تتحدد الاجتماعات، وتُوزع الدعوات، وتتم المؤتمرات، وتطرح الأولويات، وتناقش الآراء؛ لكن نهر الدماء ما  زال يسيل، وصوت الصواريخ، والمدافع، والطائرات يجول، ودموع الأيامى واليتامى لن تجف بعد؛ فسبع من السنين، ولم يتوصلوا باجتماعاتهم إلى شيء، سوى الدمار، والتشريد، والقتل، والتهجير بكافة الأشكال والوسائل.

مؤتمر جنيف (1)

30 يونيو (حزيران) 2012 اتفقت كل من «الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وتركيا، وجامعة الدول العربية» في مدينة جنيف، في سويسرا، على مرحلة انتقالية، لكن الأطراف المعنية بالنزاع هم السوريين وغيرهم، اختلفوا على تفسير هذه المبادئ، التي تشير بوضوح إلى مصير «الأسد»، والذي تطالب المعارضة برحيله.

اعتبرت واشنطن أن الاتفاق يفسح المجال أمام مرحلة «ما بعد الأسد»، في حين أكدت بكين وموسكو أن مصير «الأسد» يعود للسوريين.

مؤتمر جنيف (2)

10 فبراير (شباط) 2014 أشرف على المؤتمر الوسيط الدولي «الأخضر الإبراهيمي»، وحضر الاجتماع وفد الحكومة، والائتلاف الوطني لقوى الثورة، والمعارضة السورية؛ وانتهى الاجتماع 15 فبراير (شباط) 2014 إلى طريق مسدود؛ بسبب الاختلاف بين الطرفين، وكان أبرز الاختلافات؛ أن وفد النظام السوري أصر على وضع قضية الإرهاب على رأس بنود المفاوضات، بينما كان أهم البنود لدى المعارضة تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات.

لم تتمكن راعيتا المفاوضات موسكو وواشنطن من إحداث تقديم بعد إعلان «الإبراهيمي»، وأنهما وعدتا بالمساعدة في حل الأمور بين الوفدين، اللذين جلسا مرتين في غرفة واحدة منذ بدء الجولة.

مؤتمر جنيف (3)

فبراير (شباط) 2016 تأجل هذا الاجتماع لأكثر من مرة، وصرح في ذلك مبعوث الأمم المتحدة «ستيفان دي ميستورا» أن المفاوضات لم تفشل، إنما تأجلت، ولكن كما هو معتاد للمؤتمرات؛ باء المؤتمر بالفشل، وذلك بسبب الخلاف بين الطرفين، حول الفقرة «12، و13» من القرار الأممي «2254»، الذي يطالب بالسماح للوكالات الإنسانية بالوصول لجميع أنحاء سوريا، وبأقصر الطرق، والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، ولا سيما النساء والأطفال، كما أن المعارضة رفضت أن يكون «للأسد» مستقبل في سوريا الجديدة.

صوت مجلس الأمن يوم 18 ديسمبر (كانون الأول) 2015 بالإجماع على القرار الأمريكي «2254» الذي ينص على بدء محادثات السلام في سوريا يناير (كانون الثاني) 2016 بدعم المجموعة الدولية لسوريا، واعتبارها المنبر المحوري؛ لتسهيل الجهود الأممية الرامية لتحقيق تسوية سياسية دائمة في سوريا، ونص القرار على ضرورة إنجاح المفاوضات بين السوريين، بإشراف أُممي، وأن تنتج هيئة حكم ذات مصداقية، تشمل الجميع، وتكون غير طائفية، واعتماد دستور جديد لسوريا في غضون ستة أشهر، وإجراء انتخابات في غضون ثمانية عشر شهرًا بإشراف أممي.

مؤتمر جنيف (4)

23 فبراير (شباط) 2017 برعاية الأمم المتحدة بمدينة جنيف، بحضور وفدي النظام والمعارضة، بدأت الجولة عقب الاتفاق حول وقف إطلاق النار في سوريا، آخر ديسمبر (كانون الأول) 2012، وجولتان من المفاوضات بين الطرفين في «أستانة عاصمة كازاخستان».

وتمكن المشاركون الذين قادهم «دي ميستورا» من التوصل إلى اتفاق على جدول أعمال، يتكون من أربع سلال وهي:

1- القضايا الخاصة بإنشاء حكم غير طائفي، يضم الجميع خلال ستة أشهر.

2- القضايا المتعلقة بوضع جدول لمسودة دستور جديد خلال ستة أشهر.

3- إجراء انتخابات نزيهة وحرة، بعد وضع دستور خلال ثمانية عشر شهرًا، بإشراف الأمم المتحدة وتشمل السوريين خارج بلادهم.

4- استراتيجية مكافحة الإرهاب، والحكومة الأمنية وبناء إجراءات للثقة المتوسطة الأمد.

لم تشهد الجولات السابقة نقاشًا حقيقيًا حول عملية انتقال مفترضة للسلطة في سوريا، في ظل رفض النظام السوري تطبيق بيان جنيف (1)، خاصة بعد تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة عام 2016، على حساب المعارضة السورية في حلب، وفي نهاية اجتماع جنيف (4) أعلن عن جولة من المفاوضات بين الطرفين.

يُشار إلى أن الثورة السورية انطلقت من احتجاجات شعبية عفوية، وسلمية، في مناطق سوريا عام 2011 تطالب بالحرية والكرامة، ووضع حد للقمع، والفساد، والديكتاتورية؛ وسرعان ما عمت معظم مناطق سوريا، وقمع النظام هذه المظاهرات السلمية بالسلاح؛ فسقط مئات الآلاف من الضحايا، وتشرد الملايين نزوحًا في الداخل السوري، ولجوءًا في مختلف بقاع العالم، وتحولت سوريا إلى أزمة دولية، وساحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

مؤتمر جنيف (5)

21 مارس (آذار) 2017 حيث عقد المؤتمر بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية، على خط الصراع السوري بشكل مباشر، ومحاربة داعش، وإخراجها من الرقة، وتبلور تنسيق ميداني بين «الولايات المتحدة، وروسيا، وتركيا»، وظهور نوع من التوافق الدولي والإقليمي على تحجيم نفوذ إيران، على مستوى الإقليم، بينما صرح «دي ميستورا» أمام مجلس الأمن الدولي، أن الاجتماع سيتناول نبذ مكافحة الإرهاب، ووضع المليشيات الأجنبية في سوريا، بينما تحدثت سفيرة الولايات المتحدة عن إخراج إيران، ووكالاتها من سوريا، على قدم المساواة مع إخراج الإرهابيين منها.

جدير بالذكر أن المبعوث الدولي رفض مناقشة القضايا المتعلقة بوقف القتال، وحل المسائل الإنسانية، ومكافحة الإرهاب، تاركًا ذلك لمسار «أستانة»، وأنه أعد نوعًا من اتفاق الإطار أو «اللا ورقية»، من اثني عشر بندًا، قدمها للطرفين لمناقشتها وإقرارها بالجولة المقبلة؛ وهي احترام سيادة سوريا، واستقلالها، وسلامتها الإقليمية، ووحدتها أرضًا وشعبًا، وتمتعها بالمساواة من حيث السيادة الوطنية، ويقرر الشعب السوري وحده مستقبل بلده، بالوسائل الديمقراطية؛ عن طريق صندوق الاقتراع، وسوريا دولة مستقلة، وغير طائفية، تقوم على المواطنة، والتعددية السياسية، والتأكيد على الوحدة الوطنية، والتمثيل العادل بإدارة المحليات في الدولة، والإدارة المحلية، واستمرارية عمل الدولة، ومؤسساتها العامة، وتحسين أدائها، مع إجراء إصلاحات، واحترام حقوق الإنسان، والحريات، وإسناد قيمة عالية للهوية الوطنية لسوريا، وضمان السلامة، والمأوى للمشردين، واللاجئين؛ فيما ذلك حقوقهم بالعودة إلى ديارهم، إذا رغبوا، وصون وحماية التراث الوطني، والبيئة الطبيعية.

ولكن الركود ساد الجلسة الخامسة، وركز النظام بالاجتماع على بند مكافحة الإرهابيين، وركز وفد المعارضة على بند الحكم الانتقالي، وانسحاب الوحدات الكردية من الاجتماع؛ وذلك بسبب رفض الهيئة إدراج ورقة تتناول القضية الكردية في ورقة «اللا ورقية» التي قدمها «دي ميستورا».

مؤتمر جنيف (6)

18 مايو (أيار) 2017 سحب «دي ميستورا» ورقته، والمعارضة تُصر على الانتقال السياسي؛ حيث قال رئيس الائتلاف المعارض «رياض سيف»: إن الوصول للانتقال السياسي، هو أهم ما نطمح له، والخلاص من الحكم المستبد، وقال إن الأمم المتحدة تتحمل المسئولية بشكل كامل، وأن يكون دورها شاملًا في عملية وقف إطلاق النار، والسعي لتكون جميع المناطق السورية آمنة، وخالية من القصف بكل أشكاله، كما تحدث عن قضية المعتقلين، – وهي من أهم القضايا التي يجب طرحها -، وجرائم الحرب التي يفتعلها النظام داخل السجون، ويأمل رئيس المعارضة «نصر الحريري» أن تطرح الأمم المتحدة خلال الجولة، خطة تسهل الانتقال السياسي، واستبعاد نظام «الأسد» من الحكم.

اختار «دي ميستورا» أن يحرك مياه جنيف الراكدة؛ لكي يتم التركيز على القضايا السياسية، والإنسانية دون الالتفات لتصريحات نظام «الأسد»؛ الذي وصف محادثات جنيف بمجرد لقاء إعلامي، وهدد وفد المعارضة بالانسحاب من المؤتمر، على استمرار جرائم النظام، وتهجير السكان.

قالت مصادر لوفد المعارضة؛ إن هناك ضغوطًا روسية كبيرة، على هيئة التفاوض حيث صرح أحد المسئولين الروس: «أنه لا يوجد قرارات دولية برحيل «الأسد»، ورد وفد المعارضة بأنه لا يمكن قبول أي حل في سوريا يتضمن بقاء «الأسد» في السلطة».

ولا تقدم في جنيف (6)، ولا استقرار بوجود تدخل أجنبي إيراني، وارتكابها مجازر حرب بحق الشعب السوري، وقررت المعارضة الانسحاب؛ بسبب غياب استراتيجية تفاوضية واضحة، ويوجد لدى المعارضة معلومات عن وجود محرقة لجثث المعتقلين في مقر المخابرات الجوية بحلب وصيدنايا العسكري بدمشق، ولفت «الحريري» إلى أن جرائم داعش تتم بالاتفاق مع النظام.

مؤتمر جنيف (7)

14 يوليو (تموز) 2017 للمرة السابعة على التوالي، مؤتمر جنيف برعاية أممية، بين وفدي المعارضة والنظام، واعتبر الناشط السوري «أيمن المحمد» أن الجولة السابعة هي الأهم بين الجولات السابقة؛ والسبب أنها أتت بعد تثبيت وقف إطلاق النار، وتحديد مناطق خفض تصعيد في «أستانة»، حيث يرى أن وقف الاقتتال والقصف؛ يفسح المجال للحديث عن المسار السياسي الذي بقى معطلًا طيلة ست سنوات، وأن النظام السوري يحاول إفشاله؛ لأن أي عملية سياسية ستفضي لمرحلة انتقالية لن يكون «الأسد» جزءًا منها حسب جنيف (1).

باتت جنيف (7) بالفشل كأخواتها «الجنيفات»، والمشهد السياسي بات يدور حول محور واحد؛ وهو ماذا نناقش أولًا؟ مكافحة الإرهاب، ومطالب النظام أو الانتقال السياسي وهو طلب المعارضة؟ لا تهتم واشنطن بتفاصيل العملية السياسية وتشعباتها، بقدر ما تهتم بنتائج هذه العملية.

الانتخابات، فمن صناديق الاقتراع؛ يولد النظام السياسي الجديد، بغض النظر عن المسارات، والاتفاقيات بين طرفي المفاوضات، حيال تقاسم السلطة، وعلى خلاف ذلك لا تريد روسيا أن تنتهي العملية السياسية بإحداث نقلة كبيرة في بيئة النظام، وهكذا انتهت الجولة بدون أي تقارب بين الطرفين؛ حيث وصف «الجعفري» المباحثات الأهم هي مكافحة الإرهاب، ومسائل دستورية، ووصفت المفاوضات بشأن مكافحة الإرهاب؛ بأنها كانت مفيدة ومفصلة، ونفى عقد أي اتفاق مع المعارضة بشكل مباشر، وقال إن وفد النظام قدم رؤيته إلى المبعوث الدولي بشأن هذه النقطة.

رئيس وفد المعارضة «الحريري» في لقائه مع «دي ميستورا» قال إن النظام يستخدم ذريعة محاربة الإرهاب؛ للتهرب من استحقاقات سياسية مضيفًا في الحقيقة نحن من نحارب الإرهاب، وأكد «الحريري» أنه لا يمكن الوصول إلى الاستقرار، وعودة اللاجئين، وبناء سوريا إلا بتحقيق الانتقال السياسي، ووقف إطلاق النار الشامل، وإنهاء نظام «الأسد»، وأضاف «الحريري» أن هناك طرفين:

الأول- يسعى لتحقيق تقدم في العملية السياسية وهو المعارضة.

الثاني- طرف لا ينوي أي انخراط في العملية السياسية وهو النظام.

شددت الهيئة العليا للمفاوضات في بيان على ضرورة رحيل «الأسد» وألا يكون له أي دور في مستقبل سوريا.

مؤتمر جنيف (8)

بعد اتضاح معالم نفوذ «أمريكا وروسيا» في سوريا؛ حيث تعمل الدولتان لرسم مساراتهما السياسية والعسكرية، بعيد عن بعضهما؛ تبدو موسكو مستعجلة للانتقال إلى المستوى السياسي، مستفيدة من الانتقالات التي حققتها على الأرض؛ وما نتج عن تفاهمات مع تركيا، والفصائل المسلحة، والمجالس المحلية. فيما تبدو واشنطن غير مستعجلة على أي انتقال للمسار السياسي، ولا تنشيط اجتماعات جنيف؛ ويعود ذلك لغياب رؤية واضحة للحل السياسي، أو لأن شروطه لم تكتمل بعد برأيها.

هل اجتماعاتهم وتشاوراهم عبارة عن إعلام فحسب؟ أم ضبط للنفوس؟ أم أنها للوصول لمطالبهم ومكاسبهم كل طرف منهم على حدة؟ أم أنها جرعة من التسكين والتخدير للشعب؟ فكل اجتماعاتهم باءت بالفشل، ولم ولن تحصل التهدئة؛ حيث من ساعد وشارك بالقتل والدمار، لن يساعد ليعم الأمن والاستقرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد