تثبت في عقله يومـًا بعد الآخر، ولا يرى من هؤلاء العواجيز إلا تبريرًا.

ثم وفي يوم سمع صديقـًا له يحدثه بنفس حديثه، فانتفض من موطنه قائلاً: أنا صح.. أنا صح!

بعد مرور أسابيع، بدأ يشرح نظريته نحو تحرك قضبان الحديد ويصدقه جميع أبناء جيله، حتى كوَّن مجتمعـًا كبيــرًا كلهم مصدقون لـه، ثم جره هواه ليفسـر النظرية بأن أرواح الآلهة تتحرك معنـا حينما يتحرك القطار وذلك لتحفظنا: إن الآلهة معنـا!

ذاع صيت الفتى، ولُقّب بعالم عصره، وأصبح له قاعدة شعبية عظيمـة في المجتمع تتبعه. وفي أول الأمر كان النظـام لا يهمه أمر هذا الفتى الجاهل – باعتقاد النظام – ولكن كانت الطامة الكبرى يوم أن ادعى الفتى أن مذهبه هو المذهب الحقيقي باعتبار الآلهة، وأن ما دونه هو مذهب الشيطان، ولا بد من انتصار الآلهة على حكم الشيطان!

من هنا تحول الأمر من طفل أبله يجر خلفه جماعة من البلهاء إلى خطر يهدد كيـان النظام في الدولة، بل والعالم كله، باعتباره أن العالم يحكمه الشيطان وأن الآلهة لا بد لها من النصر!

بدأ النظام يقمع الفكرة إعلاميًـا ببطلانهـا وأنها خرافات وجهـل، فلم يقتنع أحد حيث أنهم يرون بأعينهم كما يرى الطفل وأتباعه القضبانَ تتحرك! بدأ تشويه الفتى بأنه مريضٌ نفسيٌ، فلم يشفع. ثم بدأت مرحلـة القمع وتم اعتقال الفتى – عالم زمانه – فثار الناس كلهم على النظام وذاع صيته في كل أرجاء الدولة؛ النظام يحارب العلم والتطور.

اضطــر النظـام أن يفرج عن – الطفل العالم – وأصبح رمزًا للعلم رغمـًا عن النظام وما يملك. وأما من قتلهم النظام بقمعه فلقد أصبحوا رموزًا للعلم تحفظ الآلهة أرواحهم! وأصبح للفتى العالم قاعدة عظيمة فأعلن: لا بد أن يسقط نظام الشيطان! رفض النظام ذلك فانتفضت جموع الشعب لتقضيَ على النظام وتقتل رئيسه في ميدان عام، ثم قام الفتى العالم من فوره يخطب في ميدان الوطن أمام الملايين من شعبه بعد أن أصبح الحاكم بأمر الآلهة وقال: اليوم سقط حكم الشيطان. اليوم تغزو الآلهة العالم!
بدأ هذا الفتى العالم يفتتح جبهات جديدة من دول أخرى ليكسب نفوذًا هنالك ويكتسب شعبية. ثم بعد أعوام ما بين الاقتناع بالفكرة أو الغزو العسكري حكم بلادًا كثيرة، حتى أصبح الحاكم الفعلي للعالم بصورة غير مباشرة وكل مرة يعلن: الحكم بأمر الآلهة!

ولكن وفي وقت الذروة لقوته ظهرت فكرة أخرى أكثر عقلانية لتغزو العالم ولتمر بنفس الصعاب التي مر بها هذا الفتى العالم من قمع السلطات، لتقول الفكرة: أن الحديد يتحرك بتحرك القطار لأن الحديد هو مدير الكون والمتحكم فيه، وهو صاحب السلطة والأحق بالعبودية. ورد على فكرة الفتى العالم بأن ادّعاءه بأن أرواح الآلهة تتحرك معهم ادّعاء لا دليل عليه، وأما نظريته فهي ذات دليل بأن الحديد هو العنصر الأكثر وجودًا في الأرض. ثم ادّعى أنه ابن الحديد وقال في أوساط شعبه: الحكم حكم الحديد. وأنا ابن الحديد!

ولا عجب في أن ذاع صيته ففكرته أكثر عقلانية من الفتى العالم. ثم بدأ العالم يدور بين هاتين النظريتين لا يخرج عليهمـا، ودارت صراعـات عديدة بين الطرفين كل يدّعـي أن معه أمر الإله وأنه الأدق والأصوب. وأصبح العالم يتشكل بين قوتين عظيمتين تحرك كل منهمـا الفكرة تحت اسم الآلهة!

ثم جـاء ولـد صغير لم يعجبه هذا السخف منذ أن كان طفلاً صغيرًا فدرس وترعرع على العلم حيث أن عقله السوي السليم لم يجعله يسلك هذا المسلك غير السوي.

فأكمل دراساته ووضع نظرية تسمى – النسبية – وشرح فيها بطريقة علمية بحتة لماذا يخيــل لنا أن قضبان الحديد تتحرك بتحركنا، ثم قال مقولة كانت مفرقًا للعقول التي تفكر: أيها الناس لماذا أمسكتم في الحديد الذي يتحرك معكم، أليست أعينكم ترى كل شيء يتحرك بتحرك القطار لا الحديد فقط. ثم قال أيها الناس: إن هؤلاء كاذبون يضحكون على عقولكم باسم الإله! وقبل أن أقول لكم مصير العالم بعد هذه النظرية التي توضح ببساطة زيف هذه الادعاءات سأقول لكم من هذا الولد إنه “محمود السيد أينشتاين!”.

قد تتوقعون معي ما جرى وهو ببساطة: أن ثارت الشعوب على هؤلاء الكذابين ليسلكوا المسلك الصحيح ولكن كان الرد مفاجئًا بعدما أتى الدليل البين؛ فقد قال أحد كهنة – الفتى العالم – ليدلس على الناس بقوله: إنما هذا الطفـل جاءته هلاوس الشياطين فتجنبوه فإنه يلبس عليكم دينكم. وقال آخر إنما هو شيطان جاء ليدمر البشرية. وقال أحد من أتباع – ابن الحديد – هل يصح أن يكون هذا الأبله أصح قولاً من الآلهة! واتفق الطرفان – على الرغم من النزاعات التي بينهما – على قتل محمود أينشتاين وقد تم ذلك وعلق في ميدان عــام أمام الملايين.

وإن تسألني وهل رضيت الشعوب؟ سأفاجئك بأن الملايين الذين وقفوا في الميادين يشاهدون إعدام أينشتاين هذا: هم الشعوب!

وقد يسأل سائل كيف ذابت عقائد وأديان الشعوب التي كانت تعيش في هذا الكوكب، أين عقول الشعوب كي ترضى بهذا السفه الذي ينكره أي عقــل؟! كيف مرت هذه الأفكــار لتنسلخ معها كل الأديان والمعتقدات التي كان يدين بهـا سكان الكوكب؟

يا صديقي – الأمر ليس بهذه البساطة فما قرأته من سطوري لم يحكِ إلا النتائج لكنك لم تدخل الكواليس كي تعلم. فسأحكي معك ما دار في الكواليس كي يحدث هذا التحول الحقيقي: إن الانتصار الذي حققه – الفتى العالم – بسبب طغاة النظام جعـل نظريته غير العاقلة محـل تقدم ورخاء منعه النظام من الانتشار فانساب الكثير نحوه، وطبيعة الشعوب المتخلفة التي تركع لأي إله اتجهت نحو نظريته دون أن يفكر أحد أن هذا طُعم نحو الانسياب من أديانهم. وعلى الرغم من الطغيان الذي قام به هؤلاء مدعو العدل، لم تفكر الشعوب يومًا في الثورة عليهم.

ولكن ليس فقط: فلقد ظل طوال الفترة التي حكمها هؤلاء الجهلاء بعضٌ من أحرار العقول الذين لم تلوث فطرتهم وظلت نقية تناضــل لأجل الحق، ولقد مروا بالاعتقال والقتـل تحت مسميات زائفة اتخذها هؤلاء الطغاة ليقصوهم من إظهار الحق للعامة. ولقد ظلـوا أعوامًا لينشروا الحق، وليعيدوا الشعوب البائسة نحو أديانها ومبادئها السوية التي تركت لأجل أفكار عبثية ليست سوية. ولعل آخرهم هو – محمود أينشتاين – الذي ترك في نفس الشعوب شيئًا بعد إعدامه وإهانته جورًا وظلمـًا.

وإنني أعتقد أن هذه الأفكار التي يسلكهـا هؤلاء الأنقياء من محاولة توعية الشعوب وفقط لن تؤدي إلى الثمرة المطلوبة، بل قد تكون محورًا بسيطًا نحو التغيير، وإني ناصح لهم بأن ينظــروا لخطوات القوة التي سلكها عدوهم كي يتميزوا فيهـا ليصارعوهم عليها. وإن هذه الشعوب التي سيبذلون قصــارى جهدهم ليعلموهم ويثقفوهم سينسابون تلقائيًا نحو الحق يوم أن ينتصـر!

ببساطة: إن يتعلموا من التاريخ، فسيجدون فيه كيفية التغيير. ولكني سأحذف مقولتي كي لا أَلقى نفس مصير أينشتاين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد