هذه الكلمات هي من باب استذكار شيخ اللغة العربية أبي فهر محمود شاكر – رحمه الله -، هذا الشيخ الذي ظل غير معروف لفترة من الزمن ليست بالقليلة، وحتى هذه الأيام، ربما لا يعرفه الكثير من القراء والمطالعين، طبعًا مقارنة بأقرانه أو ممن خاض معهم الشيخ معاركه الأدبية. ولا أدعي بأنني سآتي بالجديد عن هذا الشيخ؛ إلا أنني سأكتب بضع كلمات عن حياته وأعماله ومعاركه الأدبية…إلخ، هي أقرب ما تكون إلى السيرة الأدبية.

محمود شاكر، محقق للعديد من كتب التراث الإسلامي والعربي، وصاحب منهج فريد خاص في الشعر اسماه «التذوق»، توفي رحمه الله عام 1997م في القاهرة.

لم يكن محمود شاكر معروفًا قبل أن يكتب كتابه «المتنبي»، بمنهجه الجديد الذي شجع على البحث الجاد، والذي أثار ضجة واسعة، والغريب أن الشيخ لم يكن قد تجاوز السابعة والعشرين عندما كتب مؤلفه «المتنبي». والذي تكلم فيه في أمور جديدة لم يهتد إليها أحد قبله، كقوله في المتنبي بأنه ليس أحد أبناء السقائين بالكوفة كما قيل، وحديثه عن حب المتنبي لخولة أخت سيف الدين الحمداني واستشهد على ذلك بأشعار المتنبي نفسه، وغيرها من الآراء التي توصل إليها الشيخ بفضل منهجه الجاد والفريد.

يلاحظ في كتابة أبي فهر، تمكنه من اللغة والشعر وما يتعلق بهما، حتى إذا ما قرأ أحدنا له، أحس بأنه يقرأ إلى أحد أولئك القدامى كما في كتب الأدب واللغة في جماله وروعته وبيانه، كما يعرف الشيخ بأنه ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية في العصر الحديث، فهو بالإضافة إلى كونه صاحب منهج خاص «التذوق»، يعتبر الشيخ شاعرًا ومحققًا للعديد من كتب التراث والأدب العربي.

عرف عن أبي فهر سجالاته ومعاركه الأدبية مع العديد من كتاب عصره؛ لذا فقد عرف عنه دفاعه المستميت عن التراث الإسلامي ولغة الأمة والثقافة العربية، وكان على رأس تلك الأسماء التي خاض الشيخ معاركه معهم، طه حسين ولويس عوض، وكان للأخير النصيب الأكبر كما هو ملاحظ في كتاب (أباطيل وأسمار)، لما أثاره في سلسلة من المقالات التي كتبها في صحيفة الأهرام تحت عنوان «على هامش الغفران»، والتي تكلم فيها عن المعري وأنه تلقى تعليمه من علوم اليونان…إلخ، فانبرى له الشيخ مدافعًا، فكتب ثلاثًا وعشرين مقالة في ذلك، والتي لم تكتف بالرد على لويس عوض؛ بل تعدت إلى الحديث عن الغزو الفكري وعن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، والتي خرجت بالنهاية بكتاب هو «أباطيل وأسمار».

كانت بداية الشيخ في الجامعة، عندما بدأ بالاستماع إلى الأستاذ طه حسين، وما كان يقوله في الشعر، والذي عرف فيما بعد بــ«في الشعر الجاهلي»، وكم كانت الصدمة للشيخ عندما كان يسمع هذا الحديث الذي أُخذ بحذافيره من مجلة استشراقية والتي كتبها المستشرق الإنجليزي مرجيليوث، كما اعتبر الشيخ أن ما يقوله طه حسين يُعد سطوًا على أفكار هذا المستشرق.

وعندما ترسخت مكانة الشيخ العلمية والأدبية، بدأ العديد من الدارسين والباحثين بالوفود إلى بيت الشيخ والنهل من علمه والاستماع له، وكان من بين تلك الأسماء على سبيل المثال: مالك بن نبي وعبد الرحمن بدوي وعلال الفاسي ومحمود حسن إسماعيل… والعشرات من الأسماء التي تعتبر أغلبها بارزة في الساحة الأدبية في فترة الخمسينيات والستينيات.

ربما كانت هذه الكلمات ليست بالجديدة، وهي كذلك، ولأنني كما ذكرت في البداية بأنني لن آتي بالجديد، فقد قالوا عن أبي فهر ما قالوا؛ إلا أنني أحببت أن تكون مقدمة أو تعريفًا بالكاتب لمن لا يعرفه، فمثل هذه الأسماء، يجب على كل مطلع أو مهتم بالأدب والتراث الإسلامي والعربي أن يطلع عليها، لما فيها من فكر ناضج ومنهج فريد وبحث جاد وسعة في العلم والاطلاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك